تستعيد الناقدة السورية خالدة سعيد ظروفاً وخبرات ووجوهاً كثيرة صنعت ألق المسرح اللبناني في الستينيات، وترى أنّ عاملاً أساسياً أدّى دوراً في هذا الصعود الهائل، ألا وهو الممثلون الذين شكّلوا عماد المسرح اللبناني الحديث، وفق تسميتها، إلى جانب كتّاب ومخرجين ومترجمين ومسرحيين آخرين. في مؤلّفها «الحركة المسرحية في لبنان 1960 - 1975: تجارب وأبعاد»، تعدّد أبرز أسماء هؤلاء، بتنوّع تجاربهم ومرجعياتهم الفكريّة والفنية، التي جسّدت رؤى وتجارب المخرجين اللبنانيين على الخشبة، وحملت على عاتقها تأدية أهمّ النصوص المسرحية العالمية والعربية.

يتساوى عمر تجربة رينيه ديك (1943 – 2021) الفنية، تقريباً مع عمر ذلك المختبر المسرحي الأشمل. الفنانة التي التحقت بــ«معهد التمثيل الحديث» لمنير أبو دبس باكراً، رافقت السنوات الأولى لبزوغ الحقبة الرائدة في المسرح. تالّقت مع تألّقها، وتراجعت وانكسرت أحياناً، بالتزامن مع انكفاء تلك السنوات. أمس، غادرتنا الممثّلة اللبنانية بخفوت. واحدة من صانعات الذاكرة اللبنانية المسرحيّة الحديثة، بتجربة دشّنتها منذ بداية الستينيات وتنقّلت فيها بين الشاشة الكبيرة والدراما التلفزيونية، فيما ظلّت منحازة دائماً إلى المسرح، حيث يقبع شغفها الأوّل. ليس مبالغة القول، إن الفنانة الراحلة قُتلت مراراً قبيل رحيلها، ولا نقصد بالطبع محاولتها ذات مرّة الانتحار بعد اكتئاب ألمّ بها في الثمانينيات. ففي السنوات الأخيرة، ارتبط اسم ديك بالفقر والتهميش والمرض، في أخبار تسابقت على نشرها الصحف والمواقع الإلكترونية. كأن الفنانة الراحلة، باتت تجسّد، من دون قصد، واقع المسرح اللبناني الذي واجه أولى خسائره مع بداية الحرب الأهلية، فيما توالت خسائره مع إغلاق المسارح البيروتية أبوابها، ومع سقوط وجوه ذلك الجيل شيئاً فشيئاً، بعضهم في ظروف لا تقلّ تهميشاً عن الظروف التي عاشتها ديك في السنوات الأخيرة. كانت ديك تعي هذا في سرّها، إذ راحت تربط دائماً مصير الفنانين أنفسهم بمصير المسرح في لبنان. كان يكفي أن تبدي قلقها على حال المسرح، لكي نفهم أنها بهذا تعلن قلقها على ظروفها وظروف مجايليها الحياتية الصعبة.

شاركت في مسرحيّات منير أبو دبس وشكيب خوري، إلى جانب أفلام برهان علوية، وجوسلين دبس ورندا الشهّال


في إحدى آخر مقابلاتها قبل بضعة أعوام، تساءلت عن سبب غياب مسرح وطني جامع لكل المسرحيين اللبنانيين، لكنها لم تطالب الدولة والنقابات الفنية برعاية الممثّلين والفنانين وحماية مصائرهم. نقابة الممثلين نعت الفنانة الراحلة أمس، بعد سنوات من المرض، وبعد تدهور وضعها الصحي الصيف الماضي، ليقعدها وحيدة في دار المسنّين في منطقة جبيل. هكذا غيّبت أخبار السنوات الأخيرة ألق بداياتها المسرحيّة. هناك ما دفع ديك إلى التخلّي عن الرسم، باكراً، عندما بدأت بزيارة محترف الفنان ميشال المير. لم يتطلّب الأمر وقتاً طويلاً. كانت تعرف جيّداً أنها تريد المسرح، وكان الزمن مختلفاً حينها. استعادت ديك مراراً بداياتها المسرحية، ومعها معارضة عائلتها الشديدة في ذلك الوقت توجّهها إلى التمثيل. لكن الدخول إلى محترف الرسم لم يلفظها خالية اليدين. فقد عرّفها أستاذها ميشال المير إلى منير أبو دبس، الذي كان قد جمع محترفه «معهد التمثيل الحديث» منذ 1960، ألمع روّاد المسرح اللبناني مثل أنطوان كرباج، ورضى خوري ونبيه أبو الحسن ومادونا غازي، ومنى جبارة وآخرين. في العشرين من عمرها، ستشارك ديك بدورها المسرحي الأوّل، مجسّدة شخصيّة «امرأة من آرغوس» في مسرحية لجان بول سارتر (ترجمة أنطوان كرباج ــــ إخراج منير أبو دبس) التي قدّمت في جبيل سنة 1963. مع أبو الدبس، توالت مشاركاتها المسرحيّة، بالتزامن مع صعود نجم معهد المسرح الحديث، الذي تحوّل إلى مختبر لمّ وجمع أهمّ تجارب ذلك الوقت في الترجمة والكتابة والديكور والإخراج مثل منير أبو دبس، وأنطوان معلوف، وأنسي الحاج، وأدونيس، وخالدة سعيد، وبول غيراغوسيان، وروجيه عساف، ونضال الأشقر. لاحقاً، اعتلت ديك المسرح مجدّداً سنة 1964 بدور ناردين إلى جانب أنطوان كرباج ورضى خوري في مسرحية «الإزميل» لأنطوان معلوف (إخراج منير أبو الدبس) التي قدّمت في قاعة وست هول في الجامعة «الأميركية في بيروت» قبل عرضها في صيف العام نفسه في معبد باخوس في بعلبك. اتسمت تلك الفترة بالغزارة الإنتاجية للمعهد في مسرحيات صنعت ريادة المسرح الحديث. شاركت ديك في معظم أعمال أبو دبس حينها، منها «الملك يموت» ليوجين يونيسكو (ترجمة أنسي الحاج – 1965) التي حقّقت نجاحاً لافتاً لدى عرضها في لبنان وفي القاهرة وبغداد ودمشق لاحقاً. ثمّ جاءت مسرحية «علماء الفيزياء» لفريدريك دورنمات (ترجمة أسعد رزوق – إخراج منير أبو دبس ـــ 1966) التي أدّت فيها دور الممرّضة مونيكا إلى جانب أنطوان كرباج وميشال نبعة ورضى خوري. فضلاً عن عملها مع أبو دبس، وقفت ديك على الخشبة في أعمال شكيب خوري، في مسرحية «رومولوس الكبير» لفريدريك دورنمات (ترجمة: أنسي الحاج – 1965) إلى جانب ريمون جبارة ونضال الأشقر... ثم «الفخ أو القدّاس الأسود» (1975) التي كتبها وأخرجها شكيب خوري، وعرضت على مسرح «مهرجانات بعلبك». حقبة مسرحيّة صاخبة، كان لا بدّ من أن تؤدي في النهاية إلى تأسيس معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية سنة 1965، والذي ضمّ قسم المسرح أيضاً. ولادة المعهد جاءت بعد معارك عدّة قادها المسرحيون حينها. خاضت ديك ما عرف بثورة الفنانين من أجل افتتاح قسم المسرح، إلى جانب فنانين آخرين أمثال أنطوان كرباج، وميشال نبعة، وأنطوان ولطيفة ملتقى. في السياق الأكاديمي، عملت ديك مدرّسة للمسرح لسنوات طويلة في «الجامعة اللبنانية الأميركية» منذ عام 1976، وكانت من أولى من قبلن العمل كموديل عارٍ لطلاب الرسم في الجامعة اللبنانية إلى جانب مريم خيرو وميشلين ضو.
لم تقتصر تجربة ديك على لبنان فحسب، بل تنقّلت بين فرنسا وتونس. اشتغلت في المسرح التونسي لفترة من الزمن، وشاركت في أعمال مسرحية عدّة، أبرزها تأديتها دور «السيدة» في «الخادمتان» لجان جينيه، بتوقيع المخرج التونسي الراحل عبد الرزّاق الزعزاع سنة 1971. سيلاحقها الدور مرّة أخرى، في التسعينيات لتقدّمه مجدّداً في «الخادمتان»، لكن هذه المرّة بإخراج العراقي جواد الأسدي. وفيما بدأت أحلام المسرح اللبناني بالانهيار تزامناً مع الحرب الأهلية اللبنانية، انحسر حضور عدد كبير من الممثلين حينها. لكن في تلك الفترة، أدّت ديك دور سيّدة في مسرحية «فيلم أميركي طويل» (1980) لزياد الرحباني. كذلك شاركت تمثيلاً في أشهر الإنتاجات السينمائية لتلك المرحلة القلقة؛ منها «بيروت اللقاء» (1982) لبرهان علوية، و«حياة معلّقة» (1985)، و«كان يا مكان بيروت» (1994) لجوسلين صعب، تلتها مشاركتها في «متحضّرات» (1998) و«طيارة من ورق» (2003) لرندا الشهّال. تجارب تضاف إليها أدوار أقلّ أهميّة في الدراما التلفزيونية، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، إذ ظلّت مستبعدة من أدوار البطولة مقابل أدوار هامشية في مسلسلات لم تنصفها كممثّلة استثنائية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا