احتفال بهي يليق بالفراعنة العظام. موسيقى وأضواء تنطلق من ميدان التحرير، مساحة من الجغرافيا الشاهدة على الفعل السياسي في مراحل فارقة من تاريخ مصر الحديثة. أنشأ الخديوي إسماعيل الميدان ليحمل اسمه، وفرضت ثورة 1919 إعادة التسمية، بعدما احتشدت الجموع فيه، وأعيد الاعتبار للمكان ليصبح رمزاً، يثبّت نظام يوليو 1952 المسمّى «التحرير»، لكنه ينزع إمكانية شغل المساحة المحرّرة، والاحتشاد فيها إلا لتأييده. يظل الميدان فضاء غير مشغول سياسياً، لكن صدمة 1967 تدفع الجمهور إليه، والمطالبة باستعادة الأرض المحتلة. بين الطلاب المتظاهرين في الميدان عام 1972، ولدت قصيدة أمل دنقل أو صرخته «لا تصالح» تجاوزاً نسمّي الهزيمة نكسة لكي لا تخدش نرجسيتنا المجروحة، ونتمسك بالأمل.

بعد اغتيال أنور السادات (تشرين الأول/ أكتوبر 1981) يسمى الميدان باسمه، لكن لا يُلتفت إلى ذلك شعبياً ويهمل رسمياً أيضاً. يظل الميدان، شاهداً على انتفاضة الخبز 1977وما تلاها من حراك لافت، وتفاعل مع قضايا اجتماعية، وعربية، منها التظاهر ضد غزو العراق والتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية. يصبح «التحرير» رمزاً للثورات بعد «25 يناير» 2011، الحدث الشعبي الذي شهد قدراً من التوحّد والتوافق النادريْن، صورة مؤثرة يحاول بعضهم طمسها.
ما سبق من محطات، لا ينفصل عن مشهد الحدث المبهر: نقل 22 من مومياوات المتحف المصري إلى «متحف الحضارة»، بعد مقام 100 عام، وهي فترة الفعل السياسي في الميدان، وتعبير عن احتلال أولاد البلد لفضاءات الجغرافيا والسياسة والثقافة، وبين أركانه مفاتيح لفهم فصول التاريخ الاجتماعي، وتعبير عن مواقف وتطلعات جمعت المصريين. في الاحتفال، غيِّب الحضور الشعبي. الآلاف في الشوارع المؤدية إلى «الميدان»، «محمد محمود»، «طلعت حرب» و«التحرير» وغيرها. احتشدوا أملاً في المشاركة، لكنّ عناصر قوات الأمن المركزي، بمن فيهم من أصحاب سمرة، وملامح فرعونية، من أبناء الجنوب خصوصاً، والضباط، منعوهم من التطلع إلى موكب المومياوات، ولو من زاوية ضيقة قرب الميدان. السلطوية الظاهرة تجيّش الحشود وتنصب الحواجز لتخفي خوفها، وتستأثر بالمشهد، خوفاً مما ما قد يعكره. تصرف غير خاضع لضبط، أو احتمال تعبير عفوي تلتقطه كاميرات وسائل الإعلام الأجنبية. المراد أن يكون الاحتفال رسمياً، ومنضبطاً لا مساحات فيه لغير الانبهار بالتاريخ والدولة والسلطة وما بينها من اتصال.
يشاهد الشعب عبر التلفزيون، فصولاً من تاريخ ماضيه. شعور عام باعتزاز وانبهار، لا يلغي حضور زوايا التوظيف، خاصة عند جماعات سياسية يحكم أفرادها الانتماء ويشكل توجهاتها، غير توظيف أساسي مارسته السلطة، بغرض التأثير من خلال مشاعر الاعتزاز واستدعاء التاريخ، وخلق حالة الاندماج بين الأفراد والنظام، عبر تاريخهما السحيق، وتعزيز الثقة في الذات والهوية الجماعية. في المشهد رموز ورسائل متعددة حول الحرب والسلام، تسرد عبر تاريخ الملوك المرتحلين، وفي المواد الترويجية، ومنها إطلالة الفنان خالد النبوي مرتدياً الشال الفلسطيني، في المعبد اليهودي في الإسكندرية. ضمن فيلم تسجيلي، يردّد النبوي كلمات التوراة «لا تسرق، لا تشتهِ ما يملكه جارك»، تعدّد الرسائل وتنوّعها في المشهد يسمحان بتأويلات متعددة ورسائل يمكنك أن تقرأها وتختار ما تشاء.

شكّل الحدث مصرياً وعربياً عملية تجسّد الحاضر وصراعاته عبر التاريخ


شكّل الحدث مصرياً وعربياً عملية تجسد الحاضر وصراعاته عبر التاريخ، وجدّد طرح أسئلة قديمة حول الهوية، خاصة بين النخب، بينما حظي الجمهور بشحنة عاطفية في تشكيل مواقف داعمة للنظام بشكل كامن. التفاعل بين المنتجين (الدولة) والمتلقّين (الشعب) شكّل عملية إعادة إنتاج وقراءة للمحتوى، بخاصة مع التقدم الحاصل في وسائل الاتصال، وما تتميز به من سمات التفاعلية والقدرة على إنتاج التفسيرات والمواقف على ساحة التواصل، ما يشكل في النهاية عوائد تتحدد بزوايا فكرية وسياسية، وتتأثر بانتماءات دينية وطبقية.
يمكن تأمل الموكب ضمن حالات الجدل التي تخلقها الأحداث المهمة، والتي تتجاوز حدودها المكانية، وتخضع للتوظيف والتفسير. احتلت القراءة التاريخية والثقافية موقعها، وأثّرت في الجدل السياسي المتزامن معها، واشتبك أحياناً مع أسئلة حول الهوية الفردية والجماعية وهوية الأمة وتاريخها. كان المصريون والعرب، يبحثون عن أنفسهم في ظل أزمات متشابكة، تشابه نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. طرحت قضية الهوية أيضاً، بالتزامن مع ثورات عربية انطلقت من تونس ومصر، واحتدمت النقاشات حولها، حتى أصبحت عنواناً لصراعات سياسية تغلب صراع الهوية على صراع الطبقات، وتجرّ الحراك الشعبي إلى مناطق الاصطفاف على أساس الهوية والدين والطائفة، وتفريغه من مضمونه الاجتماعي والطبقي، وصورته السياسية في صراع بين المحكومين والطبقات الحاكمة. كان إعلاء الثقافي على حساب الاجتماعي والطبقي أحد أغراض إفساد الثورات وتفريغها من مضمونها، وهو ما حاول بعضهم إعادة إنتاجه مستخدماً الاحتفال.
وجد أصحاب الهوية المصرية في نسختها الفرعونية الخالصة، والرافضة لما بعدها من عوامل، تأثير ضالتهم في الاحتفال، ليواجهوا أصحاب دعاوى الانتماء العربي والقومي والإسلامي خصوصاً، ويلغوا دوائر الارتباط والانتماء العربي والأفريقي والإسلامي، معلنين «نحن فراعنة» كأنّ التاريخ والجغرافيا منفصلان، والحقب التاريخية منقطعة الصلة، تنفي كل واحدة منها الأخرى.
وفي النقاش الدائر نوازع نفسية وسياسية واجتماعية متشابكة، خاصة بين النخب، التي تستخدم الرموز وتوظّفها لنفي الآخر لمصلحة الذات الفردية أو الهوية الجماعية. يُستخدم زمن الموكب والحفل المحدود (ساعتين) أداة لتشكيل التاريخ والهوية وتأكيداً على مواقف سياسية لأصحابها، يحكمها في الأغلب الانتماء إلى جماعات تحكم انحيازاتهم وتفضيلاتهم. كان الموكب أداة لدمغ التاريخ وإحراز نصر سياسي لكل فريق، وإعادة المتوقّع وتأكيد صحة المواقف، وكسب أنصار له.
بعضهم استخدم الموكب مدخلاً لنقد أزمة النظام وسياساته، وانطلق في هجاء للاحتفال ذاته. لا داعيَ هنا للحديث عمن رأى الاحتفال نبشاً للقبور وغيرها من مواقف خارج سياق المعقولية، لكن الأبرز هو المواجهات السياسية. في تونس، انقسم اليسار إلى ساحتين: ساحة ترفض سياسات النظام المصري، وممارساته الاقتصادية ونهجه الذي يحاصر المجال العام، ووظّف الموكب في تأكيد توجهه، بينما آخرون رأوا في الموكب عودة إلى مدنية الدولة، ونفي هوية حاول الإخوان المسلمون فرضها، يشاركهم في مصر أنصار النظام وقوى مدنية، ومنهم من أراد أن يضيف الاحتفال إلى إنجازات النظام لإحراز نصر جديد، والتدليل على التغيير للأفضل. اختار المعادون للثورة المقارنة بين مشهد «الميدان» أيام اعتصامات وتظاهرات يناير، بما فيها من خيام أو مواجهات، وخفوت الأنوار، ومشهد الحرائق، في مواجهة إضاءات الاحتفال المبهرة (كلّفت حسب مصادر رسمية 4 ملايين دولار). بعض أنصار يناير رأوا أن أجمل صورة للميدان، كانت وقت احتشاد الملايين حوله، وأن مصر بالتعبير الدارج كانت «منورة بأهلها».
تتوسّع المبارزة بشكل تتجاوز انقسامات اليسار في تونس. يدخل أزلام ابن علي ويحتفون بالمشهد، ليس حبّاً خالصاً لحضارة مصر، بقدر ما هو معاداة الثورة التي أتت بالإخوان في مصر وتونس، والتمنّي في أن يعود أنصار التجمع الدستوري إلى السلطة، كما عاد أنصار وورثة الحزب الوطني في مصر. يؤيدون النظام المصري كمجابهة لـ «النهضة» وثورة تونس معاً، وفي مقدمتهم أبناء «الدستوري الحر»، بينما هناك صف يعادي «النهضة» لكن ليس بالضرورة ضد الثورة، احتفى بالموكب الفرعوني انطلاقاً من أنّه تجسيد للمدنية.
السمات العامة للنقاش النخبوي مبارزة تتكئ على التاريخ، وتوظف رموزاً ثقافية لإثبات صحة المواقف السياسية. تقيّم بشكل مجتزأ، يعبر عن اصطفاف سياسي، لا مساحات معقولة لرؤية موضوعية، فالمتحف الكبير، الذي نُقل إليه الملوك والملكات، يجمع آثار عصور متتالية، بداية من الفرعونية ومروراً بالقبطية والإسلامية وصولاً إلى العصر الحديث، في تواتر للتاريخ، وتنوّعه وتشابكه أيضاً. وهو ما يخلق مزجاً لا يجب نفي جزء منه، فكل مرحلة تترك رواسبها الثقافية. يمكن أيضاً رؤية زوايا التنوّع وفضائله، مشاركة فنانين وفنانات مصريين وعرب وأجانب، موسيقيين، والمزج بين الربابة والآلات الغربية، وإن غلب التغريب، وبروز محجّبات كالعازفة رضوى البحيري التي خطفت الأنظار بشموخها وأدائها الوافر المهارة، وعازف الربابة المميز، الذي لم يأخذ حقه في تقديري، ربما لأن صناعة التريند على وسائل الاتصال الاجتماعي ما زالت صناعة المركز. والربابة آلة موسيقية بنت الجنوب المصري، ورمز للغناء الشعبي. الاحتفال مليء بالرسائل، لكنّ الظاهر أن الاستبعاد ونفي الآخر والتهميش حاضرة، بما فيها غياب فرصة الحضور الشعبي في المكان والمحتوى، كانعكاس لمشهد غالب هو التيار والصوت الواحد، وانعكاس لمنهج في التفكير... نتائج سنوات من السلطوية تفقد كثيراً من النخب القدرة على إدارة النقاش والحوار والصراع السياسي من دون نفي الآخر، وهو في الأساس نهج السلطة.
* باحث مصري

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا