تحاول الروائية السعودية زينب حفني (1965) في روايتها الجديدة «بالأمس كنت هنا» (دار نوفل) أن تذهب أبعد قليلاً من المسكوت عنه، لتُخرج السرد من قضايا استُهلكت من كثافة الكتابة عنها، فقضايا المرأة والمجتمع السعوديين أخذت حيزاً كبيراً في كتابتها، لنجدها هنا لا تتهرب من تلك القضايا التي جعلت كتابتها تتسم بالجرأة، بل تطرحها من وجهة نظر امرأة خرجت من مذكّرات الماضي والمكان الذي رحلت عنه، اجتماعياً وجغرافياً. مع ذلك، تقع في تفاصيل تجعلنا نتساءل عن جدوى ذاك الخروج أو إغلاق دفتر الماضي، هل هو فعلاً يقدم رؤية جديدة روائياً واجتماعياً؟

روايتها السابقة «الشيطان يحب أحياناً» ذهبت عميقاً نحو تحليل البنية النفسية للرجل الذكوري في المجتمع السعودي

تستند الحبكة إلى دفتر مذكرات تجده ياسمين، بعد موت أمها «حياة» في أميركا، فتعرف حكايتها الحقيقية وتتعرّف إلى أبيها السعودي وموطنها واسمها الحقيقيين. كما تكتشف أنّ أباها الأميركي «مايكل» هو زوج أمها. اختفت «حياة» بسبب طلاقها من طارق، زوجها السعودي الذي كان يريد أن يأخذ ابنتها ياسمين، فأنقذت الأم ابنتها بالاختفاء في أميركا. وهنا نجد أن الروائية تختار وطناً آخر لتدفن فيه ذكريات الماضي وتبدأ من جديد، وتفكر في مستقبل ابنتها. لا يخلو السرد هنا من محاولة رؤية الواقع عن بعد والتخلي عن تحليله وطرح واقع آخر يظهر من خلاله نسيان الماضي، لكنه أيضاً يجعلنا نتساءل: هل هذه هي رؤية الكاتبة للتحرر عبر الحب ومغادرة الماضي، أم هي فقط محاولة للنظر من مكان آخر وربط المكانين بمقارنة سرية؟ ما يلفت هنا هو حكاية العبور بدفتر المذكرات إلى الهوية والمكان الحقيقيين، ولكننا لم نرَ تداعيات ذلك، أو أثره على الفتاة ياسمين، فهي مجرد قارئة لمذكرات أمها. ورغم أنها تقرر إغلاق الدفتر وحرقه، فهي لا تنتبه أو تكترث بالمعاناة خلفه. وهنا يبدو أن الخروج هو من خلال البعد المكاني وهو الذي مكّن ياسمين من نسيان الدفتر والبدء من جديد، فهل البدايات هي دائماً الخروج من المكان؟ هذا ما تجعلنا الرواية نسأله، وربما الإجابة عنه تبدأ من أسلوب الكاتبة التي تؤثر الابتعاد عن سرد معاناة «حياة» في جدة، فهي تختار أن تسرد تفاصيل الحب مع طارق الذي أخذها بعيداً نحو أميركا، كأنّ الحب هذه المرة هو الطريق السري، إلى تلك الحياة التي تحلم بها، ويبدو أنه الأفق أيضاً في رؤيتها إلى حرّيتها.
اختارت الكاتبة عبر السرد الفسيفسائي أن تمحو فكرة الضحية


تدخل الكاتبة في تفاصيل هامشية، نتساءل عن أهميتها في سياق الحبكة، فهناك حب طارق لأختها يسرا وموتها، ثم اكتشاف «حياة» أنه لا يحبها بل يحب يسرا وطلاقها منه، فكأنها تفعل ذلك لتدفع بالسرد نحو المنطق والمعقول. وهي هنا تبقى في منطقة آمنة، تتنقل فيها من سرد ما يحدث في حياة الأم إلى حياة الابنة عن طريق دفتر المذكّرات، لنصل إلى نهاية تقطع الحبل مع الماضي والمكان الأول، فكأنما هي لا تريد أن تستفزّ القارئ، بل أن تجعله يستمتع بالحكاية. لذلك جاءت لغتها سهلة، وسلسة، ولكن كما قال الروائي التركي أورهان باموق في كتابه «الروائي الساذج والحساس»: «إنّ أكبر إنجاز للروائي كمحترف وفنان، هو القدرة على بناء شكل الرواية على أنه لغز يكشف حله محور الرواية، واللغز ليس في معرفة من القاتل، بل ما هو الموضوع الحقيقي للرواية». وهذا ما نفتقده حين نقرأ الرواية، بسبب الوضوح أو الشعور بأننا نعرف هذا الموضوع من قبل ربما.
ولكن ما يجعلنا نفكر به هذا السرد هو أن الكاتبة اختارت عبر هذا السرد الفسيفسائي أن تمحو فكرة الضحية، واستخدمت تلك الاعترافات كطريقة للخروج من السرد المباشر، كأنّ الذاكرة هنا هي الخطوة الأولى نحو التحرر من ثقل الماضي، واعترافات الأم في المذكرات هي أسلوب الفلاش باك لربط حياتين ومكانين مختلفين، في سردية قائمة على ذاك التداخل بين الماضي والحاضر، لنعرف أنها تحلم بمستقبل آخر لكن للأسف بعيد عن مكانها.


على عكس روايتها السابقة «الشيطان يحب أحياناً»، التي تذهب عميقاً نحو تحليل البنية النفسية للرجل الذكوري في المجتمع السعودي وتحليل نفسية المرأة الضعيفة والقوية عبر قضية الخيانة الزوجية وتسند عملية الروي إلى راوٍ عليم، ثم تأخذ الأم سلطة الروي وبعدها الابن، هنا تعود إلى المرأة كبطلة وتسند الروي في هذه الرواية إلى راوٍ غائب. ولكن في المذكرات تروي الأم حكايتها، فنشعر أنّ هناك تنويعاً في الروي، وتبقى المرأة هي الشخصية الأساسية أكان عن طريق الابنة أم الأم. كأنه إصرار أن لا يغيب هذا الصوت عن كتابتها ورواياتها في المجمل، وهو إحساس يجعل القارئ يتأمّل رؤيتها الفنية والتحررية.
«بالأمس كنت هنا» رواية تحاول أن تكتب موضوعاً جديداً، وتخلق أفقاً للتخلي عن الماضي، لكنها لا تتجاوز ذلك بأسلوب فني يجعلنا نغوص في أعماق فكرة التخلي، أو آثاره على الروح وعلى الذات التي حين تقابل مجتمعاً آخر، تبدأ بالمساءلة. لكن يبدو أن شخصيات الرواية قد تجاوزت ذلك من قبل، أو أننا أمام شخصيات قد غادرت مكانها نفسياً وداخلياً، وهذا سؤال آخر نواجهه حين نقرأ كيف تنتقل «حياة» من حب إلى حب آخر وكيف تغير اسمها من دون ألم. ربما تختار الروائية أن تمنحها تلك القوة لكي تستطيع الانعتاق من كل شيء ومنح نفسها وابنتها روح الخلاص، ربما. ما يلفت في هذه الرواية هو أنها تخرج من لغتها المتألّمة وترجو خلاصها الهادئ.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا