سان فرانسيسكو الخمسينيات: التاريخ والمكان لا يمكنهما إلا أن يستحضرا التجربة الشعرية الصاخبة لـ «جيل البيت» الأميركي «Beat generation»، بعد انتقال شعرائه من مدينة نيويورك أميالاً طويلة باتجاه سان فرانسيسكو. هناك، انضمّ إلى الأعضاء الأوائل أمثال جاك كيرواك وألن غينسبرغ ووليم بوروز وجاك سبايسر وغاري سنايدر ومايكل مكلور، شعراء آخرون، أبرزهم الشاعر والناشر لورنس فيرلينغيتي (1919 – 2021). رحل فيرلينغيتي أخيراً عن مئة عام وعام واحد، نتيجة معاناة مع مرض رئوي، مختتماً بذلك حقبة صاخبة في تاريخ الأدب الأميركي الحديث، بعدما كان آخر شعرائها الأحياء. بقي فيرلينغيتي وحده بعد انطفاء «جيل البيت»، وتحديداً في مكتبته ودار نشره City Lights التي افتتحها سنة 1953 في سان فرانسيسكو، وجعلته أحد أبرز أعلام ووجوه المدينة الأشهر ومنحته شارعاً كاملاً باسمه. تلك المكتبة التي افتُتحت بدافع واضح هو جعل الثقافة متاحة للجميع، تحوّلت إلى مساحة لخوض أشدّ المعارك الأدبية في تلك الفترة خصوصاً مع نشر كتاب «عواء» لغينسبرغ، بعدما استمع إلى قصيدته بالعنوان نفسه في إحدى القراءات العامّة. بعد نشره، أُوقف فيرلينغيتي سنة 1957 مع غينسبرغ، بتهمة نشر كتاب «فاحش» قبل تبرئته في أشهر المحاكمات الأدبية في أميركا. هكذا دعم فيرلينغيتي الثقافة المضادّة في أميركا، ضمن اهتمامه بالكتب الشعرية والمؤلّفات الأدبية التي لم تكن تلقى اعترافاً جماهيرياً حينها، من بينها مؤلفات جاك كيرواك وغريغوري كورسو وويليام بوروز.

دشّن فيرلينغيتي تجربته الشعرية الخاصّة مع , A Coney Island of the Mind سنة 1958، تبعتها مجموعات شعرية أخرى وصلت إلى ثلاثين، بالإضافة إلى مسرحيات وروايات كان آخرها Little Boy قبل عامين، مزج فيها السيرة الذاتية مع الفلسفة والنقد الأدبي والشعر. تجربة أدبية طويلة نال عنها جائزة the National Book Critics Circle قبل سنوات.
اتسعت المكتبة لمحاضرات وندوات ولقاءات ذلك الشاعر والناشر الأناركي كما كان يُعرّف عن نفسه، خصوصاً الاحتجاجات المعارضة للحروب الأميركية. في إحدى آخر مقابلاته، عبّر عن رغبته الشديدة الثابتة بحدوث ثورة وتغيير سياسيين، لكنه كان يعتقد أن «أميركا لا تزال غير مستعدّة للثورة... ربما يتطلّب الأمر جيلاً جديداً كاملاً لا يكرّس نفسه لتمجيد النظام الرأسمالي». حتى قدوم تلك اللحظة التاريخية، ظلّ يؤمن بالشعر كقوّة اجتماعية بعيداً عن النخب الثقافية المغلقة، وفق تعبيره «الطريقة الوحيدة التي يستطيع فيها الشعراء تغيير العالم هي في إعلاء صوت الوعي لعامّة الناس».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا