الموت هو الحتمية الوحيدة في هذا الوجود. لكن، أحياناً يفرد عزرائيل عباءته هنا أكثر من هناك، في هذه الفترة أكثر من تلك، على هذه الفئة أكثر من غيرها، فيحصد غلّة بحجم أكبر من المعتاد في موسم واحد. على سبيل المثال، لا تمرّ سنة من دون أن يخسر عالم الموسيقى وجوهاً بارزة وأخرى مغمورة، في جميع الدول وكل الأنماط. هذا طبيعي، متوقّع، حصل وسيحصل دائماً. لكن مجتمع الموسيقى، من مؤلفين وموسيقيين وسمّيعة، يذكر جيّداً الغيمة السوداء التي ظلّلت سنة 1991. إنها الأسوأ في العقود الأخيرة، طاولت رموزاً أسطورية في معظم الأنماط، في حين «خصّ» الموت عالم الأداء في الموسيقى الكلاسيكية بالحصّة الأكبر (50% تقريباً). في ما يلي استعادة لأبرز الذين غيّبهم الموت بعد ثلاثين عاماً من السنة القاتمة التي ضربت عوالم الموسيقى الكلاسيكية والجاز والأغنية الفرنسية والأغنية العربية والروك. ليس هذا الملف مهمّاً وهو ليس تحّية للراحلين، بل محاولة منّا لحث الأحياء على الولوج إلى عوالم جميلة، عميقة، ترفيهية أحياناً، بهدف تضييق هامش التفاهة المتفاقمة، ولو قليلاً


سيرج غينسبور


وحيداً، عارياً، وقبل بلوغه الـ63 من عمره، وُجِد المؤلف والشاعر والمغني الفرنسي على أرض غرفته بعدما تمكّنت منه السكتات القلبية في الضربة الخامسة. يصعب أن نجد صورة أو مقطع فيديو لابن العائلة الروسية اليهودية المهاجرة إلى فرنسا من دون رفيقته الدائمة: السيجارة. كان يدخّن بشكل متواصل (خمس علب في اليوم). وبعد كل وعكة صحية كان يعتزم «زيادة استهلاكه من الدخان والكحول» كما كان يقول. سيرج غينسبور (1928)، الشديد الخجل وملك الاستفزاز، ترك إرثاً فائق الجمال شعراً وموسيقى في الأغنية الفرنسية، وتآلف مع معظم التيارات الغربية العريقة والحديثة التي طعَّم بها أغنيته، من الموسيقى الكلاسيكية إلى الجاز والألوان اللاتينية والروك والريغي والسول.

رودولف سركين


برحيل رودولف سركين (1903) في تلك السنة، فقد البيانو الكلاسيكي أحد أكبر رموزه بدون شك. العازف المولود في بوهيميا لعائلة روسية أظهر موهبة خارقة في طفولته وتمكّن سريعاً من آلته والريبرتوار الكلاسيكي، وبدأ مسيرته الفعلية عام 1920 بدعم من عازف الكمان الألماني أدولف بوش (مؤسس رباعي الوتريات الذي يحمل اسمه) الذي أصبح شريكه في العزف (تزوّج سركين من ابنة بوش لاحقاً) قبل وبعد الرحيل إلى أميركا، إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية. هذا العازف الأنيق يتمتع بمروحة واسعة في ريبرتواره، لكنه برع في الحقبتين الكلاسيكية والرومنطيقية (بيتهوفن أولاً، ثم وبرامز وشوبرت وموزار) وابنه بيتر سلك الدرب نفسه وكان عازفاً مرموقاً رحل السنة الماضية.

إيف مونتان


الأغنية الفرنسية خسرت في تلك السنة مهاجراً ثانياً، هذه المرة من إيطاليا، المغني والممثل الكبير إيف مونتان (1921). مونتان صاحبُ شخصية قوية وجذّابة وصوتٍ ذي نبرة مميزة، ما سمح له خوض مجال الغناء والتمثيل في فترة كانت فرنسا تعيش فيها عصرها الذهبي بعد سني الاحتلال الصعبة. ارتبط اسم إيف مونتان بعدد من كلاسيكيات الأغنية الفرنسية، على رأسها رائعة جاك بريفير وجوزيف كوزما، Les Feuilles mortes. وفي السينما، قدّم عشرات الأفلام من كل الأنماط، مثل دوره الكوميدي في La Folie des grandeurs إلى جانب «معلِّمه» لوي دو فونيس، أو البوليسي في Police Python 357 إلى جانب زوجته سيمون سينيوريه، التي شكّل معها ثنائياً اشتهر في أعمال كبيرة مثل «هل تحترق باريس؟».

كلاوديو آراو


إنه الخسارة الكبيرة الأخرى في البيانو الكلاسيكي تلك السنة. كلاوديو آراو المولود قبل سركين ببضعة أسابيع، رحل بعده بشهر تماماً. إنه الأرستقراطي المثقّف الآتي من أميركا اللاتينية (تشيلي) ليحتل عالماً كاملاً من الموسيقى الأوروبية، متمتعاً بقوة خفيّة في يديه وذاكرة استثنائية وغزارة قلّ نظيرها في الإنتاج، في الاستوديو كما الحفلات الحية. آراو مال أيضاً إلى الريبرتوار الرومنطيقي من بدايات هذه الحقبة حتى نهايتها، بالأخص أعمال لِيسْت وبرامز وبيتهوفن، لكنه سجّل أعمالاً مهمة لباخ (للأسف سركين كان يعشق هذا المؤلف لكنه سجّل القليل من أعماله)، بالإضافة إلى موزار وغيره.

فالتر كلين


عام 1991، كان أقسى ضربة عرفها البيانو الكلاسيكي في تاريخه. خمسة كبار، من بينهم ثلاث أساطير. أول الراحلين في تلك السنة كان النمساوي فالتر كلين (Walter Klien)، المولود عام 1928. العازف الممتاز صاحب الملمس المميّز (بالأخص في موزار) يميل إلى الريبرتوار الجرماني عموماً، والنمساوي خصوصاً (سوناتات موزار وشوبرت) وقد جمعته تسجيلات مهمة، ولو قليلة، بعدد من كبار الموسيقيين أمثال عازف الكمان أرتور غروميو (مجموعة من سوناتات الكمان والبيانو لموزار) وزميله وابن مدينته، غراتس، عازف البيانو الكبير المعتزِل ألفرِد برَندِل (بلغ التسعين قبل أيام).

فيلهلم كامبف


بين رحيل سركين وآراو، فَقَد البيانو الاسم الكبير الخامس والأسطورة الثالثة في هذا المجال. إنه الألماني فيلهلم كامبف (1895)، عميد العازفين آنذاك، والمرجع الأول في سوناتات بيتهوفن الـ32 التي سجّلها مرّتين («مونو» في الخمسينيات و«ستيريو» في الستينيات)، وفي المرّتين، بلَغ قمماً جعلت النقاد يحتارون في المفاضلة بينهما. كامبف الهادئ، الحالم، الحنون والصلب، برع كذلك في سوناتات وأعمال البيانو لشوبرت وشومان ولِيسْت وموزار (سجّل القليل، بيانو منفرد وكونشرتوهات، لكن بنتيجة استثنائية)… وباخ، الذي لم يشتهر بأدائه بسبب مقاربته الخاصة له (لتبيان الصورة، لنقل إنه نقيض مقاربة غلن غولد لباخ!).

آيلين جويس


إذا كان دايفيد هلفغوت لا يستحق الشهرة والقيمة اللتين منحه إياهما فيلم Shine (بطولة جيفري راش)، فثمة في أستراليا من يستحقهما عن جدارة في مجال العزف على البيانو، مثل العملاق، صاحب أضخم مشروع فردي في تاريخ التسجيل (كل أعمال فرانز لِيسْت للبيانو) ليزلي هاورد (1948) وآيلين جويس (1908) التي رحلت عام 1991. بخلاف معظم زملائها، ولدت جويس في كنف عائلة فقيرة، وبلغت قمة الشهرة في الأربعينيات والخمسينيات ونسي العالم اسمها بعد اعتزالها النسبي مطلع الستينيات، قبل أن تجمع شركة Decca، قبل سنتين فقط، تسجيلاتها في عشرة ديسكات لتعيد الاعتبار إلى من كانت نجمة الصالات في شبابها.

هلموت فالخا


أن تكون ضريراً وموسيقياً، فهذا أمر استثنائي (بالأخص الآلات الصعبة كالبيانو). الأمثلة كثيرة على ذلك، لكن أن تكون ضريراً وعازف أرغن كنسي، لا بل أسطورة في هذا المجال، فتلك أعجوبة واسمها هلموت فالخا (1907). هذا الموسيقي الألماني الكبير فقد البصر في التاسعة عشرة من عمره. مع ذلك، ملك أسرار أصعب آلة موسيقية صنعها البشر واستطاع أن يرى، من خلالها، المطلق في هذا الوجود. هنا الريبرتوار له اسم كبير هو باخ، ملك هذه الآلة عزفاً وارتجالاً (في حياته) وتأليفاً (إلى الأبد)، وقد سجّل فالخا كامل أعمال باخ للأرغن مرّتَين، بالإضافة إلى أعمال لمؤلفين آخرين وتسجيلات على آلة الهاربسيكورد.

زينو فرانشيسكاتي


في الموسيقى الكلاسيكية، فرع الأداء، وهذه المرّة في خانة عازفي الكمان الكبار، شكّل رحيل الفرنسي من أصل إيطالي، زينو فرنشيسكاتي (1902) الخسارة الأكبر، للكمان الكلاسيكي عموماً، منذ غياب العملاق الروسي ياشا هايفتز (1901 — 1987) وللكمان الفرنسي منذ انتحار كريستيان فيراس (1933 — 1982). أما تسجيلاته فطاولت أعمال باخ وموزار، بالإضافة إلى باقة الكونشرتوهات الكبيرة والشهيرة في القرن التاسع عشر، أي للمؤلفين بيتهوفن، برامز وتشايكوفسكي ومندلسون وغيرهم. أما اسمه، فارتبط بعازف البيانو، مواطنه روبير كاسادسو، الذي شكّل معه ثنائياً ترك تسجيلات مرجعية، لسوناتات بيتهوفن والريبرتوار الفرنسي (رافيل، دوبوسي،…).

فيلي بوسكوفسكي


في المنطقة بين العزف على الكمان وقيادة الأوركسترا، غاب عام 1991 النمساوي فيلي بوسكوفسكي (1909). هو ابن فيينا، تخرّج من معهدها وبقي أميناً لإرثها الموسيقي وعاداتها. أصبح عازف الكمان الأول (أو ما يسمّى بالـconcertmaster، أي ذاك العازف الذي نشاهده «يجهّز» الأوركسترا تمهيداً لدخول القائد، كما يتولّى الجمل المنفردة لآلته) في أوركسترا فيينا الفلهارمونية (بين عامَي 1936 و1979) وقادها في حفلة رأس السنة، التقليد العريق لهذه الأوركسترا صبيحة أول أيام السنة، وهو يحمل الرقم القياسي في إقامة هذا الحدث (بين عامَي 1955 و1979 — هذه السنة قادها الإيطالي ريكاردو موتّي، للمرة الأولى من دون جمهور!).

ستان غتس


الجاز كانت له حصّته في السنة السوداء. ففي حزيران (يونيو) 1991، رحل عازف الساكسوفون الكبير، الأميركي من أصول روسية، ستان غتس (1927)، عن 64 عاماً. شكّل ذلك صدمةً وخسارة قاسية لموسيقى الجاز وللنمط الملتصق بها من ناحية السامبا البرازيلية، أي البوسّا-نوفا التي كان غتس رمزها المطلق على آلته وأحد المدافعين عنها في أميركا الشمالية، انطلاقاً من تعاونه مع روّادها في أميركا الجنوبية، أي أنطونيو كارلوس جوبيم والثنائي أسترود وجواو جيلبرتو. مقابل النفخة الحنونة والرشيقة في البوسا والناعمة في الـ «كول جاز»، احترف ستان غتس الأداء الهجومي، المعقّد، الحامي جداً، في تسجيلات الجاز (الـ«بي-بوب» وبالأخص الـ«هارد-بوب») إلى جانب عمالقة النمط مثل ديزي غيلسبي وسوني ستيت وليونل هامبتن وأوسكار بيترسون وغيرهم.

مايلز دايفس


أما الصاعقة المدمّرة، فضربت الجاز في أيلول (سبتمبر) 1991، مع رحيل مايلز دايفس (1926) عن 65 عاماً. يكفي تعداد الأنماط المنبثقة عن الجاز (أو موسيقى السود عموماً) التي احترفها أو حتى وضع أسسها مايلز دايفس لملء هذه المساحة التي نخصصها له. من السوينغ إلى الراب، ما ترك مايلز تياراً إلّا ذيّله بختمه الذهبي، إلى جانب تأثيره الكبير في تاريخ الجاز، الذي كلّما أراد أن يكرّر نفسه، أمسك به الرجل الأسمر وجَدَله باتجاه آخر. في ألبومه الأشهر، Kind of Blue، قام بتعديل نوطة واحدة على السلّم الموسيقي المعهود ليخلق ما عُرِف بالجاز المقامي (ومَن أفضل من بيل إفنز لدعوته للمشاركة في العزف وصياغة نص الكتيّب؟!). وبعده بأكثر من أربعين عاماً، «سمع الشارع» يردد الكلام الموَقّع، فاستدعى موسيقي هيب-هوب لإنجاز آخر وصاياه الموسيقية (Doo-Bop)، هو الذي بقي شاباً في روحه، غير أن الخيانة أتته من الجسد (فالطبيعة لم ولن تلبّي نداء الأديب الألماني غوته).

فريدي ميركوري


للروك رموز كبيرة رحلت في عمر مبكر، لكن الفاجعة في هذه الأوساط كانت رحيل الموسيقي والمغنّي فريدي ميركوري (1946)، البريطاني الجنسية، الأفريقي المولد، الهندي/الفارسي الأصل. يعدّ ميركوري من أساطير الروك وأبرز المجدّدين به في السبعينيات والثمانينيات، مع فرقته الشهيرة Queen وفي رصيده أغنيات أحدثت ثورة بين الشباب في تلك الحقبة، على رأسها
We Will Rock You التي هزّت مدرّجات العالم وWe Are The Champions التي باتت نشيد البطولات والمباريات من كل نوع وBohemian Rhapsody التي أعطت اسمها للفيلم التي أُنتج قبل سنتَين ويروي قصة حياة الرجل الذي رحل ببطء نتيجة إصابته بفيروس الثمانينيات الشهير، «متلازمة فقدان المناعة المكتسبة» (AIDS).

محمّد عبد الوهّاب


لم يوفّر الموت في عام 1991 العالم العربي وموسيقاه، مع رحيل «موسيقار الأجيال» محمّد عبد الوهّاب (1901). المغنّي والعوّاد والملحّن المصري قدّم مساهمة كبيرة في صناعة مجد الأغنية الطربية التقليدية والحديثة، المصرية والعربية عموماً، فكتب كمّاً من الألحان وطعّمها بنفحات منفتحة على تطوّر الموسيقى والغرب، لناحية الشكل والمضمون والآلات، وتعاون مع كبار المطربين والمطربات في العصر الذهبي للنهضة الموسيقية (والسينمائية)، وحتى آخر سنوات حياته، فأعطى أم كلثوم أشهر أغانيها («إنت عمري»، «دارت الأيام»، «أغداً ألقاك»…) وترك أخرى لأدائها بصوته («الجندول»، «النهر الخالد»…) كما تعاون مع فيروز في الستينيات، فلحّن لها «اسْهار» (عاصي الرحباني) وقصيدتَي «سكن الليل» (جبران) و«مُرَّ بي» (سعيد عقل).

كشينك — لانغليه — سايغون


التأليف الموسيقي الكلاسيكي انضم إلى الحداد في تلك السنة، مع غياب ثلاثة مؤلفين مغمورين نسبياً، لكنهم تركوا بصمة في ريبرتوار القرن العشرين، وبالأخص المؤلف النمساوي من أصل تشيكي أرنست كْشينك (تُكتَب Krenek، وقد كان الكندي غلن غولد من المعجبين بفنه، وحريصاً على تصحيح لفظ اسمه!) الذي ولد مطلع القرن ورحل قبيل انقضاء عام 1991 ببضعة أيام. قبله، في فرنسا، رحل المؤلف المعروف في بلده، المغمور عموماً، جان لانغليه (1907 — فقد نظره في الثانية من عمره!) في حين غاب مع بداية السنة أشهر مؤلف تركي، كلاسيكي بنكهة محلّية، أحمد عدنان سايغون (1907 — الصورة)، الموسيقي الغزير الذي ترك كماً هائلاً من الأعمال في كل الفئات، من بينها واحد من فئة الأوراتريو بعنوان «يونس إيمري» (Yunus Emre) الذي يتناول حياة الشاعر والمتصوّف الشهير.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا