في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، دخل المنشقّ السعودي جمال خاشقجي مقرّ قنصلية بلاده في إسطنبول وفق موعد مسبق لإنهاء معاملات شخصيّة، ولم يخرج أبداً. لسوء حظّ السعوديين، فإن مقرّهم الدبلوماسي في العاصمة التجاريّة لتركيا كان مخترقاً بالكامل من قبل المخابرات التركيّة صوتاً وصورة. لذا لم يعد ممكناً لهم التمادي في نفي علاقتهم باختفاء الرجل، الذي يعتقد الآن أنّه خُدّر من قبل فريق عمليات سعودي خاص أُرسل إلى تلك الغاية تحديداً، وقُطّع حيّاً بمنشار كهربائي قبل التخلّص من بقاياه حرقاً في فرن أو تذويباً في الأسيد.

وقد تسببت الحادثة في إحراج شديد للسلطات السعوديّة، ولا سيّما أنّ غالبية أصابع الاتهام كانت تشير إلى إصدار ولي عهد مملكة آل سعود الأمير محمّد بن سلمان شخصياً الأمر بالقتل، وربما متابعة العمليّة عن بعد عبر الفيديو. لكن إدارة الرئيس ترامب رفضت توجيه الاتهام مباشرة للأمير وقبلت تفسيرات سعوديّة بتورط عدد من الموظفين الأمنيين في الحادثة حُوِّل بعضهم بالفعل إلى محاكم محليّة. من المعروف أنها تخضع بالمطلق إلى رغبات الأمير وتوجيهات النظام، وأدين بعضهم من دون أن يعرف مصيرهم إلى الآن، فيما تجاهل الرئيس ترامب لاحقاً تقارير المخابرات المركزية الأميركية في هذا الخصوص والتي كانت تؤكد على الرواية التركيّة للحادثة، مقدّماً المصالح الشخصيّة والأميركيّة (كلها) مع السعوديّة. وهي بدون شك أكبر بكثير من أن يفسدها مقتل معارض واحد، مهما علا شأنه.
فيلم «المنشق» (119 د ــ 2020) يستند إلى جريمة الغدر المروعة بحق رجل أعزل من قبل نظام لا يستصعب تصفية خصومه جسديّاً ولا يقيم احتراماً لا لحقوق الإنسان، ولا للقوانين الدوليّة المنظّمة لاستخدام المقارّ الدبلوماسية. لكنّ هذه الحادثة الهائلة بكل المقاييس، ضاعت في الشريط بحكم الصياغة المنحازة للسردية والتوظيف المسطّح لأغراض سياسيّة بحتة، وإسقاطها على سياق كليّ مجتزأ لا علاقة له بالحقيقة لا من قريب ولا من بعيد.

أي عمل لا يضيء على خلفيّة الرجل الاستخباراتيّة ليس إلا مضيعة للوقت وخيانة علنيّة للحقيقة


المخرج بريان فوغل الحائز جائزة الأوسكار على فيلمه الوثائقي «إيكاروس» على نتفليكس، متخصّص في صناعة الوثائقيات المسيّسة. ويعتقد أن الجائزة التي حصل عليها من الأكاديمية الأميركية كانت لموضوع الفيلم الذي خصّصه لتعاطي الرياضيين الروس للمنشّطات في الأولمبياد، لا للكفاءة الفنيّة للفيلم. ويبدو أنّ الرجل مُنح موازنة ضخمة من قبل القطريين عبر منظمة (واجهة) لحقوق الإنسان، قدّمت له حكاية مفعمة بـ «الأخونة» (نسبة إلى الإخوان المسلمين) والإمكانات اللوجستيّة لإجراء مقابلات مع عدد من المعنيين بمن فيهم التركيّة هاتيس جنكيز خطيبة جمال خاشقجي (اعتبرتها مصادر سعوديّة عميلة لمخابرات بلادها)، وعدد من المسؤولين الأتراك، إضافة إلى كوادر إخوانيّة معروفة، ولا سيّما عمر عبد العزيز (معارض سعودي مقيم في كندا) ووضاح خنفر (المدير العام الأسبق لقناة «الجزيرة» القطريّة) ومحمد سلطان وأيمن نور وغيرهم، إضافة إلى مُعلّقين أميركيين ومحقّقين من الأمم المتحدّة.
النتيجة فيلم مفكّك الأوصال يتقافز بلا تركيز، ويحاول قول كل شيء بدون أن يضيف جديداً لا إلى القصّة المركزيّة ولا إلى أبعادها وخلفياتها التاريخيّة. أُنفقت ساعتان من الوقت ليعاد عرض مقاطع أرشيفية شاهدنا أغلبها منذ وقت قريب على نشرات الأخبار، وتتوافر حالياً على يوتيوب، كما تعليقات بلا مضمون حقيقي وبذخ مزعج في استخدام الغرافيكس والموسيقى بمناسبة أو من دون مناسبة، فيما يتم بصلافة الترويج للناشط الإخواني عمر عبد العزيز العديم الكاريزما والذكاء بوصفه «خليفة» خاشقجي ورفيقه في النضال المعولم ضد النظام.
من المؤكد أن لا فوغل ولا مارك مونرو (كاتب السيناريو) مطّلعان على تاريخ الشرق الأوسط الحديث ولا حتى على السيرة الواقعيّة لخاشقجي بما يكفي للتصدي لمهمّة إنتاج وثائقيّ جاد عن الرجل. وقد تورّطا في هذا العمل لأسباب تجاريّة محض بدون أي عمق ثقافي أو أيديولوجي لديهما. إن أي وثائقي عن خاشقجي لا يضيء على خلفيّة الرجل الاستخباراتيّة، ويتعامل معه بوصفه مجرّد صحافي معارض لنظام بلاده ومناضل من أجل الحريّة اختار أن يكتب بالإنكليزية في «واشنطن بوست»، ليس إلا مضيعة للوقت وخيانة علنيّة للحقيقة. قصّة الرّجل لم تبدأ في إسطنبول، وإن انتهت هناك. بل ينبغي أن تستعاد بداية من أجواء خمسينيات وستينيّات القرن الماضي لحظة فرار كوادر جماعة الإخوان المسلمين المصريين إلى السعودية بعد كشف خيانتهم من قبل نظام جمال عبد الناصر، ومن ثم احتضانهم من قبل آل سعود وتوظيفهم لاحقاً في إطار الجهد الأميركي لإسقاط الدولة الشيوعية التوجهات في أفغانستان من خلال مشروع «القاعدة»، بالتعاون مع المخابرات الأردنيّة والمصريّة (أيّام السادات). الخاشقجي كان أحد أهم الكوادر السعودية التي انخرطت وقتها في التنسيق بين مخابرات نظام بلاده وتنظيم الإخوان المسلمين والمخابرات المركزيّة الأميركيّة في إدارة عمليات «الجهاد» الأفغاني تمويلاً وتسليحاً وتوجيهاً، وقضى شخصيّاً وقتاً طويلاً هناك. وهو في ظروف أخرى كان ليحاكم لتورطه في جرائم ضد الإنسانيّة. لكنه بعلاقاته الأميركيّة القويّة سواء القديمة منذ أيّام رفقة السلاح مع منسوبي المخابرات المركزيّة أو تلك التي بناها لاحقاً خلال خدمته في سفارة بلاده في واشنطن، اعتقد خاشقجي خاطئاً ـــ لدى انتقال الحكم إلى الملك سلمان وصعود نجم ولده محمّد وليّاً للعهد وحاكماً فعليّاً للبلاد والذي من الواضح أن عجرفته لم توافق نظرة خاشقجي لمكانته الذاتية عند أسياده ـــــ بأنّه أكبر من أن يستهدف بالتصفية الجسديّة، وأنّه يقدّم بديلاً ليبرالياً يمكّنه في ظل الحماية الأميركيّة من لعب دور ما في إطار تغيير محتمل للوجوه في الرياض. وهو استخدم لذلك جريدة «واشنطن بوست» الوثيقة الصلة بالمخابرات الأميركية (يملكها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» عملاق التجارة الإلكترونية) لنشر مقالات نقد رماديّة لنظام محمّد بن سلمان. وقد جاءت هذه الأحداث في ظل خلافات متصاعدة بين النظام السعودي الجديد وجماعة الإخوان المسلمين داخل السعودية والسلطات الداعمة لهم سواء في قطر أو في تركيا. لذا وجد الأمير نفسه في مربّع التفكير في الخلاص من خاشقجي. أمر لم يكن ليزعج الأميركيين كثيراً بحكم كميّة الأسرار التي يحملها الرّجل عن مؤامرات التحالف الثلاثي الآثم (أميركي- سعودي-إخوان) والتي من الأفضل عمليّاً أن تختفي إلى الأبد.

جمال خاشقجي ومحمد بن سلمان في مشهد من «المنشقّ»

إخفاق فوغل في تقديم عمل مقنع فنيّاً ضاعفه الستار الحديدي الذي فرضه السعوديّون على جهود إيصال الفيلم إلى العموم. رغم الهمروجة التي نُظّمت لدى عرض «المنشق» العام الماضي في «مهرجان ساندانس السينمائي» (بحضور هيلاري كلينتون وريد هاستينغز الرئيس التنفيذي لنتفليكس)، فإنّ كل منصات الستريمنغ الأميركيّة وكبار الموزعين العالمين لم يفكروا في اقتنائه، إن لم يكن نتيجة اتصالات السفارة السعوديّة في واشنطن المباشرة. ربما لتجنب غضب سعودي مرتقب على كل من سيتجرأ على توفيره للجمهور. واشتكى فوغل من أن هؤلاء لم يطلبوا حتى عروضاً تقديمية للوثائقي عن خاشقجي كما يحدث عادة للأفلام التي تثير الاهتمام في المهرجانات، ولم يتقدّم أيّ منها بعرض ولو بدولار واحد لشراء حقوق الفيلم. وبعد يأسه تماماً، سلّم فوغل الفيلم لـ «بريكليف إنترتينمنت»، وهو موزّع هامشي صغير سيوفره للإيجار في الولايات المتحدة وكندا على منصات «أمازون» و«أبل بلس»، فيما سيُطرح في تركيا وبريطانيا وألمانيا خلال الشهرين المقبلين، وسينتهي غالباً إلى أزقة الفضاء السيبيريّ وشوارعه الخلفيّة.
بالطبع، فشخصيّة خاشقجي كمادة تأريخيّة تسجّل مرحلة مهمة من سيرة الهيمنة الأميركيّة في شرق آسيا، وتسلّط حرّاس النفط من آل سعود، تستحقّ عملاً وثائقيّاً حقيقيّاً على يد صانع أفلام تمتلك قصته المترامية الأطراف كل العناصر الدراميّة الكافية لإثارة الاهتمام. لكن يبدو هذا الأمر الآن أقرب إلى حلم، إذ يستحيل عمليّاً إنتاج عمل سياسي الطابع بدون رضى أحد الأطراف المعادية للسعوديّة القادرة على التمويل. ولو تمّ ذلك، فلن تسمح شركات التوزيع الكبرى بعرض أيّ عمل مماثل على المنصات الرئيسيّة قد يتسبب لهم في غضب السعوديين الانفعالي والمكلف ماليّاً. تذكّروا ذلك جيّداً عن عند مشاهدة أي وثائقيّ ولو كان عن الغوص في المحيطات، فلا مكان للبراءة السياسية في عالم اليوم إلا عند المغفّلين.


«الجزيرة» غيّرت رأيها!
اشترت قناة «الجزيرة» القطرية حقوق عرض فيلم «المنشقّ» بمبلغ كبير، قبل قمّة العلا الأخيرة في السعودية وعودة العلاقات الرسميّة بين الدوحة والرياض وفق ما علمنا. لكن من غير المرجّح أن تستمر القناة في خططها لعرض الوثائقي الذي سيُثير حفيظة النظام السعودي. ويقدّر الخبراء بأن قنوات «الجزيرة» باللغة العربيّة تصل إلى 25 - 40 مليون مشاهد عربيّ سواء في الشرق الأوسط أو بين الجاليات المغتربة، وهي لذلك من أكثر القنوات العربيّة تأثيراً رغم تراجع مكانتها مقارنةً ببداية العقد الماضي. وتتوافر من «المنشقّ» نسخة بترجمة عربيّة، وكان منتجوه يعوّلون على «الجزيرة» كمنصة لإيصاله إلى الجمهور العربي والعالمي عبر «الجزيرة» الإنكليزية.