منذ أكثر من أربعين عاماً، وتحديداً في نهاية عام 1978، أطلّ «غرندايزر» على الشاشة اللبنانية، ذاك الأنمي الياباني المدبلج إلى اللغة العربية (عنوانه الرسمي عربياً: «يوفو – مغامرات الفضاء») من عائلة الميكا-روبوت الخارقة. وكما في نسخته الفرنسية وثم الإيطالية عام 1976، وعلى عكس الحماس المحدود يابانياً، لقي «غرندايزر» صدى لافتاً لدى الجمهور العربي بفضل تصدير البرنامج المدبلج من لبنان إلى البلدان العربية. بل إنّه سرعان ما استحال ظاهرة اجتماعية، ومن ثم أيقونة ثقافية على صعيد المنطقة العربية. لعلّ هنا يمكن استعادة توصيف الإعلامي زافين قيومجيان، «غرندايزر وُلد ومات في اليابان وتحول إلى أسطورة في الشرق الأوسط» الذي أتى في سياق إحدى حلقات «بلا طول سيرة» على قناة «المستقبل» عام 2018 التي كانت مخصّصة للفنانين المساهمين في الإنتاج العربي للأنمي. ذلك يدل على الاهتمام المستمر إعلامياً واجتماعياً بهذه الشخصية الكارتونية.

مجموعات فنيّة عديدة لجأت إلى رمزية «غرندايرز» للتعبير عن فصول الحق والعدالة والاستقامة في العقدين الأخيرين

تبيّنت لنا الحاجة إلى النظر في عوامل نجاح وتأثير البرنامج في نسخته العربية والاطّلاع على خصوصيته الثقافية والاجتماعية والسياق التاريخي الذي أطل من خلاله على الجمهور اللبناني-الفلسطيني وثم باقي البلدان العربية في بداية الثمانينيات. يشكل «يوفو روبو غرندايزر» (التسمية اليابانية الأصلية للأنمي) كارتوناً يضم 74 حلقة من إنتاج الاستوديو Toei Doga، تمّ بثه في اليابان عام 1975. واللافت أنّ الجمهور العربي يعتبر غو ناغاي المخترع الرسمي للروبوت، بينما هو فقط صاحب الامتياز الخاص لـ «غرندايزر» والرسّام الأساسي في نسخة «غرندايزر» الورقية على شكل المانغا. ولم يكن غو ناغاي على علم بنجاح البرنامج في الفضاء العربي قبل عام 2008. حين علم بالأمر، قرّر زيارة عدد من البلدان العربية ولقاء المعجبين الذين اعتبروه صاحب الفكرة الأصلية.

قصة إخراج النسخة العربية
يبدأ مشوار النسخة العربية لـ «غرندايزر» في نهاية السبعينيات مع كبير المنتجين اللبنانيين آنذاك وسام زين الدين (توفي عام 2002)، وهو من مؤسّسي «تلفزيون لبنان» عام 1956، حيث استشهد بنجاحات المنتج نقولا أبو سمح (توفي عام 2016) في استيراد أعمال الأنمي اليابانية إلى لبنان ودبلجتها إلى العربية. ومن المسلسلات الشهيرة لشركة Filmali التابعة لأبو سمح «سندباد» (عام 1976) و«جزيرة الكنز» (عام 1983). وحسب مخرج مسلسل «غرندايزر»، وئام السعيدي، فقد أدخل زين الدين الأنمي (يوفو روبو غرندايزر) إلى لبنان وأحال أعمال الدوبلاج إلى «الاتحاد الفني» (شركة إنتاج فلسطينية - أردنية - لبنانية) التي كان يديرها في بيروت الملقّبون بـ «الفرسان الثلاثة»: عبد المجيد أبو لبن، صبحي أبو لغد وغانم الدجاني. فتمّ التعاون عن طريق «الاتحاد الفني» مع فنانين بارعين مخضرمين. إذ عرض أبو لغد دور دبلجة شخصية «هيكارو» على الفنانة نوال حجازي، بينما عرض أبو لبن على الفنان جهاد الأطرش دبلجة البطل «دايسكي» المعروف بـ «الدوق فليد»، الآتي من كوكب فليد الذي دمّرته «قوات فيغا المتحالفة».
واتكل وسام زين الدين على خبرة المخرج وئام السعيدي الذي كان قد عمل على النسخة العربية من مسلسل «سندباد» من أجل تنسيق كلّ جوانب الإخراج لـ «غرندايزر». وسيضاف إلى فريق الإنتاج صوت الموسيقار سامي كلارك الذي سينجح في الإلقاء الغنائي لشارتَي البداية والنهاية للكارتون باللغة العربية، مع الإبقاء على التلحين الأصلي للملحن الياباني شُنسوكي كيكوشي.
ردّد جهاد الأطرش المقاربة الشهيرة بين الكارتون والأحداث الإقليمية باعتبار «نكبة كوكب «فليد» بذاتها نكبة فلسطين»


إلى جانب كلارك، ظلّ الفنان جهاد الأطرش فخوراً بمساهمته في دبلجة دور «دايسكي - دوق فليد» في النسخة العربية للأنمي، وبات من الوجوه البارزة التي تجسّد اليوم نجاح المسلسل الكارتوني من حيث انتقاله من جيل إلى جيل على مدى أكثر من 40 عاماً. وباعتقاد الأطرش، «جاء العمل سابقاً لوقته» (جريدة الشرق الأوسط، 2005) كما يتذكّر «الاتقان الشديد الذي نُفّذ به على الرغم من تواضع الإمكانات التي كانت متاحة مقارنة باليوم»، حيث استملك منتجو النسخة العربية لـ «غرندايزر» ذاك العمل الأصلي الياباني ومنحوه روحاً متماسكة أصابت المجتمعات العربية في الصميم في تلك الفترة.

بيئة مؤاتية
ضمن رواية الأنمي، يشكل «دايسكي» شخصية متميّزة، هو المعروف بالـ «دوق فليد» الذي يقود الروبوت «غرندايزر»، منتصراً على «الصحون المتوحّشة» (أي روبوتات أخرى) بإمرة «فيغا» الكبير. وفي أعقاب احتلال وتدمير كوكبه الأم «فليد» حيث قُتل والداه، انتزع من «جيوش فيغا المتحالفة» آلة الغرندايزر التي صُنعت نتيجة نهب علوم كوكب «فليد». ثم قرّر الهروب على متن «غرندايزر». وبعد وصوله إلى الأرض بفترة، أتت جيوش فيغا لتقتحم غلاف الأرض الجوي لغاية احتلال الكوكب، ليضطر «دايسكي – دوق فليد» الاستعانة بآلته الحربية - «غرندايزر» - لكسح المعتدين.
اللافت هو كيفية اختلاف تأويل الرواية ورموزها حسب بيئة الجمهور. رأى المعجبون الفرنسيون في «غرندايزر» (Goldorak) رمزاً لنبذ السلاح النووي والدفاع عن الطبيعة المعرّضة للخطر، بينما اعتبر الإيطاليون التحالف بين أبطال الأرض و«فليد» شبيهاً بالتحالف بين اليابان والولايات المتحدة في وجه الشيوعية وتهديدات الاتحاد السوفياتي. تختلف القراءة الجيوسياسية للأنمي حسب الإطار الجغرافي الذي انغمس فيه البرنامج، قبل أن يتخذ منحى الأسطورة التي ستعيش في مخيلة المعجبين وتنتقل من جيل إلى جيل.
عربياً، وبتعبير الأطرش، «غرندايزر شبيه بحكايتنا، شبيه بقصتنا» (برنامج Wall of Fame، قناة «أم. تي. في» 2016)، «ففي تلك الفترة كنا نعيش حرباً في لبنان، وكان العالم العربي بأسره يتألم لاحتلال الأراضي الفلسطينية، فأتى «غرندايزر» بما يمثله من قيم تتحدّث عن حب السلام والدفاع عن الأرض والتصدي للأعداء» (جريدة «الشرق الأوسط»، 2005).
إذاً، يندرج «غرندايزر» في سياق تاريخي مضطرب شرق أوسطياً. في حديث لصحيفة «الصباح» (2013)، اعتبر الأطرش «غرندايرز جزءاً لا يتجزّأ من هذا التاريخ وهذا التراث [...] القصة تحدث في الفضاء، فتشعر أنّ هذا الفضاء جزء من وطنك أو وطنك هو جزء من هذا الفضاء الواسع وتعمل على الدفاع عنه وقهر العدو سواء أكان حقيقياً أم وهمياً». في حلقة زافين المذكورة آنفاً، ردّد الأطرش المقاربة الشهيرة بين الكارتون والأحداث الإقليمية باعتبار «نكبة كوكب «فليد» بذاتها نكبة فلسطين» (2018). كما انسجمت قصة آلة الفضاء المعادية لغزاة الأرض مع حيثية متزامنة مع تاريخ وبيئة المنطقة إلى يومنا هذا، ألا وهو مبدأ المقاومة في سبيل ردع الاحتلال. فحين يطرح زافين على الأطرش سؤالاً عمّا إذا كان غرندايزر «مقاوماً»، يجيب صاحب صوت «دوق فليد»: «لا شك [...] نحن جيل النكبة، كنا نتظاهر [في الجامعات] ومع الحرب اللبنانية، بتنا نخاف على الوطن»، فتماشت التشكيلة القتالية حول البطل «غرندايزر» مع تطورات المنطقة حيث أصبحت المجموعات المسلحة جزءاً لا يتجزّأ من تاريخ الشرق الأوسط وما زالت.

التصدّي للاستعمار والاحتلال
في ظل الحروب والمآسي عربياً، باتت الآلة الخارقة مرادفة لتحقيق السلام، فأصبحت أيقونة ترمز إلى الإنسانية ومعها بطلها «دوق فليد»، الذي «يمثّل تحيّة فريدة للإنسان، فهو يدافع عن كوكب الأرض ليس من باب الثأر وحده بعدما قتل جيش فيغا والديه ودمّر كوكبه فليد، بل إن الدافع الأساس لمحاربة فيغا تمثَّل في الدفاع عن أهل الأرض»، بتعبير الصحافي أحمد عدنان في صحيفة «العرب» البريطانية (2015). ورسّخ المسلسل معايير حديثة عديدة من ناحية الحضارة والتكنولوجيا والعلوم ودور العنصر النسائي (عبر البطلتين «هيكارو» و«ماريا»)، ما أسهم في نشر قيم أساسية أثّرت بعمق في مخيلة المجتمعات على وجه العموم كما الأوساط الفنية على وجه الخصوص.


في أكثر من مشهد لحلقات البرنامج، يردّد «دوق فليد»: «نحن ننشد الحب والسلام»، موجهاً كلامه إلى من يغزون الأرض. تلخّص هذه العبارة القوة الرمزية للبطل «غرندايزر» مدافعاً عن الأرض (بمعناه الكوني - الكوكب الجغرافي - الموطن) وسكانها ضد مطامع الاحتلال والقوى الاستعمارية. ويمكن لصق العبارة نفسها على مغزى فيلم «1982» للمخرج وليد مؤنس (2019)، وقد مجّدت تلك الرواية مخيّلة عالم الأطفال كأداة للتصدي للأحداث الفظيعة التي حصلت في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وصولاً إلى العاصمة بيروت، وذلك من منظور مدرسة ومن فيها. يلعب الميكا-روبوت مثل «غرندايزر» دوراً محورياً في القصة في عيون المعجبين الصغار (من دون أن نحكي عن سياقها لمن لم يشاهد الفيلم بعد)، عن طريق تعلّق التلميذ وسام (محمد دالي) بروبوت خارق (ملقب بـ «تيغرون» في الفيلم وهو على الأرجح محاولة لتفادي انتهاك حقوق الملكية الفكرية لشخصية «غرندايزر») والنظر إليه بصفته منقذاً بكل معنى الكلمة. والأرجح أنّ «غرندايزر» هو البطل المشار إليه عبر الروبوت المبتكَر لدواعي الإخراج، فتظهر صورته في أكثر من مشهد كغمزة لطرازه الـ«فنتدج».
وكانت العديد من المجموعات الفنية قد لجأت إلى رمزية «غرندايرز» للتعبير عن فصول الحق والعدالة والاستقامة في العقدين الأخيرين. نشير هنا إلى «اشكمان» التي شكّلها الأخوان قباني في لبنان عام 2003، ومن أشهر أعمالهما الغرافيتي المتصل بأسطورة «غرندايزر» الذي يزيّن اليوم شوارع بيروت وبرمنغهام والكويت. وفي عام 2009، تمّ تخصيص مكانة مميزة لـ «غرندايزر» في إطار مهرجان Beirut Animated مع وضع الروبوت على ملصق الحفلة من إعداد مجموعة «السمندل» احتفالاً بعيده الثلاثين. خارج لبنان، من الممكن الاستشهاد بأعمال مجموعتَي «جو بَدو» و«ورشة» الأردنيتين اللتين ابتكرتا سلسلة واسعة من الحرفيات المتصلة بصورة «غرندايزر»، تعبيراً عما يجسده البرنامج من قيم سامية. الأمر نفسه ينطبق على العديد من الأعمال الفنية والإعلامية والاجتماعية في العديد من الدول التي تأثرت مجتمعاتها بشخصية «غرندايزر» مثل مصر وسوريا ودول الخليج.
مع انجرار المنطقة بكاملها إلى دائرة الأزمات والفوضى، زادت حيثية فضاء «غرندايزر» كأيقونة ثقافية في الشرق الأوسط. إذ عكست كالمرآة ما تعانيه شعوب المنطقة من مصائب الاستبداد والاحتلال والاستعمار، كما باتت مسنداً معنوياً لها في تمسّكها بآمال تحقيق الأمن والاستقرار.
* باحث وأستاذ جامعي