لا يشبه «طيف إسطنبول» ما اعتدنا عليه في الدراما التركية التي تحظى بشعبية واسعة في العالم العربي منذ سنوات. وهذا توجّه يظهر جلياً في إنتاجات «نتفليكس» الأصلية التركية، كما في «عطية» مثلاً. هنا، نحن لسنا أمام حكاية غرام بخيوط معقّدة ولا في رحلة إلى عالم السلطنة العثمانية بجواريه وفتوحاته. بلغته الأصلية، أُطلق على العمل الدرامي الذي كتبه وأخرجه بيركون أويا (1977) اسم Bir Başkadır أي «شيء آخر»، الذي يحيلنا إلى الأغنية الوطنية Bir Başkadır Benim Memleketim التي اشتهرت بصوت آيتن آلبمان في سبعينيات القرن الماضي، كما يُعرف حول العالم بـ Ethos، وهي إحدى وسائل الإقناع لدى أرسطو وترمز إلى الأخلاق أو المبادئ.

على مدى ثماني حلقات، نجح «طيف إسطنبول» في تحقيق مشاهدات عالية جداً منذ صدوره في 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. قد لا يبدو هذا الأمر مستغرباً، خصوصاً أنّه يقدّم مقاربة اجتماعية لم يسبقه إليها أي من الإنتاجات التركية المخصّصة للشاشة الصغيرة، راسماً أمام الجمهور صورة واقعية عن الهوّة الاجتماعية في البلاد، من خلال شخصيّاته المتباعدة ثقافياً التي تعكس الفروق الحادة السائدة والانقسامات العمودية السائدة حالياً بين المواطنين في ظل حكم الرئيس رجب طيب إردوغان. وهنا، تشكّل إسطنبول وضواحيها الفقيرة عيّنة، حيث تتجاوز مجموعة أشخاص الحدود الاجتماعية والثقافية، سعياً لفهم معنى الحياة في الوقت الذي تتداخل فيه مخاوفهم مع أمنياتهم. ويصوّر المسلسل بهذه العينات المجتمع التركي الذي يعيش داخله العلمانيون والمحافظون صراعاً خفياً يطفو على السطح في بعض الأحيان.

رأى بعضهم أنّه كان عليه تجاوز «البديهيات» في تمثيل الانقسام بين النساء التقليديات والعصريات


القصة باختصار تتمحور حول شخصيّتَيْن أساسيتَيْن، هما: «مريم» (أويكو كارايل) عاملة التنظيف المحجّبة المقيمة في إحدى ضواحي إسطنبول النائية تحت رحمة أخيها المستبد وتعاليم شيخ الحي، والاختصاصية النفسية البرجوازية «بيري» (دفنه كايالار) التي تعيش نمط حياة مترفاً. وعلى الرغم من تحصيلها العملي في الخارج، تبدو المعالجة بعيدة عن الانفتاح إذ تكنّ عداءً شديداً للمحافظين والمتديّنين، بعدما نمّت فيها والدتها هذه المشاعر منذ الصغر.
نموذجان متناقضان تماماً تتقاطع حياتهما في المسلسل حين تبدأ «مريم» بزيارة «بيري» بعد تعرّضها مراراً للإغماء من دون توافر تفسير فيزيولوجي. تستجيب «مريم» لنصيحة البعض وتذهب لرؤية المعالجة، غير أنّ الأخيرة بدورها تواجه ضغطاً نفسياً كبيراً بسبب هذه الجلسة، نظراً إلى التزام مريضتها الديني ونمط حياتها. أمام هذا الصراع الداخلي، تستنجد «بيري» بمعالجتها «غولبين» (تولين أوزن)، التي يلتقي عالما «مريم» و«بيري» في منزل عائلتها، حيث تتجلّى الفجوة بين المحافظين والعلمانيين في علاقتها مع أختها المحجّبة «غولان» (ديريا كاراداس).
تحاول «بيري» توجيه «مريم» لاختصاصي آخر، غير أنّها لا تفلح وتصبح على يقين بأنّها متعلّقة بها وأنّها لم تعد مجرّد حالة تعاينها. مع مرور الوقت، وتعقّد الأمور في منزل «مريم»، يصبح مكتب «بيري» ملجأَها وتتطوّر العلاقة بين المرأتين. وفي خضم هذه الأحداث، تشكّل الجلسات علاجاً لـ «بيري» نفسها، إذ تحاول التخلّي عن أفكارها وأحكامها المُسبقة، وتسعى للتعامل مع هذه الفئة بتجرّد بعيداً عن التحيّز.
يظهر التباعد بين «مريم» و«بيري» بوضوح في طريقة تعبير كلّ منهما، والتي لا تعكس مستواهما التعليمي وانتماءهما الطبقي فحسب، بل تكشف كذلك مسائل أكثر عمقاً، كعلاقة كل منهما بالإسلام مثلاً.
ففي مقابل تديّن «مريم» الواضح، تعكس «بيري» الأفكار النمطية المتوارثة لدى بعض العائلات التركية. ففي أحد المشاهد، تقول لوالدتها إنّها تنظر إلى النساء المحجبات على أنهن أشبه بـ «وحوش».

تشكّل الجلسات علاجاً لبيري التي تحاول التخلّي عن أفكارها وأحكامها المسبقة

في أحاديث لوسائل إعلام محلية تزامناً مع إطلاق «طيف إسطنبول»، أكدت أويكو كارايل أنّ «مريم» تشبهها: «تشعر (مريم) بأنّها تعيش في دوّامة. لكن هذا ليس ذنبها. السبب هو الحياة، والبيئة الاجتماعية التي تخنقها وتدفعها إلى إيجاد متنفَّس بطريقتها الساذجة».
حصد المسلسل ردود أفعال إيجابية من قبل المشاهدين والنقّاد. في هذا السياق، نقلت وكالة «فرانس برس» عن المؤرّخ في «جامعة إسطنبول التقنية»، دوغان غوربينار، قوله إنّ العمل «نجح في إيجاد توازن بين الإنتاج الشعبي ومستلزمات العمل العميق». وفي غضون ذلك، أثنى كثيرون على «جرأة» بيركون أويا في طرح أفكاره. ولعلّ استخدامه للصور والموسيقى القديمة لنسج سردية حول كيفية بدء الانقسام بين العلمانيين والمحافظين. ففي هذا الإطار، توضح الصحافية وعالمة الأنثروبولوجيا الثقافية، آيس كافدار، في حديث صحافي إلى أنّ «الموسيقى ساعدت في تبيان تضاؤل المسافة المادية بين الفئتَيْن، مع نمو الطبقة الوسطى المحافظة، واستمرار اتساع المسافة العاطفية والسياسية بينهما». وتميّزت الحلقات الثماني ببدء وانتهاء كلّ منها بأحد المقاطع الغنائية للمطرب التركي فيردي أوزبين (1941).
للتحليل النفسي أهمية كبرى في سيناريو هذا العمل لفهم دوافع هذا المزيج من الأشخاص. فإلى جانب الشخصيات الثلاث الرئيسة (معالجتان نفسيتان ومريم التي تتردد على إحداهن)، يظهر مثقف متدين مهتم بفلسفة كارل يونغ، قبل أن ينتهي الحوار الأخير بين «مريم» و«بيري» بالأولى تسأل الثانية عمّا إذا كانت تعرف يونغ. يقدّم المسلسل رؤية مميزة لهذه الشبكة المعقّدة من الشخصيات والانتماءات من وجهة نظر عالم النفس السويسري ومؤسّس علم النفس التحليلي.
في مقابل مروحة الآراء الإيجابية الواسعة التي حظي بها العمل، وجّهت أصابع الانتقاد من قبل آخرين اعتبروا أنّه اعتمد أسلوباً تسطيحياً قائماً على خلق تعارض مستهلك بين المرأة البرجوازية العلمانية وشخصية الفتاة الملتزمة دينياً وغير المثقّفة. ورأى بعض روّاد مواقع التواصل الاجتماعي أنّه كان يتعيّن على «طيف إسطنبول» تجاوز «البديهيات» في تمثيله الانقسام بين النساء التقليديات والعصريات، وإن كان غير قادر بطبيعة الأحوال على توفير «نظرة شاملة» للوضع في البلاد.