ليس سهلاً أن تكتب مراجعةً لمجموعة قصصيَّة، وأن تعثر على سِمات مشتركة تزعم من خلالها قبضك على روح العمل واستجلاءك هوية كاتبه وماهية أسلوبه، من خلال نصوص منفصلة قد لا يجمع بينها سوى اسم كاتب لا همّ له أصلاً غير التفوق على نفسه في سعيه إلى التجريب والابتكار في كلّ نصّ جديد يكتبه!

وتغدو المهمة أصعب حتماً حين تكون المجموعة القصصيَّة بين يديك نتاج عمل جماعي لورشة كتّاب ساهم كل منهم بثلاث أو أربع قصص من قصصها. لكن حماسة خريجي «دار – المجمّع الإبداعي» وشغفه لا بد أن ينتقلا إليك فيشجعانك على الكتابة عن هذه التجربة بما تحمله من أصوات قصصيَّة واعدة تمتلك مواهب لافتة تعهَّدها مدرب الكتابة الإبداعيَّة عبد الرحمن جاسم بالرعاية والاهتمام، فأثمرت هذا العام مجموعتين قصصيَّتين مميَّزتين في ظروف بالغة الصعوبة، أشرفت عليهما مديرة «دار» تهاني نصار.
المجموعتان هما نتاج الجيل الثالث من خريجي ورش الكتابة الإبداعيَّة المعروف بإسم «نحن الكتابة» الذي تخرَّج أفراده العام الفائت وباشروا التحضير لكتابهم الأوَّل المشترك (الجيل الرابع أنهى تدريباته أخيراً، وتتحضر «دار» لاستقبال الجيل الخامس)، وهو يضمّ أربع مجموعات تتألف كل منها من خمسة متدربين، لتخرج القصص في النهاية موزَّعةً على كتابين بمعدّل كتاب لكل مجموعتين.
المجموعة القصصيَّة الأولى حملت عنوان «أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبيَّة» في محاولة للقول بوضوح «إنَّ هذه القصص الجميلة المكتوبة بجهد وعناد وحبّ قادمة من هذا المكان، ومن هذه الأرض وممن يسكنونها» بحسب ما جاء في مقدمة الكتاب، مع عنوان رديف هو «مربَّعٌ من ملح، دائرةٌ من ماء» في إحالة – من خلال عنصرين أصليين من عناصر الكون الأربعة – إلى «أصالة الفكرة، وأصالة أصحاب الأرض، وأصالة الشعوب التي تعتقد أن الملح يطهر ويشفي، فيما الماء أصل الحياة وبداياتها» كما جاء في المقدمة ذاتها.
وتضمَّ المجموعة قصصاً لكلّ من بشرى زهوة، محمد الصغير، جيهان حمود، نور يونس، حسين شكر، دانيا النجار، هلا ضاهر، فهد عصمان، ربى اليوسف، وسارة نجدي.
ومن أبرز أصوات المجموعة نور يونس التي تبدو كمن أتقن باكراً لعبة القصة القصيرة وأمسك بخيوطها وكشف سرها، خصوصاً لجهة عنصر النهاية الصادمة الذي طبع قصصها الأربع بعد اقتيادها القارئ في رحلة شائقة مع حبكة مضللة توحي بمآلات مغايرة تماماً. أمر يعادل عند كثيرين جوهر القصَّة القصيرة والفيصل بين القصَّة الكاملة وبين اليوميَّات التي قد لا تخلو من رتابة مهما كانت اللغة التي كُتبت بها جميلة وأنيقة. وجدير بالذكر أنَّ نور هي من تولى تصميم غلاف المجموعة، وكذلك المجموعة الثانية التي حملت عنوان «دافنشي لا يجيد الكتابة».
والعنوان مستوحى مما عُرِفَ عن الرسام الإيطالي الشهير بأنه لا يجيد الكتابة ويعتبرها «أمراً صعباً لا يجيده إلا من لديه رأس ثقيل»، في إشارة رمزيَّة إلى اختيار متدرّبي «دار» الطريق الأصعب الذي يحتاج جهداً وتعباً وإبداعاً في آنٍ معاً. أمَّا العنوان الرديف لهذه المجموعة فهو «القمر يأتي مرَّتين لمن ينتظر».
وتضمّ هذه المجموعة قصصاً لكلّ من: مريم علي، آلاء شمس الدين، سكينة الميناوي، زهراء السيد، وسام رحال، سارة حمزة، فاطمة شاهين، زينب طالب، زينب محسن، وآية ضامن، والأخيرة هي أصغر متدرّبات الورشة (7 سنوات عند انطلاق الورشة)، ويمكن التنبؤ رغم حداثة سنها بأنَّها على الطريق الصحيح خصوصاً مع تصدّيها لإعادة شرح لوحات فان جوخ من خلال قصصها.
أمَّا التجربة الأكثر لفتاً للنظر في هذه المجموعة فهي آلاء شمس الدين التي يجوز اعتبار قصصها الأربع قصصاً كاملة الأوصاف، من سلاسة اللغة إلى براعة الحبكة واكتمال التشويق، بحيث يمكن محاكمتها بمعزل عن كون كاتبتها حديثة عهد بالقصَّة ومتدرّبة حصلت على قدر من التدريب لا يتجاوز حصَّتين أسبوعيّاً على مدى ستة أشهر هي مدَّة الورشة. ومع آلاء يمكن التثبّت من أن البعض في الكتابة الإبداعيَّة لا يبدأ من الصفر كالآخرين، بل تضعه موهبته النادرة منذ البداية في نقطة متقدّمة، فلا يبقى عليه إلا الحفاظ على شغفه متقداً وصقل هذه الموهبة ليكون القادم "مذهل بل مبهر إلى أبعد الحدود" كما يتوقع عبد الرحمن جاسم في مقدّمة الكتاب.
وبديهيّ أن تكون قصص الكتابين متفاوتة المستوى، وهو ما يمكن معاينته حتى في نتاج كاتب واحد، ولكنه ليس ذلك التفاوت الصارخ على أيّ حال، فالكل أبدع وأجاد وقدّم ما يعد بالكثير مستقبلاً، ويقابل هذا التفاوت تماثل في سلامة اللغة وفي امتلاك تقنيات القصة، وهي أمورٌ تُحسَب لجاسم الذي يبدو أنه استطاع تمريرها لطلابه رغم المدَّة القصيرة للورشة. ولعله من الواجب تناول كل من المتدربين على حدة وبشكل مفصَّل، خصوصاً أن القصص هي أولاً وأخيراً مشاريع فردية لأصحابها وتحمل أسماءهم، ولم تُكتب بشكل جماعي كحال الرواية التي يعدّها «الخماسي» حسين شكر، بشرى زهوة، محمد الصغير، جيهان حمود، ونور يونس، ويُنتظر صدورها قريباً. إلا أن عرضاً مماثلاً سيفيض عن مساحة مقالة وسيحتاج بحثًا مطولاً، ويمكن للقارئ أن يعوّض تقصيرنا هنا عبر الإطلاع بنفسه على ما صنعه متدرّبو «دار» ليتأكد أن لا حدود لإبداعهم.