مدينة كُتب لها أن تكون حاضرة غائبة، بجغرافيّتها وسكانها وتاريخها وحاضرها، إلا أنها عصيت على محاولات التغييب التي طاولت مجمل المدن الفلسطينية المحتلّة منذ نكبة عام 48. فأصلانيّتها وأصلانيّة تفاصيلها وقاطنيها وحاضرها، كانت عصية على كل محاولات الطمس التي ما زالت مستمرة حتى يومنا. حيفا، حيفا الوطن، قطعة من الوطن وتفاصيله، صارت حاضرةً حاضرةً، متجسّدةً في روح تفاصيلها، في ألبوم «أحلى من برلين» الجديد (كلمات مجد كيال وموسيقى فرج سليمان). مجد كيال (1990)، أديب وكاتب وصحافي من قرية البروة المهجّرة، وُلد وعاش في حيفا، أصدر أعمالاً أدبية عدة آخرها، المجموعة القصصية «الموت في حيفا». استحضر لنا كل من كيال وسليمان، حيفا بزقاقها وشخوصها ومشاعرهم وحياتها. استطاع كيال بكلماته تحويل المخيلة حول حيفا إلى واقع، عادي، طبيعي عبر سرد ممارسات طبيعية لشخوص طبيعيين في مدينة غير طبيعية. كما لعبت موسيقى سليمان على أوتار عاطفتنا وذاكرتنا وقصصنا وحنيننا، لتنهض لنا حيفا ـ بفضلهما ــ على المسرح أمامنا متحديةً الجغرافيا والحدود والتاريخ والحاضر.

استوحى كيال كلماته من واقع ما يعيشه الإنسان في حيفا، من هموم وأسئلة تدور في رأس كل شاب فيها أو أي مدينة ثانية، من علاقتنا بالمدينة والوطن وعائلاتنا وحبّنا وأحلامنا، من أسئلة الهجرة والبقاء وما نشعره تجاه مدننا من إحباط وأمل. على حد كيال، إنّها محاولة لالتقاط الظرف الذي يعيشه الإنسان عام 2020 في حيفا، الظرف الاجتماعي والمشاعر النفسية والتجارب والأسئلة المشتركة لكثير من الشباب في المحيط. هي باختصار محاولة لالتقاط هذه اللحظة من التاريخ في هذا المكان، لرسم صورة الإنسان الفلسطيني فيها، التي تشبه مشاعر وأسئلة وهواجس أي شاب في أي مكان في العالم وخاصة العالم العربي. ينعكس جميعها في كلمات أغانيه، ممثلةً الحنين والحالات النفسية الصحيحة المتعلقة بالعائلة والطفولة. بعبارات أخرى، يرى كيال، أن الواقع الاجتماعي والسياسي مركّب في هذه المدينة، بينما على المستوى الشخصي والنفسي، هي صفات مشتركة عند كل الناس في زماننا. وعن سؤال عن سبب اختيار برلين، يرد سليمان بأن لا شيء خاصاً ببرلين، وكان يمكن أن تكون أي مدينة أخرى كباريس أو لندن. لكنها المدينة الأولى التي يفكر فيها الشاب الفلسطيني في الـ 48 عند الحديث عن الهجرة، كونها ذات حركة ثقافية وفنية.

تطرق كيال وسليمان في أغنية «شارع حيفا» إلى فكرة الوحش العظيم الذي يأكل بطن المدينة، كالاحتلال والرأسمالية


بدأ مشوار فرج سليمان (1984) الموسيقي عند تعلّمه البيانو في صغره، لكنّ مسيرته الفنية بدأت جدياً عند عمر الـ29 بعد تسجيل أول عرض شاركه في تنظيمه صديقه مجد كيال. قام لاحقاً بتقديم أغنية «اسا جاي» التي كانت فاتحة مساره الغنائي، تطلّبت منه لاحقاً أداء أغنيات أخرى بناءً على طلب الجمهور. كما خاض عدداً من المشاريع المتنوّعة مع الشعر، بالإضافة إلى أعمال على المسرح بين الغنائي والـ «انسترومنتال». أغنية «اسا جاي» بلهجتها اللافتة وموسيقاها الخاصة، أطلقت الحاجة إلى المزيد، بسبب عفويتها وسحر لهجتها. أجاب فرج بعفوية أيضاً على سؤال استخدام لهجته المحلية، قائلاً: «أنا من أول لحظة كان عندي مشكلة أحكي لهجة مش لهجتي، إنه مثلاً أقول هلأ جاي»، فهو يستغرب عدم استخدام لهجته في الأغاني لا العكس. يرى أن الفنان في الماضي كان يحاول دخول عالم «روتانا» و«ميلودي» وغيرهما، فبالتالي كان مضطراً ربما لاستخدام لهجات معينة لتسهيل الدخول إلى العالم العربي، بينما اليوم، يستطيع الإنسان إنتاج عمل بنفسه ونشره والوصول إلى الجمهور بدون الحاجة إلى هذه المنصات الكبيرة. فالطبيعي والعفوي والحقيقي أكثر هو أن يتحدث الشخص بلهجته.
يرد سليمان على سؤال تعريفه للموسيقى التي ينتجها، بأنّه يصعب عليه وصف موسيقاه، فكلٌّ يسمعها اعتماداً على مرجعياته، وهو يأمل أن يكون قد أنتج وينتج موسيقى عربية، بل يحبّ فكرة أنها موسيقى عربية. رغم احتوائها على البيانو والدرامز وغيرهما من الآلات الغربية، إلا أنّ هناك شخصاً عربياً يقوم بعزفها. ويضيف كيال أن ذلك له علاقة بتعريفنا لماهية الموسيقى العربية، و«هل يجب أن تبقى فنوننا محصورة بما نعرفه من التراث والقديم أم هي نتاج نابض وحي وقابل للتغيير والتطور وقادر على احتواء الجديد والعالم بداخله؟ فهي موسيقى عربية جديدة لأنّ من ينتجها في النهاية ينتجها من قلب وواقع ودوافع ومشاعر إنسان عربي». وفي سؤال حول واقع الثقافة الفلسطينية في حيفا، يرد كيال بأنّ حيفا مرّت بتجربة ثقافية واجتماعية وسياسية مهمة في السنوات العشرين الأخيرة، إلا أنها تعاني من تراجع جدي في السنوات الأخيرة بسبب الانتكاسة السياسية العامة، بالإضافة إلى وجود هشاشة اجتماعية واقتصادية. كما أن المشهد الثقافي غير قائم على أسس متينة كمؤسسات ومصادر اقتصادية واضحة، ما أدى إلى ضعف المشهد الثقافي في ملاءمة نفسه واختراعها. أما في ما يتعلق بتأثير الاحتلال السياسي على واقع الفن في حيفا وفلسطين عامة، فيقول كيال بأنّ هذا الواقع الذي أعدم المدينة الفلسطينية وقطع تواصلها التاريخي بالمنطقة وقتل اقتصادها ويتحكّم بمجتمعها اقتصادياً واجتماعياً، حتّم إنتاج ثقافة معزولة عن انسجام وتناغم اجتماعي واقتصادي وسياسي، فضلاً عن القمع الكفيل بمنع تطور أي تواصل ثقافي على مدى سنين. قضى الاستعمار على أي بنية تحتية اجتماعية وسياسية واقتصادية كانت قادرة على احتضان الثقافة لتنمو فيها. يضيف فرج أنه لا يرى أنّ هناك تضييقاً معيّناً في ما يخص الفنانين في حيفا، أي بالتحديد فلسطينيّي عام 48، مقارنة بباقي الفنانين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. فعلى حد قوله، ما يعانيه من مشكلات، يشبه ما يعانيه الفنان السويسري مثلاً من ماديات وأمور تقنية. فالفكرة التي يرفضها سليمان وكيال على حد سواء هي فصل الفنان الفلسطيني عن الكل الوطني، كأنّ للفنان هماً خاصاً منفصلاً عن باقي الشعب. قمع الاحتلال على الفلسطيني عامة كإنسان قبل أن يكون فناناً أو أي شيء آخر، من حصار وهدم بيوت واعتقالات. وبطبيعة الحال، هذا يختلف عما يعيشه الفنان الفلسطيني في غزة أو الضفة الغربية من تضييقات تتعلق بمنع السفر وإدخال الآلات الموسيقية والوضع الاقتصادي المتدني. بهذه الحالة، الاحتلال كفيل بقمع كل قدرات وإمكانات الفنان فيها.

يستغرب فرج سليمان عدم الغناء بلهجته لا العكس (كريستوف ناصيف)

في هذا المضمار، يتطرق كيال وسليمان في أغنية «شارع حيفا» إلى فكرة الوحش العظيم الذي يأكل بطن المدينة، والتي تعود إحدى قراءاته، كما أشار كيال، إلى دولة الاحتلال التي هوّدت كل مراكز المدن وأسرلتها كما حدث مع يافا ويحدث مع عكا وصفد وحيفا وغيرها، من سرقات لبيوت اللاجئين وتحويل شكل المدينة وإعادة كتابة تاريخها. أما القراءة الثانية للوحش العظيم، فهو مثلما يحدث في الكثير من المدن العربية كبيروت والقاهرة، الوحش الرأسمالي الذي يطرد الفقراء من مراكز المدن ويحولها إلى مراكز ثراء فاحش.

لماذا حيفا تحديداً؟
يقول كيال: «حيفا هي المكان الذي ولدت فيه وعاش فيه فرج جزءاً كبيراً من حياته. فاختيار حيفا لم يكن بسبب حضورها في المشهد الثقافي عامة، بل كونها المكان الذي ننتمي له. الإنسان يسعى عادة لاكتشاف المكان الذي يشكّل جزءاً منه ونشأ فيه وشكّل شخصيته. اكتشاف المكان الذي تنتمي إليه هو اكتشاف للذات أيضاً. فجوهر الفن والإبداع والثقافة هو أن نعرف من نحن وما نحن. فهذا هو الوطن بالنسبة إليّ، وهذه هي فلسطين، المكان الذي علّمني من أكون. ولأنني أريد أن أكون إنساناً حرّاً، على فلسطين أن تكون حرة. فالإنسان يأتي قبل الأرض والمدينة، فالإنسان الذي كبر في قرية ما، عليه أن يشعر كذلك تجاهها، والذي كبر في مخيم لاجئين، سيشعر كذلك أيضاً. لا مكان غير شرعي للإبداع، فكل الأماكن يمكن لها أن تكون مادة لعمل فني جميل. لهذا السبب حيفا، فهي مسرح الحياة الذي نراقبه ونعتبر أنّه يستحق الكتابة. جزء من القمع الذي يمارسه المستعمر الغربي علينا، هو أن يشعرنا بأننا أقل، ولا يمكننا عيش تجاربنا إلا من خلال فكرة أننا هامش العالم، كأنه لا يمكننا أن نكون مادة بحد ذاتها، وأن المدن الكبيرة الغربية هي التي كُتب فيها التاريخ. لكن الحقيقة أنّ تفاصيلنا الصغيرة في مدننا، هي المكوّن الإنساني الذي نبحث فيه، وهي الوطن الذي نحلم به وهذا كاف لنا».

ظروف تسجيل الألبوم
تمّ تسجيل البوم «أحلى من برلين» في ظروف غير عادية بسبب جائحة كورونا. فقد تمّ تسجيله عبر تطبيق «زوم»، وتدريبات بين برنامج «سكايب» و«زوم»، كون الفرقة التي يعمل معها سليمان موجودة في باريس. كما يذكر سليمان أنّ هناك مشاريع مستقبلية في جولة طويلة لعرض الألبوم في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى عروض أخرى في أوروبا قد تأجّلت لعام 2021 بسبب إغلاقات كورونا. أضف إلى ذلك التخطيط لتسجيل ألبوم جاز في آب (أغسطس) الماضي، لكن الظروف حالت دون تسجيله. كما يشترك فرج ومجد مرة أخرى في عملين قادمين: الأول، ألبوم غنائي للأطفال وسيؤديه طفل، بالإضافة إلى مشروع آخر للأطفال أيضاً مع فنانة ستغني العمل.

الفرق بين «البيت الثاني» و«أحلى من برلين»
يردّ سليمان أنّ ألبوم «البيت الثاني» كان تكملة لمزحة أغنية «اسا جاي». كأنها تجربة كتابية لرغبة الجمهور والمعجبين. «لم يكن المشروع الغنائي بعد واحداً من خططي ولا جزءاً من تطوير مساري المهني. فكان الألبوم عبارة عن تجميع نصوص من أصدقاء اخترت بينهم ما أريد تلحينه، بينما ألبوم «أحلى من برلين» يملك وعياً من البداية على حمل مشروع الغناء والانسترومنتال معاً. فكان العمل مرسوماً ومخططاً منذ البداية على أسس مشروع واضح المعالم، وكان العمل على الكلمات مع شخص واحد وهو مجد. يتمتع المشروع الثاني بتفكير وبمجهود أكبر في ما يتعلق بوجهه الفني»

التشارك بين فرج ومجد
يرد فرج على سؤال يتعلّق بسبب العمل مع مجد تحديداً: «أرى أن مجد يكتب بشكل خاص سواء في الأدب (رواياته) أو الأغاني بخفّة وسلاسة. هناك ما هو طازج في كتاباته وعميق وجدي في آن. هناك شيء يسهل تذكره بعد سماعه للمرة الأولى وتسرح في مخيلتك بعدها وتحبه. كما أجد أنه يشبهني في كيفية التعامل مع الفن وكل فكرة الإبداع، حتى وأنا أقرأ رواياته، أشعر أن فيها ما يشبه موسيقاي التي أكتبها على البيانو. من ناحية أخرى، مجد معي منذ البدايات وهو جزء من مشروعي قبل العمل على الأغاني. هو يعرفني ويعرف موسيقاي، وكان دائماً جزءاً من القرارات الفنية والموسيقية».

أما بالنسبة إلى مجد، فإنّه يؤمن بمعرفته العميقة بفرج ومعرفة فرج العميقة به. يضيف أنّ «كل منا يعرف الدوافع الشخصية التي تحركنا للعمل من رغبات ومشاعر. كما تعرّفت إلى فرج وأنا في سنتي الجامعية الأولى، أي في الوقت الذي لم يكن لفرج أي عمل. يمكنك القول بأننا تطوّرنا مع بعضنا ومن بعضنا، وأثّر كل منّا على الآخر في الكثير من الأمور. أصبحت لدينا لغة مشتركة وثقة بآرائنا، وعمل كل منّا على فهم عمل الآخر بشكل مختلف عن الفهم الشخصي له، وهذا خلق مساحات إبداع، وإنتاجاً جميلاً بيننا. فضلاً عن ذلك، نحن نفعل ما نحب وما يسلّينا، أنا أحب الكتابة السياسية والرواية والأدب، وهو يحبّ مسار الـ «انسترومنتال»، فنصنع ما نصنع بلا دافع إلا الحب». ويضيف ببساطة: «الأصحاب يجتمعون عادة على لعبة شيش بيش، أنا ما بعرف ألعب شيش بيش، فاحنا منعمل ألبومات…هادا الي منحبه وهادا الي بسلينا. وهادا الي بخلينا نحس أحسن مع حالنا، وإذا هو مش فاضي ما منعمله، وإذا أنا مش فاضي ما منعمله».
ويعلق سليمان عند سؤاله عن إيمانه بالموضوعات التي يتطرق إليها كيال في أغانيه، بأنّه عند الغناء أمام الجمهور، تشعر «كأنك تتحدث معهم بالضبط. وإن كنت غير مؤمن بما تقول، فأنت تكذب لا محالة. أغلب الموضوعات المطروحة اجتماعية وسياسية وأنا مؤمن بها، خصوصاً أنّني لا أغني بالمعنى الحرفي للغناء، فقسم من العمل مؤدّى، أي أن التركيز ليس على طبقات الصوت وجماليته، بل على الأفكار والموضوعات والموسيقى».
وكردّ على سؤال كيال في أغنية «في أسئلة في راسي» حول غطرسة الاحتلال وتعاطيه مع الفلسطينيين، يُذكر أنه تم اعتقال كيال من قبل «الشاباك» بعد يومين من إطلاق الألبوم، كجزء من حملات الاعتقال المستمرة التي طاولت وتطاول العديد من الشباب والشابات الفلسطينيين في الفترة الأخيرة، وكجزء من سياسة التخويف والترهيب. وتمّ إطلاق سراحه مع أخيه ورد كيال بعد يوم من التحقيق.
هذه هي حيفا، بشخوصها وفنانيها، بتفاصيلها ومشاعرها وروحها، العصية على الغياب والمصرّة على الحضور. استطاع فرج سليمان ومجد كيال في ألبوم «أحلى من برلين» ضخّ الحنين واستحضار المكان والزمان والشخوص بكلمات وموسيقى حملت تفاصيل صوت وصورة وعبق حيفا... لتقف المدينة بكامل تناقضاتها، حيفا الحاضرة الغائبة، حيفا البعيدة القريبة، الخيال والحقيقة، الحلم والواقع.