يحلو لنا احياناً نحن معشر الصحافيين الذين نستسهل الكتابة في الصفحات الثقافية ان نصنّف الفنانين ذوي القامات التي يصعب تكرارها. وهذا قد يجوز احياناً عندما تتوفر في المُصَنِّف عدة شروط اولها القدرات الاكاديمية العلمية التي تقف على ارض صلبة تؤهلة الخروج من ذاتية لم تتسلح بمعرفة متطلبات شروط عملية الابداع الفني المعقدة، وأن تكون ثانياً هذه الشخصية التي نريد تصنيفها محسوبة بالنظرية والممارسة والانجازات كقامة فنيّة خصبة تستحق أن تكون موضوعاً قابلاً ليتناولك المُصَنِّف بعلمك ودرايتك. أما ان لا يكون الاول قادراً ولا مُؤهلاً لا علمياً ولا فنياً ولا موضوعياً على تناول الثاني كقامة استثنائية كالموسيقار الراحل الفنان الياس الرحباني بإجماع كبار أهل الفكر والفن. هنا لا بد من التوقف امام جملة حقائق تفترض قبل كل شيء ادراك اهمية التروي والتحلّي بخصال التواضع والوجل في اطلاق احكام وتصنيفات استهلاكية لا تنفع في حقل ذي مادة علمية اكاديمية، خصوصاً أننا نصنّف ونحن نقف في حضرة الموت لوداع تلك الشخصية الفنية المتمكنة والعملاقة. في ادبيات التأبين الاسلامية ما يؤكد على فضيلة ذكر محاسن موتانا العاديين، فكيف اذا كان الراحل يملك الكثير والعديد والمتنوع من المحاسن والفضائل والعطائات التي يصعب تكرارها وحصرها كماً ونوعاً وصلابة!

مناسبة هذا الكلام هو نزعه تسرّع ميكانيكية تميزنا نحن معشر الصحافيين والكتاب غير المتخصصين لا في علوم النقد والتأليف والتلحين والاركسة والنظم والخلق والانتاج، فنختزلها كلها بثقافة عامة عابرة تنتمي اكثر ما تنتمي الى تمنياتنا وتحزبنا اللاموضوعي لصداقات واحزاب تحتم علينا التبخير الدائم لفلان مقابل علان (وهو اي فلان ليس بحاجة اصلاً لها، عدا عن كونها مُحرِجة جداً له).
لقد ترك الياس الرحباني آخر حبات عنقود الجيل الرحباني الاول ريبيرتواراً يصعب حصره وتحديده وتصنيفك ليس فقط داخل المؤسسة الرحبانية العظيمة بل في خارجها ايضاً، ولم يكد يمضي يوم على رحيله حتى تتالت المقالات والبوستات والمقابلات التي تنعيه وتصنفه نقدياً وفنياً بشكل سطحي او متسرع او متحزب ليجري تعليب اعماله وتراثه تحت مسميات غيّر علمية ولا مسؤولة منها مثلاً موسيقى المصعد elevator music أو الانترتينمنت او الخ ... وكلها مسميات غير اكاديمية لو ذكرت على الفايسبوك او التويتر، لهان الامر ولكنه يذكر على الصفحات الثقافية لاكثر الصحف المرموقة والمُعتبرة بموضوعيتها. لماذا يحب ان يُشم منها روائح تذكر بمرحلة الحرب الاهلية التي تجرأنا فيها كلنا (وانا منهم) على قامات شامخة بلا مسؤولية ولا حصافة لا في تناولها، ولا في تصنيفها الى تقدميين ورجعيين او يسار ويمين او حركة وطنجية وحركة رجعانية الخ ... وكله كان عبارة عن سلسلة اخطاء فادحة جرى اقترافها باستسهال في الخوض والتسيس لغايات لا تُخفى على اللبيب.
من بين القلائل جداً جداً والمعدودين على اصابع اليد الواحدة فقط وليس الاثنتين، بقي ناقد موسيقي حقيقي واحد يغرّد خارج السرب التقدمي. ناقد متخصص في مادة النقد الموسيقي من الجامعة الاميركية وهو الاستاذ الراحل والناقد العربي المرموق نزار مروه قدّس الله سره الفني والعلمي الذي زاوج دراسته الموسيقية بدراسة الرياضيات العليا وتاريخ العلوم والفنون في ذلك الصرح (كان استاذه يومها في مادة النقد والتأليف هو البروفسور سلفادور عرنيطة مؤلف أول أوبرا عربية). بقي نزار مروة وحدة خارج سربه الايديولوجي رافضاً الانجرار بإباء وراء تلك الخزعبلات. ولطالما أعلن بصريح العبارة وفي شتى المنابر والمناسبات أنّه لا يوجد شيء ابداً اسمه موسيقى تقدمية واخرى رجعية، بل هناك فقط موسيقى جيدة تقابلها أخرى رديئة. ويمكن لمؤلف موسيقي تقدمي بالمفهوم اليساري أن يكتب موسيقى رديئة جداً في نفس الوقت الذي يكتب فيه مؤلف موسيقي يميني أو رجعي سياسياً موسيقى جيدة راقية بل رائعة! ولم يكن مروة يتعمد ذكر هذه الحقيقة دائماً عن عبث، بل لطالما غمز بها ليرفض بقوة واباء موضوع التحزب والتمييز في تصنيف الموسيقيين الكبار. لم يكن هذا ليعيبه أو يخجله ابداً رغم انتماءاته السياسية والفكرية الواضحة والمُشرِّفة، بل لقد اكسبه هذا الموقف احترام كل الفنانين والمؤلفين الموسيقيين الكبار من عاصي ومنصور والياس وفيروز وتوفيق الباشا وزكي ناصيف ووليد غلمية وتوفيق سكر وزياد ومرسيل وعبدالله المصري وبقية الموسيقيين اللبنانيين والعرب الكبار. رفض نزار التمييز أو الفصل أو التصنيف بينهم ولأعمالهم على أسس لاعلمية. ورفض تحديداً النزول الى عمليات الفصل والتناحر والتحزّب بين عاصي ومنصور كوحدة لا تتجزأ قبل وبعد رحيل عاصي، هذا من جهة وبين عاصي ومنصور من جهة وفيروز من جهة أخرى وبينهم وبين زياد من جهة ثالثاً. رفض ذلك وهو الذي كان فنياً اقرب النقاد لهم واكثرهم اطلاعاً وتأثيراً عليهم. بقي في المساحة العلمية والموضوعية على مسافة واحدة عن الجميع رافضاً الانجرار وراء التمييز بينهم بالشد بلعبة اليمين واليسار والتقدمية والرجعية. لقد عادت تلك الرائحة لتفوح الآن بعد مدة طويلة على غياب نزار. فاحت قليلاً ونحن نُقيّم احد كبارنا ونُصنّف تراثه الواسع والممتد على زمن الكبار بتشعب وتفاوت لا يتسع له مقال في صحيفة أو حتى دراسة علمية عابرة. وبالضبط عند رحيله عنا الى الأبد قبل ايام، لذلك اقتضى التنويه. المصاب أكبر بكثير من تعليبه في تصنيفات ساذجة لم تعد تنطلي على أحد! اذا اردنا ان نمدح زياد، لا يلزمنا ابداً تقزيم الياس الرحباني أو غيره من قامات رحبانية لا تُقارب لا بهذا الاسلوب ولا بتلك الديباجات المسطحة التي تسرّعنا كلنا في تفصيل واختراع التصنيفات اللاعلمية واللاضرورية لها، والتي لا تخدم ولا تلزم زياد وفيروز بقدر ما تحرجهما امام افراد العائلة الرحبانية على الاغلب. قد نستسهل نحن معشر الصحافيين الوقوف بتصنيفاتنا المتسرعة في مقالاتنا الصحافية العابرة امام إنجازات حياة قامة فنية عملاقة بما لا يتناسب مع واقع حالها وغناها وعمقها. لقد آن لنا أن نكبر ونتعلم ونعتبر، واذا كنا لا نجيد النظر ولا التمييز بعمق الى تصنيفات اخترعتها مجلات ووسائل الشوشال ميديا الاميركية والاوروبية الهشة بضحالتها المعهوده تحت اسماء موسيقى المصعد وتسليات وإنترتينمنت والعديد غيرها مما هو غير موجود اكاديمياً، فلماذا لا نلجأ الى فضيلة الصمت في حضرة الموت حيث يصفو الفكر ويجوز أحياناً أن نُمجِّد الخالق في اعمال مخلوقه العائد اليه وخصوصاً في حالة آخر حبات عنقود الجيل الرحباني الاول. وفي النهاية، أحب أن أغمز الى حقيقة انه حتى موزار الذي لا يوجد اعظم منه، حاول ان يطاله معاصروه بقوالب التسليات او التسالي او التسليات المُصَنَّفه موسيقياً بالانكليزية بـ Divertimenti التي عابوا عليه انها كُتِبَت ليتسامر من خلالها الامراء رواد القصور في خلفية سهرات السمر التي يقيموها في العشايا، فإذا بها بعد تحليلها موسيقياً لا تختلف ابداً في صلابتها الموسيقية عن سيمفونياته وكونشرتاته وأوبراتاته وبقية أعماله العظيمة الخالدة حتى لو جاء تصنيفها في خانة التسليات او الـDivertimenti. ورحم الله امري عرف حده ووقف عنده.