آخر الثالوث الرحباني في رعاية الثالوث الرباني. لم تله الأخ الأصغر نصيحة ولا وجود صحنه فارغاً أمام صحنَي عاصي ومنصور الممتلئين ولا مكرمة الوجود في هذه العائلة ذات النفس الإغريقي... هذه العائلة وراقة الأغنية الجديدة في شوارع لا علاقة لها بشوارع الحكم القديمة. لم يأبه ولم يضع في شوارع الآخرين، ولو أنها كفيلة بأن تصلب أكبر الأسماء على خشب صليبها. وجد من الشجاعة أن يأكل من صحنه. صحن امتلأ بلحم الخبز بلا بالخبز. مضى للرقص على الأسرار والفجوات، لكي يضم سيره إلى سير الأخوين، من بدوا كجن الأغنية وجن الموسيقى وهما يمتدان بالصمت كالشفاء من ليالي الأغنية العربية وسجونها، حتى زرعا في معجم الأغاني أغنيةً لم تقترف طول الأغنية ولا دخولها في سجن سير الحب وحدها.

سعى إلياس الرحباني إلى أن يبني قبته أمام قبة الأخوين العملاقة في واحدة من المعارك الخفية الفاتنة بين المنعطفين ورجل لم يكتئب من قوة لا تقهر وهي تطير بجناحين من هجوم نابض على الغبار الفني، المصنوع من البراءة ولظى الأسلاف والأصداء والأوشام في حضور الأصوات والندماء. سجف الأخوين كفن المواليد الجديدة، من قوة الأخوين على الحياة والوقت والفن والثقافة. لم يأبه الثالث بالعتمة السميكة أمامه ولا بالخوف من أن يضحي مسخاً للأخوين الموزعي الشهوات في أرغفة زرقاء مطلها على البحر الأبيض المتوسط من جمهورية إنطلياس ذات الصالة الرحبانية الواسعة. لا مسخ ولا عتمة. هكذا، أوجد الياس الرحباني نفسه بين أخويه الموجودين كاليوم السعيد في أيام البلاد العادية. وهو حين فعل، وجده الآخرون رجلاً يستحق التحية على وجوده وعلى أفعاله فوق ماء اللوعة الهوجاء من اكتمال تجربة ورغبة الدخول في التجربة هذه، على الرغم من أن سيرتها سيرة مفزعة لمن يراها من بعيد ومفزعة أكثر لمن يراها من قريب. رآها الياس من قرب، رآها بدون منظار، رآها كملاك سيبقى يطير حوله، بدون أن يحنو عليه، لأن السرحان على هواء البلاد وليمة لن يقاسمها أصحابها مع أحد، حتى الشقيق الأصغر في عائلة صغيرة مؤلفة من ثلاثة أشقاء. اثنان قطعا الممر المجهول والثالث على أوله.
وجد الياس الرحباني طريقه إلى النور بالدخول في صوت الموجة لا في متاخمتها. حفن التجربة دفعة واحدة، كما لو أن قشعريرة أصابته وسرت في عروقه حاملة التجربة دفعة واحدة من جرف الأخوين العظيم إلى مهب الأخ الثالث. لم يقتفِ الأثر لأن الأثر نفسه أخذه إلى السكن في قهوة الأخوين الصباحية قبل أن يخرج من مدارهما بعيداً من الصدفة والقافية والنظم وصليل الشهرة العارمة.
نجاح الرجل نجاحان: النجاح في الاستقلال عن الوصاية بدون كفر بما بناه الشقيقان، ثم النجاح في اختطاط الطريق الخاص، على هدى فكرة أن الخط الخاص فتح، ما دام يرفع للرجل هلاله إلى جانب قمر الأخوين والسيدة فيروز، وما دام يسمح للكلام الخاص بالبدء، كما لو أن المتكلم شجر من كلام. لم يعد الكرة. هذه واحدة من ميزاته، رغم أن لعب دور الظل للقامتين المتداخلتين بناء يصعد بجانب الصعود. شطرة من تجربة الأخوين في شطرته، ثم شطرته الخاصة بعيداً من جلد الأخوين القاسي، الغامق، الكائن على الكائنين.
وجد الياس الرحباني أن عليه أن يقود نفسه أولاً في عمر أخويه الفني، ثم يعوم في بقعته يسبح فيها أمام الأخوين وأمام المارة والعابرين والمستمعين والمشاهدين. لم ينه نفسه عن شيء وهو يسبح في الرقعتين، لأن الأدرى بأن تتبع الأخوين ضرورة أولاً، ثم نذرٌ أرمد. ولأنه هكذا، درأ عن نفسه صعوبة أن يزرع نفسه في رحم تجربة الأخوين كشرط عبور من قمر الأخوين غير المشقوق إلى نصفين وغير الجاهز للمثالثة، إلى هوائه الطلق. نام على كتف النافذة أولاً، بعدها وجد طائراً كشخصيات شاغال في فضائه الخاص، فضاء من الألوان. الأبرز لون تاريخ، لا لون جغرافيا. تاريخه لا جغرافيا الأخوين. ما أنتجه لا يصدق على قصيدة الأنا. «يا لور حبك لفيروز». «دخلك يا طير الوروار»، الأغنية الأسطورة، أغنية اللاهوت، الأغنية الأبدية. «كان الزمان وكان»، «كان عنا طاحون»، وفاتورة طويلة من العناوين البارزة. مجموعة من التعاويذ الغنائية. لحّن لصباح «كيف حالك يا أسمر» و«شفته بالقناطر»... ولوديع الصافي وملحم بركات ونصري شمس الدين وماجدة الرومي. بدا كبائع الحلوى وهو يلحن لجموع من المغنين والمطربين، ممن استأهلوا ألحانه ومن لم يستأهلوا الألحان هذه. ولاَّد أسماء لا هدّام أسماء.

نجح في الاستقلال عن الوصاية بدون كفر بما بناه الشقيقان، ثم اختطّ طريقه الخاص

أخذ البعض عليه الأمر هذا ووجده بعض إخراج أسماء من الخلوات. كما أنهم أخذوا عليه الاستواء على عرش الإعلانات المجبول بالكبريت. اللافت أن الأخيرة لم تتبخر أمام قصائد الصعود وأغنياته. لم يجده البعض ينصف نفسه وهو يهدي لحن الإعلان إلى كلمات أغنية وأخرى زلقها على الرمق الغض الجديد في ذلك الزمن. وجدها البعض فاخرة الوجه والسحايا، ووجده البعض أوردة ميتة لم تشهد على موت صاحبها (دعاية «باريلا معكرونة» كمثال، حوّلها إلى أغنية أدّتها صباح). أتعب الرجل نفسه كثيراً، لأنه لم يوجد على زورق الأخوين العائم. اخترع زورقه، ثم رمى صنارته ليصطاد سمكه في بحر من الوحشات والعشب الأخضر. ملحن ومؤلف موسيقي. موسيقى «عازف الليل» الشهيرة منه. وموسيقى أفلام «دمي ودموعي وابتسامتي»، «حبيبتي»، «أجمل أيام حياتي»... قدّم الأغنية بالعربية والفرنسية والإنكليزية. قدم قرابينه بصوت غير مبحوح، بصوت كامل. حاز جوائز ، كالجائزة الأولى في «مهرجان روستوك» في ألمانيا عن أغنية «موري» ( mory). وجوائز من البرازيل واليونان وبلغاريا. قدّم مجموعة من المسرحيات («إيلا» و«وادي شمسين» و«سهرة الأحلام»)، وأنشأ أكاديمية لا تزال تتلوّى حية على رغبات النحل الأخضر، تلاميذها بإشراف نجله غسان.
بدا الياس الرحباني وكأنه يحيا على جبين النسيان بعدما نسّق غيابه وأولاده نتيجة ظروف صحية أجبرته على الغياب. اليوم يغيب الرجل غيابه الآخر والأخير. آخر الثالوث الرحباني في رعاية الثالوث الرباني. حفر الياس الرحباني وجوده كالوشم بين الكبيرين عاصي ومنصور، ثم عبر من شقوق العالم إلى العالم الآخر. لن يغيبوا وإن غابوا، لأننا كلما سألنا عنهم وجدناهم إلى جانبنا، بعدما اعتلوا صفحات الخطوات الكبرى.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا