هناك تساؤلات عدّة يثيرها عنوان معرض «من الفن الحديث إلى المعاصر... فنانات من الشرق الأوسط»، تتعلّق بالتجارب الفنية التي يقدّمها ضمن تسمية عامّة هي فنانات من الشرق الأوسط. عنوان يمنح القارئ انطباعاً بأنه تغطية شبه شاملة لأعمال الفنانات في هذه البقعة من الأرض، في حين أنّ طرحاً كهذا يحتاج إلى اشتغال دقيق في توثيق هذه التجارب وجمعها، ضمن تصنيفات أكثر دقّة لأعمالهن، وتظهيرها وفق سياقاتها ومشاغلها المتعدّدة خارج مصطلح النسوية. هكذا، بعد الاطلاع السريع على الأعمال المعروضة، يبدو العنوان أكثر اتّساعاً من المعرض الذي تقيمه «غاليري مارك هاشم» على موقع «آرتسي» (Artsy)، إذ أنه لا يعدو كونه عرضاً لبعض اللوحات من مجموعتها، في وقت باتت فيه المعارض الافتراضيّة واحداً من سبل العرض والبيع القليلة المتاحة أمام الغاليريات، في ظلّ إجراءات الوباء.

في «من الفن الحديث إلى المعاصر... فنانات من الشرق الأوسط» أعمال ولوحات ومنحوتات تحمل توقيع فنانات عربيات من لبنان والعراق وسوريا وفلسطين هنّ هلن الخال، وليلى نصير، وليلى الشوا، ومنى طراد دبجي، وزينة عاصي، وميسلون فرج، وسارة شمّة، وديزي أبي جابر. يطرح المعرض (عبر النص المرفق به) مجموعة من الإشكاليات الكبيرة التي تبدو بدورها مجرّد خطوة أولى للبحث في هذه التجارب المتشعّبة. حصر الأعمال الفنية النسائية في إطار الهويّة الجنسية الأحادي، من شأنه أن يذيب خصوصيّة كلّ فنانة، فضلاً عن تغاضيه عن إشكاليات عدّة رافقت تلك التجارب وظروفها الخاصّة. ففي نص المعرض، تنطلق الغاليري من السيطرة الذكورية على الفن في الشرق الأوسط لسنوات من دون التطرّق إلى السلطات الأخرى التي رافقته في العالم العربي. لا بدّ من الإشارة هنا إلى بعض التجارب النسائيّة التي ظلّت لفترة طويلة تُعتبر شاذّة عن الفن الثقافي مثلاً، بانتمائها إلى ما يمكن اعتباره «الفن الخام» أو الفن الساذج. اصطدمت أعمال تلك الفنانات بسلطات كثيرة، تتجاوز السيطرة الذكورية، مثل السلطات النقدية، وأطر العرض في الغاليريهات والمتاحف، والسلطات الاستعماريّة والأكاديمية أيضاً، نذكر هنا مثلاً أعمال الجزائرية باية محيي الدين التي لا يكاد يذكر عملها من دون ذكر بيكاسو وتأثّره بها.
البداية من هلن الخال (1923 – 2009)، لا لأن أعمالها تندرج ضمن أعمال رائدات المحترف التشكيلي في لبنان فحسب، بل لأن الفنانة اللبنانية الأميركية وثّقت لتجارب الفنانات في لبنان في كتاب «الفنانة في لبنان» (The Woman Artist in Lebanon). يُضاف ذلك إلى تجربة فنيّة غنيّة، لم تركن فيها إلى مدرسة أو أسلوب واحد.


«من دون عنوان» للفنانة اللبنانية الراحلة هلن الخال (زيت على ورق - 24×28 سنتم - 2002)


«كائن فضائي» للفنانة السورية سارة شمة (زيت على كانفاس - 120 ×100 سنتم - 2016)

بالعودة إلى كتابها الذي نُشر سنة 1987 أي بالتزامن مع ظهور الحركة الفنية النسوية Guerilla Girls (في نقدها للمتاحف والغاليريات وأطر العرض الفنية التي تقوم على التفرقة بين الجنسين وبين الأعراق)، تستنتج الخال الظروف التي أحاطت بفنانات لبنان حينها. رغم أن الخال اعتبرت كتابها مجرّد تعريف بهؤلاء الفنانات بعيداً عن الدراسة المتعمّقة للوحاتهن، إلّا أنها تنبّهت باكراً إلى بعض الظروف الأساسية المحيطة بمن كنّ يُعتَبرن رائدات المحترف التشكيلي حينها، مثل دور الطبقة الاجتماعية التي ينتمين إليها، بالإضافة إلى التعليم الإلزامي لمادّة الرسم في المدارس، وكون الرسم مهارة يمكن للفتيات أيضاً أن يكتسبنها في منازلهنّ، بينما لا يتطلّب هذا الاختصاص الأكاديمي وقتاً طويلاً في بعض الاختصاصات الأخرى مثل الطبّ وغيرها. هناك أهميّة أخرى في استعادة الخال التي واجهت في حياتها بعض السلطات التي لا تزال تلاحق المرأة في لبنان حتى الآن، وهي خسارة طفليها بعد طلاقها من الشاعر يوسف الخال، حيث كتبت في رسالتها المفتوحة عن «ظلم إنساني خاص جداً» بأن «ابني هو خلقي الخاص وامتداد لجسدي، ومسؤولية استكمال تربيته نحو رجولة حرة ومستقلة هي مسؤولتي أنا مثلها مثل العناية بنفسي». نستعيد حياة الفنانة، كمثال على أن هذه التجارب الشخصيّة للفنانات قد لا تجد تجسيدها في العمل بشكل مباشر، خصوصاً في اللوحتين اللتين اختارتهما الغاليري لعرضهما على الموقع. إذ أنهما تعبّران عن مشاغل جمالية في الفترة ما بين 2000 و2002، حين كانت الفنانة قد تخلّت الخطوط في رسماتها مجدّداً، منصرفة إلى التركيز على اللونية، بالاعتماد على تدرّجات متقاربة وهادئة، تفصل بينها الكتل اللونية نفسها مثل الأزرق والأخضر والزهري.
هناك استعادة لواحدة من أبرز رواد الفن التشكيلي السوري، وهي الفنانة ليلى نصير (1941) التي أقامت معرضها الأول سنة 1970. تنتمي نصير إلى الجيل الثاني من الفنانين السوريين، ممن درسوا الفن التشكيلي في القاهرة بعد الجيل الأول الذي تخرّج من إيطاليا. في المعرض الافتراضي لوحة واحدة تعود إلى سنة 2014، وتحمل عنوان «الجوع». فيها ثلاثة أجساد لنساء عاريات يجلسن أمام طاولة فارغة رسمتها بالمواد المختلفة على لوح خشبي. أمام شحّ الألوان، يمكن اختصار اللوحة بتعبيرات الوجه المنكسرة، واتكاء رأسَي المرأتين على كتفي الأم الجالسة في المنتصف. هذه اللوحة هي حصيلة تجربة نصير التي تنقّلت فيها بين الواقعيّة والتعبيرية والتجريدية، والتشخيصيّة فضلاً عن النحت الذي ظلّ طيفه حاضراً في لوحاتها. في موازاة التجريب الأسلوبي، منها ما يحمل بعض التأثيرات التراثية للمنطقة، ظلّت مشاغل نصير تنطلق من الألم البشري، والمعاناة الداخلية والجسدية. إذ بلغت لوحاتها أعلى تجليات المعاناة البشريّة في لوحات للأجساد المبتورة، وبطون نسائها الحوامل، بالإضافة إلى وجوه أطفال الجنوب اللبناني في الثمانينيات.

«الجوع» للفنانة السورية ليلى نصير (مواد مختلفة على الخشب - 60×50 سنتم - 2014)

يركّز المعرض على الحروب، والتحوّلات الاجتماعية والسياسية التي ألهمت أعمال بعضهم، ويتوقّف عند تجارب فنية معاصرة. نرى بندقيّة الفنانة الفلسطينيّة ليلى الشوّا في عملها الشهير «حيث تسكن الأرواح» (2013)، وفيها تغطي البندقيّة بخرز ملوّن وريش زهري، وبفراشات وأسلاك. تستخدم شوّا لغة جماليّة تقوم على الألوان الفاقعة، والعناصر المبتذلة، من أجل إسقاط بعض المفاهيم الاجتماعية والسياسيّة. هكذا تلجأ إلى الخفّة، للنيل من الرموز البصريّة التي سيطرت لفترة طويلة على القضايا، مثل القضيّة الفلسطينية التي تختصر أحياناً بالكوفية والكلاشينكوف. من المواد المتعدّدة للشوّا، ننتقل إلى البورتريهات الزيتية للفنانة السوريّة سارة شمّة (1975). الوجوه والأجساد تتحوّل في لوحتها إلى مساحة للتعبير عن الحرب السورية وعن النكسات الإنسانية التي تفرّعت منها مثل الإتجار البشري باللاجئين من الأطفال والنساء تحديداً. في بورتريهاتها، هناك تمثيلات مختلفة للجسد والوجه نفسيهما، بتعبيرات متنوّعة. تعظّم شمّة من ندوب شخوصها عبر التكرار الذي يبدو أنه صدى لتلك الصدمات المتتالية، ما يجعل من لوحتها لوحات عدّة.
يحوي المعرض لوحات لهلن الخال، وليلى نصير، وليلى الشوّا، وسارة شمّة، وزينة عاصي

وجوه تأخذ من الفوتوغرافيا واقعيّتها أحياناً، فيما تتحوّل في أعمال أخرى إلى هالات مشوّشة ومشوّهة للوجه نفسه عبر ضربات تعبيرية قاسية. تترجم الفنانة المقيمة في لندن هذه المفاهيم في تركيب لوحتها وبنائها أيضاً، كما حين تمنح رسمات وخربشات الأطفال وضوحاً يشوّش على وجوه الأطفال ويغيّبها في سلسلة (2016) تعرضها الغاليري. نرى أيضاً التمثيلات الفوضويّة والمقلوبة في أعمال الفنانة اللبنانية ديزي أبي جابر (1961) التي ترسم بالزيت والمواد المختلفة مدينة بيروت وذاكرة شوارعها بأسلوب يقترب من الاسكتشات، وأخرى تجريدية. زينة عاصي (1974)، تدعونا إلى متاهات بيروت، وأزقّتها المرفوعة أحياناً على أكتاف أبنائها، خصوصاً في أعمالها النقشية الأخيرة، فيما نرى منى طراد دبجي (1950) بأجساد نسائها العاريات والمستحمّات في أمكنة داخلية وأخرى خارجية مثل مساحات طبيعية ريفية، وأسواق مدينية ضمن أسلوب ملوّن وبسيط. ومن العراق، تسلّط الغاليري الضوء على أحدث أعمال الفنانة والمعمارية العراقيّة ميسلون فرج، خصوصاً مجموعتها الأخيرة التي استوحتها من المساحات الداخليّة للبيوت خلال الوباء، بالإضافة إلى أعمالها التجريدية المعروفة.

* معرض «من الفن الحديث إلى المعاصر... فنانات من الشرق الأوسط» لمجموعة «غاليري مارك هاشم»: https://www.artsy.net

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا