احتفاءً باليوم العالمي للفلسفة، أحيا «معهد المعارف الحكمية» ضمن برنامجه الدوري «المنتدى الفلسفي» هذه المناسبة، بالتعاون مع قسم الترجمة واللغات في «جامعة المعارف» و«الجمعية الفلسفية اللبنانية»، فنظم ندوة عبر الفضاء الافتراضي الأسبوع الماضي بعنوان: «النص الفلسفي وإشكالية الترجمة»، أدارتها بتول الخنسا، وشارك فيها الباحثون: عفيف عثمان، وزينب أنيس جابر، وأحمد ماجد. افتتحت بتول الخنسا الندوة بكلمة أشارت فيها إلى أهمية الفلسفة والترجمة التي أوكل إليها مهمّة نقل الحضارات، وتحدّثت عن المَثل الأعلى الذي ضربه المسلمون في النشاط الفلسفي والعلمي آنذاك. وأشارت إلى صدمة الشعوب من هشاشة الأنظمة في العالم جرّاء جائحة كورونا، ودخول الحضارة الغربية مرحلة الانهيار، ما جعل الصحافيين العالميين اليوم يبحثون في كلام الفلاسفة، مبتعدين عن السياسيين والمحللين وخبراء الأوبئة، ويسألون أين ذهب الفلاسفة الجدد؟ فلم يبقَ غيرهم لتفسير ما يجري وإدارة الحوار. وأكدت على إصرار «معهد المعارف الحكمية» على إحياء اليوم العالمي للفلسفة، تأكيداً منه أنّ الفكر والحوار وتلاقي الثقافات هو الحجر الأساس للنجاح بوصفه التوأم الروحي للنصر ولانتصار أمة حيّة.



البداية كانت مع عفيف عثمان وعنوان ورقته: «الترجمة بين مقامَي الأمانة والخيانة» تطرّق فيها إلى الحديث عن الترجمة، على اعتبار أنها لم تكن يوماً نقلاً من لسان إلى لسان آخر، بل كانت تثاقفاً وانخراطاً في العالم، وشغلت حيّزاً من مساحات المعرفة الممتدة، وباتت رهاناً وحضوراً في مجرى التاريخ الكوني. وهي تساعد في فهم عالم يتشظّى على نحو متزايد، والمترجم مسافر مشغول برحلة من مصدر آخر في المكان والزمان. وبيّن كيف اختلطت الترجمة في زمن الاستعمار بعلاقات القوة والسيطرة، لافتاً إلى أنّها استُخدمت كأداة للسيطرة الاستعمارية، وكوسيلة لحرمان المستعمرين من التعبير عن أنفسهم. ثم تطرق عثمان إلى آراء بعض الفلاسفة والباحثين في موضوع الترجمة، مبتدئاً بالباحث الفرنسي أنطوان بيرمان الذي يحدّد للترجمة ثلاثة أبعاد: أخلاقية وشعرية وفلسفية. وفي الغاية الأخلاقية، يورد مسألتَي الأمانة والدقة، بينما تعتبر الفيلسوفة الفرنسية بارباره كاسان أنّ الترجمة تعني الذهاب إلى ديار بعيدة، وآنئذٍ نرى أنفسنا من هناك، مروراً بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي يعتبر أنّ ثمّة تحدّياً في الترجمة، واستحالة في خدمة سيدين، ويدعو إلى امتلاك الشجاعة لتبنّي الإشكالية المعروفة جدّاً حول الإخلاص والخيانة... وصولاً إلى جورج زيناتي الذي يعتبر أنّ الترجمة ليست خيانة رأي، بل هي ولوج أو اقتحام منزل الآخر وإحضاره إلى منزلنا. وبحسب تجربته، فإنّ كلّ نص قابل للترجمة، وتكتنز اللغة العربية إرثاً فلسفيّاً هائلاً مع مراعاة تغيّر معاني بعض المصطلحات وضرورة استنباط كلمات جديدة لتبدّل بعض الدلالات، وينصح أهل الترجمة بوجوب التزام الوضوح في تعريب الفلسفة كي لا يأتي النص مبهماً.
وختم عفيف عثمان قائلاً: «الدكتور زيناتي مثالنا في أنّ الترجمة أمانة لا خيانة. ويرى الأمل في الفلسفة ويعتبرها النبراس العقلي القادر في أحلك الظروف على أن يشير إلى الجهة التي تقود إلى الممر المؤدي إلى النهاية السعيدة، وأنّه بدونها يُستهَلّ القمع ويُفتَح باب الاستبداد».
وعن «العلاقة بين الترجمة والفلسفة»، تحدثت زينب أنيس جابر عن مواقف عدة تجمع بين الترجمة والفلسفة، وقالت إنّ الفلسفة خرجت -في الغرب كما في العالم الإسلامي- من رحم اليونان على يدي داية هي الترجمة. وبيّنت منشأ الصمت التقليدي للفلاسفة حول الترجمة عبر طرح بعض آرائهم، وأشارت إلى أنّ تاريخ الغرب يشهد على خطورة إنتاج الأفكار الجديدة ونشرها، وكان نقلها في العصور اللاتينية قائماً على تراتبية لاهوتية للّغات، ما أسفر عن وصم الترجمة بالدونية. ولم يجد الفلاسفة الغربيون فيها مادة تستحق النقاش، بينما في الثقافة الإسلامية كانت اللغة الهدف هي لغة الوحي الإلهي أي اللغة العربية لارتباطها بالقرآن الكريم.
كما تطرّقت جابر إلى إشكاليات الترجمة لدى الفلاسفة، منها الثنائيات التقليدية، ومكانة النصّ المصدر، وتعدّد المعاني. ولفتت إلى أنّ العلاقة بين الترجمة والفلسفة تطال الجانب الأخلاقي الذي ينعكس عبر مفهوم «الأمانة». وميّزت بين نشأة الحركة الترجمية في العالم الإسلامي وتجربة الغرب، مؤكّدة أنّنا ما زلنا ننادي بالأمانة التقليدية في مدارس الترجمة في بلادنا مع أنّ الغرب نفسه قدّم نماذج نقدية لها، ومعتبرة أنّ مفهوم الأمانة بمقارباته المطروحة لا يُعالج إشكاليات تؤرق الترجمان المتدين عموماً، والمسلم خصوصاً. وتلك المقاربات تصبّ في خانة ما يمكن أن يسمّى «أمانة أفقية» قطعت علاقتها بالسماء ولا تلبّي حاجات المجتمع المتدين.
ثم اقترحت زينب جابر في الختام أن يتم اعتماد «الأمانة العمودية» كبديل للأمانة الأفقية الذي يرمي إلى إعانة الترجمان على التوفيق بين أخلاقه الشخصية وأخلاقه المهنية، عبر تقديم الولاء لله وللدين على الولاءات الأخرى كافة. وأكدت أنّ هذا الطرح بحاجة إلى بحث موسّع للخوض في تفاصيله وبناء أركانه.
استُخدمت الترجمة في إحدى المراحل كأداة للسيطرة الاستعمارية


ختام الندوة كان مع أحمد ماجد ببحث تحت عنوان «الترجمة الفلسفية كفعل تفلسف»، فتطرّق إلى تجربة الفارابي في ترجمة المصطلح الفلسفي واستراتيجية الترجمة لديه. وتناول الحديث حول الترجمة الفلسفية، وقال إنّ الكثير من الأسئلة عن ماهيتها تدخل في صلب الإنتاج الفلسفي لأنّها تتخطى النص الأصلي كما قُدِّم في مجتمعه الخاص، وتقوم بإعادة إنتاجه وتبيئته مع المتلقي الموجود في بيئة مغايرة. ثم تحدّث عن اللغة وكيف تطوّرت في إطار الاتصال الإنساني حتى وصلت إلينا، وأوضح أنّها تعكس تجربة الإنسان في العالم والبيئة والمحيط.
وعن العلاقة بين اللفظ والمعنى، أوضح ماجد أنّ اللغة تعبّر عن نفسها بالألفاظ، وهنالك علاقة عضوية تجمعهما سويّاً. وقد أعطت رؤية الفارابي المعرفية الأولوية للمعنى وجعلته ثابتاً، بينما الألفاظ تنتمي إلى عالم الجزئيات، ولا بدّ من وجود أداة رمزية يستخدمها لتبادل المعلومات مع الآخرين. معتبراً أن الاختلاف في اللغات نابع من التجربة الإنسانية، أما المعنى فمن الطبيعة الإنسانية المشتركة.
وأشار ماجد إلى أن الفارابي يدعو إلى الترجمة الاستيعابية التي تحاول أن تدمج النص المترجم من لغة إلى لغة أخرى ضمن شروط ذكرها. وبحسب الفارابي، من الخطأ تصور أنّ عملية الترجمة هي نقل للألفاظ، لأنّه يؤدي إلى خلل داخل المنظومة اللغوية المنقول إليها النص. ولكن إن كان لا يوجد لفظٌ مماثلٌ في البدئيّ من الكلام عند الجمهور، عندها يصحّ نقل المصطلح من اللغة الأصلية إلى اللغة التي يُترجم إليها بشرط إخضاعه إلى القواعد المعمول بها عندهم، حتى يستطيع أن يُدمَج في سياق الحضارة المنقول إليها. ولفت إلى بعض المصطلحات التي طبق عليها الفارابي نظرته وفلسفته منها كلمة «الفلسفة» و«فيلسوف». واعتبر ماجد أن هذا الأمر على أهميته يُظهر أنّ الفارابي قد قَبِل فعل النقل من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية.
وختم كلامه قائلاً: «لا يجب أن تكون عملية الترجمة مبنية على الألفاظ، بل على المعنى، لذلك على الترجمان أن يبحث عن المعنى المقترن بدراسة البنى التركيبية والنحوية للنص وصولاً إلى تحديد المقصود».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا