بحلّة أنيقة ومضمون جديد، أطلّ العدد الجديد من مجلة «الأقلام» التي احتضنت لوقت طويل المشهد الثقافي العراقي (تصدرها وزارة الثقافة العراقية ـ دار الشؤون الثقافية). إنه العدد الثالث من العام الخامس والخمسين، إذ صدر العدد الأول من مجلة «الأقلام» عام ١٩٦٤ وبقيت متواصلة في الصدور ولم تتوقّف أبداً. أسماء ثقافية مخضرمة مطعّمة بوجوه شبابية بهيئة تحرير من عارف الساعدي (رئيساً) وحمزة عليوي وعلي سعيد خضير وعلي سعدون ومهنّد الخيكاني، إضافة إلى هيئة استشارية من جابر عصفور، محمد علي شمس الدين، حسن ناظم، حاتم الصكر، عبد الله الغذامي، بشرى موسى صالح، سيف الرحبي، منصف الوهايبي، ياسين النصير، سعد البازغي ونادر كاظم.



المخاض الثاني للمجلّة التي اعتُبرت مختبراً للحداثة العراقية والعربية ونافست مطبوعات بيروت الدورية في الفترة الذهبية في النصف الثاني من القرن الماضي تكشّف عن مولود جديد شكلاً ومضموناً: بإخراج متميّز وورق فاخر ولوحات غرافيكية وبصرية جذابة، ترمي المجلة «الرسمية» التي ترأسها وعمل في هيئة تحريرها كبار الأدباء والكتاب العراقيين ومنهم نازك الملائكة، وسعدي يوسف، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الجبار داوود البصري، وطراد الكبيسي، وعلي جعفر العلاق، وحاتم الصكر، وماجد السامرائي وأسماء كثيرة أخرى، إلى كسر الطابع التقليديّ في تعامل المثقّفين مع كلّ هيئة رسميّة وإعادة اجتذاب الأقلام العربية المبدعة، المخضرمة منها والشابة لإعادة ضخّ الدم في عروقها. وما مبادرة وزير الثقافة العراقية الدكتور حسن ناظم الشاعر بتكليف الشاعر والأكاديمي عارف الساعدي ليترأس تحرير هذه المجلة المهمّة إلّا خطوة في سبيل تحقيق هذه الرؤية. إذ أعلن الساعدي في تقديمه لـ«الأقلام» «فتح الباب للكتاب العرب لتستعيد هذه المجلة الرائدة مكانتها الطبيعية في حركة التنوير».
أما في المضمون، فما يجعل هذا العدد استثنائياً، فهو الحوار المطوّل مع الشاعر والمفكر أدونيس في مناسبة تسعين عاماً على ولادته: ثلاثون سؤالاً تم توجيهها لأدونيس من مثقفين وشعراء ونقّاد عراقيين مرموقين، من عبد الله ابراهيم، فاضل ثامر، ياسين النصير، علي جعفر العلاق، حاتم الصكر، بشرى موسى صالح، سعيد الغانمي، حسن ناظم، باقر جاسم وعارف الساعد.
ركّز الحوار عليه كظاهرة ثقافيّة وأطروحته اللامعة في «الثابت والمتحول»

حوارٌ ركّز على أدونيس كظاهرة ثقافيّة في الدرجة الأولى ووضع إنجازه الشعريّ في سياق حركة الحداثة العربيّة التي تبلورت في بيروت الخمسينات والستينات، وأطروحته اللامعة في «الثابت والمتحول» حول تيّارين كبيرين في الثقافة العربية: ثقافة الخليفة وكل ما يرتبط بها من المعاني «الثابتة» من جمود المؤسّسات والقراءة المقيّدة للتراث والماضي، وثقافة «الخوارج» أو المتحول والخارج بهرطقته وفوضويته وحيويته وباطنية تأويله عن الفقيه والسلطان، وكذلك علاقة أدونيس برموز من التراث عزيزة على العراقيين خصوصاً كالمتنبي، وإعادة قراءة هذه الرموز بأعين جديدة كما فعل أدونيس في «الكتاب»، وإلقاء الضوء على ما بقي في الهوامش من بقع للتوتر والتحفيز على تحويل مادة الموروث إلى نقطة انطلاق جديدة للإبداع والتجديد. لم يفُت الحوار أيضاً سؤال أدونيس عن تأثّره بشعراء النثر الفرنسيين، وعن كتابته التي رفض تصنيفها كقصيدة نثر بحتة، وإنّما «كتابة قصدتُ بها الخروج كلّياً من المسبق، في مختلف صوره، والدخول بعريّ كامل في سرير الكلمات: تُضمُّ وتُحتضن وتعطى معنى-لقاحاً جديداً، كأنها تولد للمرة الأولى». كما أنّ العدد ضمّ قصائد غير منشورة ليوسف الصائغ، ومقالة نقدية مهمّة لمنصف الوهايبي حول مفهوم الشعر بين الجديد والقديم، ودراسة لعبد الله الغذامي حول العقل في الثقافة العربية والغربية، وغيرها من المادّة الثقافية والإبداعية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا