عادلة العايدي:

رهان فريد من نوعه
بداية أودّ شكر صحيفة «الأخبار» على تغطيتها الحثيثة والمستمرّة لأخبار المتحف الفلسطيني وإنجازاته وفعالياته الشهرية، حيث نقرأ بشكل شهريّ في صحيفتكم تسليطاً للضوء على فعالياتنا. ومع علمنا بإلمامكم ومعرفتكم الدقيقة بعمل المتحف الفلسطيني ورسالته، إلّا أنّنا فوجئنا بما قرأناه في مراجعة زميلتكم منى سكرية لكتاب بشار شموط «الإرث الفلسطيني المرئي والمسموع) يوم الثلاثاء الماضي «بشار شموط يلملم شتات الذاكرة الفلسطينية»، حيث أوردَت العديد من الأخطاء والتلميحات المغرضة والاتّهامات الصريحة بحقّ المتحف الفلسطيني في بيرزيت، من دون أن نلمس دور وعناء الصحافي بالبحث وتحرّي الدقّة عن مؤسّسة معروفة يتطوّر عملها وينمو باستمرار مثل المتحف الفلسطيني.
أولاً، اسم المتحف الذي يقع على هضبة في جوار جامعة بيرزيت في الضفة الغربية كما تورد المقالة ليس «متحف الذاكرة الفلسطينية» بل «المتحف الفلسطيني».


ثانياً، تدّعي المقالة أنّ المتحف ما زال خالياً من المقتنيات وهذا ليس صحيحاً، فمجموعته تنمو تدريجاً وبحذر شديد لأكثر من سبب: أوّلها أن المتحف الفلسطيني هو مؤسّسة أهليّة وغير حكومية، يعتمد على دعم مؤسّسيه، لا سيما «مؤسسة التعاون» وهي أكبر المؤسّسات الأهليّة الفلسطينية، وعلى دعم بعض المؤسّسات الدوليّة المتخصّصة في الثقافة والمتاحف والأرشفة، وثانيها وهو الأهم أن وجود متحف كالمتحف الفلسطيني في ظلّ الاحتلال، يحدّه الكثير من العقبات في اقتناء مجموعات مهمّة، وسط واقع الشتات، وما نهبه الاحتلال من مجموعات مهمّة، إضافة إلى سعي المتحف لتوفير غطاء دبلوماسي لأيّ مجموعة سيقتنيها في ظلّ تعرّضها لتهديدات الاحتلال كما كلّ شيء في فلسطين، فضلاً عن امتلاك المتحف عدداً من المقتنيات المهمّة والمحفوظة حالياً في الشتات. ومع هذا، فقد بدأ المتحف منذ سنوات في التدرّج في اقتناء مجموعته الدائمة، والتي في نواتها الآن مجموعة مهمة من الأعمال الفنية والملصقات والوثائق التاريخية، وكانت جريدة «الأخبار» سبّاقة في تسليط الضوء على هذه المجموعة من خلال هذا المقال: ««المتحف الفلسطيني»: أرشيف ورحلات إلى «أرض البرتقال»».
ثالثاً، وفي موازاة عمل المتحف الحثيث على اقتناء مجموعته الدائمة، حقّق المتحف الفلسطيني إنجازاً مهمّاً ونوعياً في بناء أرشيفه الرقمي الأضخم في فلسطين، وأحد أهم مشاريع الأرشفة في المنطقة، فضلاً عن كونه مشروعاً مفتوحاً بالكامل أمام الجمهور (open access)، والذي نجح حتى الآن في رقمنة وتوثيق ما يزيد عن 200 ألف وثيقة، ويضمّ صوراً فوتوغرافية ووثائق ومقتنيات وأعمالاً فنية تنتمي إلى مجموعات أرشيفية مهدّدة توثّق تاريخ فلسطين منذ عام 1800 حتى وقتنا الحاضر، وتوثّق لمراحل مهمة ومفصليّة في حياة الفلسطينيين. كما سيركز المشروع في مرحلته الثانية التي تبدأ خلال أشهر قريبة على الأرشيف السمعي- البصري، والتي بدأنا أولى خطواتها في أرشفة مسرحيات وفيديوهات وتسجيلات صوتية تاريخية في استديو متخصّص لهذا الغرض في المتحف، ونضيف إلى ذلك إنجاز المتحف المهمّ في تأسيس أول استديو من نوعه في الضفة الغربية لترميم الوثائق التاريخية. ويمكنكم الاطّلاع على الموقع الإلكتروني التجريبي لأرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي هنا (https://palarchive.org/ar).
رابعاً، تخلط منى سكرية كلامها بكلام المؤلّف كأنه يشاطرها الرأي في حكمها على المتحف، وهذا ينافي مهنيّة وشفافيّة الصحافي وكاتب الرأي، فضلاً عن أنه غير دقيق. بالرغم من عدم حصولنا على نسخة من الكتاب حتى الآن، إلّا أننا نستبعد أن يكون بشار شموط قد أشار إلى المتحف بأيّ ملمح فيه تخوين أو انتقاص من عمله، وهو الذي يعرف المتحف عن كثب، وقدّم من خلاله ورشة حول الأرشفة الرقمية عام 2015، إضافة إلى زيارته للمتحف مراراً واطلاعه على عمل الأرشيف، وإرساله فيديو لنا يثني فيه على عمل الأرشيف الرقمي، وذلك حين إعلاننا عن إتمام المراحل الأولى من الأرشيف. أما بخصوص الاقتباس الذي تورده الكاتبة على لسان الكتاب والذي يقول فيه: «لا يوجد فيه أية مقتنيات أو معروضات حتى الآن» (ص28). فنؤكّد هنا أن هذه المعلومات منقوصة وليست محدثة.
خامساً، لا وجود في المتحف لصورة الرئيس محمود عباس، والفكرة تبدو كأنها من مخيّلة الكاتبة، وأكرر هنا أنّ «المتحف الفلسطيني» مؤسّسة أهليّة مستقلّة.
أمّا الأخطر في المقالة فهو المقاربة التي تدفع منى سكرية إلى كتابة التالي: «ما يدفعنا للتساؤل ليس عن دور الصهيوني في نهب الإرث الفلسطيني لمحو ذاكرة شعبه، بل عمّن ينسق معه لمحو المحو، وحجّتنا أنّه بعد إنشاء متحف الذاكرة الفلسطينية على هضبة في جوار جامعة بيرزيت في الضفة الغربية وعلى مساحة أربعين ألف متر مربع ووصلت كلفة بناء المتحف الشاملة إلى نحو 24 مليون دولار أميركي، «لا يوجد فيه أية مقتنيات أو معروضات حتى الآن» (ص28)... سوى صورة افتتاح محمود عباس للمتحف بصفته رئيساً!»».
فهل يعقل أن توحي زميلتكم بأنْ ثمة تواطؤ أو «تنسيق» بين دولة الاحتلال الإسرائيلي ومشروع ثقافي وطني مثل «المتحف الفلسطيني»، فريد من نوعه، نظّم حتى الآن خمسة معارض عالمية المستوى، أولها عن صمود مدينة القدس المحتلّة، وثانيها عن التاريخ المجتمعي والنضالي للتطريز الفلسطيني، وثالثها عن علاقة الفنّ الفلسطيني بالمشهد الطبيعي، ورابعها عن مجموعة الملصقات السياسية التاريخية، وخامسها عن تاريخ الطباعة والنشر والرقابة في مدينة القدس المحتلة، كل ذلك داخل مبناه الحائز «جائزة الآغا خان العالمية للتصميم الهندسي»، فضلاً عن تنظيم المتحف لمعرضه الخارجي الأول في «دار النمر للفن والثقافة» في بيروت «أطراف الخيوط: التطريز الفلسطيني في سياقه السياسي»، وعن برنامج حافل من النشاطات الوطنيّة التعليميّة والتثقيفيّة للعائلات وطلاب المدارس وعموم الروّاد؟ فهل من المهنيّ إيراد مثل هذا الإيحاء المغرض والخطير من دون توفير الدلائل اللازمة لدعمه؟

بشار شموط:
الحفظ الرقمي للتراث

أولاً: اسم المتحف. الاسم الصحيح الذي ذُكر دوماً في كتابي هو «المتحف الفلسطيني». تسمية «متحف الذاكرة الفلسطينية» تم التنويه إليه فقط حينما تكلّمتُ عن ولادة فكرة المتحف في تسعينيات القرن الماضي.
ثانياً: مقتنيات المتحف. أنا نوَّهت إلى أن المتحف تم افتتاحه عام 2016 وهو كان حينها بالفعل خالياً من المقتنيات، ولكن ذكرتُ أيضاً أن مجموعته الدائمة سوف تتكوّن وتنمو بمرور الوقت.
ثالثاً: لا أدري ما هو المقصود بـ «... عمّن ينسق معه لمحو المحو» ولكن طبعاً تخوين دور المتحف أو اتّهامه بالتواطؤ مع دولة الاحتلال غير مقبول من طرفي على الإطلاق. فأنا كنت مواكباً لمشواره منذ البدايات. قد يكون لديّ بعض الملاحظات البنّاءة من منظوري المهني، ولكن لا مكان لهذه في كتابي، بل قد تناقش في إطار مهنيّ داخليّ، ومن شأنها تطوير أداء المتحف وفعاليته.
رابعاً: صورة محمود عباس. يحتوي الكتاب بالفعل على صورة فوتوغرافية لعباس يوم افتتاح المتحف. وهي صورة كانت قد نُشرت حينها في بعض الصحف. لم يذكر الكتاب أن هذه من محتويات المتحف.
عموماً، العمود الفقري لكتابي ولموضوعي وكذلك للمقال لم يكن المتحف، بل الإرث المرئي والمسموع والبحث عنه ولملمته. بالفعل لقد تحدّثت في كتابي عن المتحف لدوره الخاص في الحفاظ الرقمي على هذا الإرث في فلسطين وتوثيق خطوات نشوئه. حبّذا لو تمكّن المتحف من الحصول على نسخة من الكتاب لأهميّة ما ورد فيه من معلومات شاملة لها علاقة بالموضوع.
تأتي مقالة الأخت منى سكرية لتسلّط الضوء على هذا الموضوع المهمّ والنوعيّ وعلى الكتاب، وهي مشكورة كل الشكر على ذلك.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا