يقول الروائي الفرنسي غي دو موباسان إنّ «الواقعي لو كان فنّاناً، لن يسعى ليرينا صورةً عادية للحياة، بل سيمنحنا رؤية أكثر اكتمالاً عنها، أشدّ جذباً، أكثر اقناعاً من الواقع بذاته». هذا ما تفعله الكاتبة والشاعرة الفلسطينية أحلام بشارات، التي تستكمل مشروعها في الكتابة لليافعين إلى جانب كتابتها القصة والشعر. «منذ اسمي الحركة فراشة» (2009)، مروراً بـ «أشجار للناس الغائبين» (2013) و«جنجر» (2017) حتى «مصنع الذكريات» (2019 ــ دار السلوى)، تؤسس أحلام لكتابة تنطلق من فلسطين، من أسئلتها وواقعها لتصل بسؤالها أحياناً إلى صورة مختلفة عن الواقع لاحتضانه من جديد. إنّها رؤية لا تعتبر الحلّ في الهروب من الواقع إلى عالم آخر، بل تجعل من كل أشيائه سحراً خاصاً ولها خيال مرافق للتجربة حيث لا مفر لشخصياتها إلا الذهاب إليه للوصول إلى فهم أعمق له. تأتي قراءة كتب اليافعين أحياناً نابعة من فضول للتعرف إلى تجربة كاتبها وتأمّل قدرته على تمرير رؤيته للكتابة وللعالم من خلال هذه الروايات والقصص.


تستكمل الكاتبة والشاعرة الفلسطينية أحلام بشارات مشروعها في الكتابة لليافعين

وهذا ما يثير الفضول في روايات أحلام. في روايتها الجديدة لليافعين «مصنع الذكريات» التي وصلت إلى قائمة الشرف العالمية لكتب الأطفال واليافعين هذا العام، تعطي دوراً كبيراً لشخصياتها الطفولية. يصبح هؤلاء الشخوص صنّاعاً للذكريات في مصنع وهمي يتخيّلونه ويعلّبون بداخله كل الصور والضحكات حتى يستطيعوا مواجهة الفقد والنسيان. تضعهم أحلام هناك في مكانهم الحقيقي قرب شجرة الخروب على تلّ العاصور في فلسطين، الشجرة التي مرت تحتها الذكريات، وتطلقهم نحو الشمس، في لعبة محببة، تخلق فيها عالمهم المفتوح على المخيلة من جهة وأسى الواقع وصعوبته من جهة أخرى حيث كل شيء يتحول إلى ذكرى، فيقوم جابر بتعليبه وتغليفه. وهنا أشعر أن أحلام تقوم بلعبة أخرى، هي لا تنقل شخصياتها إلى عالم آخر للهروب من الواقع، بل تعصف أذهانهم ومخيلتهم للقيام بمهمة مختلفة. مهمة حراسة الذكريات من النسيان وهي مهمة واقعية بامتياز، وخيالية أيضاً. إنها القدرة على جعلهم أمناء على عالمهم الخاص والعام على حد سواء. فبمخيلتهم يستطيعون خلق واقع آخر، ربما أشد جذباً من الواقع كما يقول موباسان. وحتى طيرانهم إلى الشمس مرتبط بذكرى ما عن الطيران. ذكرى ما من الواقع تجعلهم أحلام يبحثون عنها ويقومون برسمها على دفتر الرسم وفي حصة الفن لكي يتسنّى لهم العبور إلى الحلم والوصول إلى الشمس. الذكرى ليست إلّا جواز السفر لكل العوالم، تجعلها أحلام السر الذي يؤمن لهم الطريق إلى المخيلة.
وبالعودة إلى روايتها «أشجار للناس الغائبين» وهي رواية أحلام الثانية بعد «اسمي الحركة فراشة» التي ترجمت إلى الإنكليزية، ترسم هنا عالمين متوازيين، ما يشكّل فرصة للتعرف أكثر إلى بداية رؤيتها للواقع، فتسرد أحلام قصة فتاة اسمها فلستيا تعمل في حمام النساء إلى جانب التحاقها بالجامعة كأنها ورثت ذلك عن جدّتها زهية التي كانت تغسل الأموات، يتكشّف أمام الفتاة عالم آخر خيالي، كأنه مكمل لحكايتنا عن ذاتنا وعن أجسادنا. إنه جزء خفي من الواقع، حيث تعطي أحلام اسم فلستيا للفتاة كدلالة على الواقع أي فلسطين. أما فتى أحلامها الذي كان يظهر كطيف لها، فاسمه بيرقدار. بيرقدار هو الخيال وفلستيا هي الحقيقة. وفي النهاية يمشي الاثنان سوياً يداً بيد، كإشارة من صاحبة «تأبينات زرقاء» إلى أنهما عالمان مكتملان في تصالح تام. وتبدو الجملة الأخيرة على لسان فلستيا التي تنادي عليها أم وليد لتكمل عملها في غسل أجساد النساء «أنا قادمة فقط لديّ حلم طويل أريد أن أكمله» هي الرؤية التي ترى بها الكاتبة عالمها الداخلي المفتوح على أسئلة الحياة فهي تريد أن تستأنف عملها في الواقع بعد أن تكمل حلمها وربما في الوقت نفسه.
الكتابة عندها هي رؤية العالم من زاوية أخرى حيث الخيال هو ذاك الضوء الذي لا يفارق المشهد القاتم في وطن محتل


وفي «مصنع الذكريات»، تأتي النهاية أيضاً مفتوحة على بداية أخرى، حيث يقوم الأصدقاء بإخراج الذكريات المدفونة في الأرض، وانضمام شخص جديد إلى مصنع الذكريات، تبني أحلام عالمها من أسئلة. وهذا ما يجعل روايتها تهمّنا نحن أيضاً. نتأمل داخلها عالماً خاصاً يشبهنا بكل تفاصيله، فما يشعر به هؤلاء اليافعون هو ما يصادفنا جميعاً في عالمنا الخاص والعام. وما يجذب في «مصنع الذكريات» هو أن الكاتبة تصرّ على العودة مجدداً إلى الأرض، حيث دفنت الذكريات. إنه إصرار على أنّ هذه المخيلة المحلّقة لها مكانها في أرض تقع تحت احتلال يحاول طمس روحها وذكرياتها وخيالها معاً، فالجملة التي تذكّرها أحلام في روايتها «أشجار للناس الغائبين»: «لا أحد باستطاعته حتى الاحتلال الإسرائيلي أن يهدم بيتنا ما دام مبنياً في الخيال» هي ما تؤكده في «مصنع الذكريات»، لكن بلغة خفيّة بأنّ الذكريات المدفونة في الأرض أيضاً لا أحد يستطيع قتلها. هي ذاكرة تمتدّ من الأعماق لتصل الشمس، ذاكرة بجذور لا تنفصل عن مكانها.
تعطي أحلام لشخصياتها فرصة التجريب. إنها هدية كبيرة لأطفال كبار ولنفسها أيضاً، لا تعظهم أو تقدم لهم نصائح بقدر ما هي تجربة الكاتبة في الدخول إلى عالمهم ورؤيته كعالم متكامل وناضج، فتوكل لهم بمهمات ووظائف هي من وظائف الكتابة أيضاً، فصنع الذكريات هو رؤية للكتابة أيضاً على أنها اكتشاف السر في مواجهة الواقع في عالم يأسر كل شيء. الكتابة عند أحلام هي الوقوف بعيداً ورؤية العالم ذاته من زاوية أخرى حيث الخيال دائماً هو ذاك الضوء الذي لا يفارق المشهد العادي والقاتم في وطن محتل.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا