ما تعلّمناه من هذه الفترة التي اجتمع فيها فيروس خطير بالتقدّم التكنولوجي هو أنه على الإنترنت، لا فرق بين تسجيل حفلة مصوّرة قديمة لا نعرفها، وبث حيّ مباشر لحفلة. فالموسيقى التي تحصل «الآن/هنا» لا تأخذ قيمتها الإضافية أو المختلفة عن التسجيل إلّا إذا تواجدنا «هنا»، شخصياً لا افتراضياً.

هذه من جهة. من جهة ثانية، الانقطاع لأشهر عن عادة عمرها سنوات بوتيرة عالية نسبياً، ليس بالأمر العادي. وهذا ما لا نكتشفه إلّا عندما نعود فجأةً إلى ممارسة هذه العادة. ونقصد في هذه الحالة حضور الحفلات، أو بعبارة أكثر عمقاً وتعبيراً: الاستماع الحيّ إلى الموسيقى الحيّة. «حيّة» أي فيها حياة. وفيها حياة يعني فيها حرارة. والحرارة عنصر معدوم في العالم الافتراضي، هذا إذا افترضنا أن لناحية نوعية الصوت لدينا من المعدّات ما يتيح الاستماع إلى بث حيّ بأعلى جودة ممكنة (أي ما لا يملكه 99.99 في المئة من «الجمهور» الذي يستخدم الهاتف أو اللابتوب لهذا الغرض، وفي أحسن الأحوال مع مكبّرات، لكن صغيرة (!)، أو «هادفونز» بنوعيات مختلفة). حتى من هذه الزاوية، لا نظام صوتياً في العالم يضاهي «نوعية» الصوت الحيّ بالنسبة إلى الأذُن. إذاً، الحيّ هو الحيّ، بلا افتراض ولا هولوغرام ولا هولوفونيا ولا Dolby Atmos، وقد صَعَقَنا في أول التحامٍ به بعد غياب، في أمسية غاية في اللطافة والجمال، قدّمتها مساء الجمعة الماضي المغنية مي عبيد ورفيقَاها جو عوّاد (غيتار) وكيفين صفدي (درامز) في «أونوماتوبيا» (الأشرفية، السيوفي).
أصلاً الشعور الغريب والارتباك غير واضح السبب بدأ قبل الحفلة بكثير. أي عندما كنّا نهمّ للتوجّه إلى المكان المقصود. فثمّة طقوس ما قبل الحفلة، وقد نسيناها بسبب الانقطاع منذ السادس من آذار (مارس) الماضي، حيث ودّعنا «الحيّ» مع السمفونية السادسة وموسيقى مسرحية «إغمونت» (أي العمل الكامل وليس فقط الافتتاحية الشهيرة) لبيتهوفن بقيادة الفرنسي جيروم رورير، ضمن «مهرجان البستان» الذي تعطّلت دورته عند هذا الموعد بسبب «ما غَيرو». نسينا مثلاً، الكأس السريعة قبَيل ترك البيت. وكذلك الـMini-bottle (مع s غالباً) التي نتناولها عند أول فرصة، أي من أوّل محطة بنزين، مع كيس مكسّرات، «ميني» هو الآخر. ما لم (ولا يُمكن أن) ننساه هو بضع سيديات (انظروا التخلّف! ما زلنا عالقين هنا، غير قادرين على الولوج إلى المستقبل… إلى الـ«ستيرمينغ»)، ومن بينها، بالضرورة القصوى، واحد على الأقل لباخ. هذا ممتاز، لكن الويسكي أيضاً ممتاز وكذا هي الفودكا… صحيح أنها ستكون متاحة في الحانة المقصودة، لكنّ طعم الـ«ميني-باتل» في السيارة مختلف تماماً، ونحن مسؤولون عن تصريحنا أمام التاريخ. هذه إذاً أول عوارض الارتباك. العارض الثاني لا يمكن وصفه، فهو غير محسوس. هو شعور، والأسوأ أنه مجهول، ربما لأنه جديد. أن تشعر بـ«إلى أين أنا ذاهب الآن؟ لأفعل ماذا؟ حفلة؟ حسناً. وكيف يتعاطى المرء مع هذا الأمر؟ سهلة: يدخل، يجلس ويسمع. هل يشرب أيضاً؟ نعم، فالحفلة ليست في مسرح. يذهب مع أحد؟ من الأفضل. نسيت أن أعزم أحداً! لا بأس. هل ثيابي مناسبة؟ تأخّرت. هذا السؤال يُطرح قبل الخروج من البيت وليس عند باب الحانة، وهي، بالمناسبة، غير مناسبة، لا بل بهدلة، وتصلح في أحسن الأحوال للميني ماركت المقابل لسكنك». انتهى الحديث بين صوت الزمن الماضي وصوت زمن كورونا عند باب «أونوماتوبيا». انتهى على خلاف واضح، ودخلنا عابسين إلى الحانة. نعرفها من قبل، ورغم ذلك بدَت غريبة. غريبة وجميلة جداً. حقيقية بالمعنى العفوي لا بالمعنى «البتروني» للعفوية المدّعية. الإضاءة؟ تحفة. الديكور؟ آية. الجو؟ يُعبَط إن تجسَّد. وجوه العاملين وروّاد المكان متشابهة في نصفها السفلي، بدون أنوف ولا أفواه. رُفِعَت «الستائر» بعدما استقرّت مجموعات الواصلين على طاولات متباعدة بحسب الأصول الصحية لا الفندقية، على تيرّاس «بيتوتي». دخل موسيقيّا الفرقة واستهلّا الأمسية تمهيداً لدخول مي عبيد، المغنية الشابة التي سبق أن سمعناها خلال إطلالتها العابرة في أمسية لزياد الرحباني في «المركز الثقافي الروسي» قبل سنتَين تماماً. يومها كان الانطباع عن صوتها جيداً، علماً أن سلوكها على المسرح لم يكن مناسباً. فحفلة على مسرح شيء، وأمسية في حانة شيء آخر. هي معتادة على «الملعب» الثاني، وها هي الآن في ملعبها. فحضورها كان ساحراً. أداؤها لم تشُبه شائبة (باستثناء محطتها الشرقية الوحيدة، «بتونّس بيك»، التي أتت توليفتها مختلفة، وهذا مطلوب ومشوّق، لكن الضعف طال أرباع الصوت في الكوبليه وقُبَيل قفلة المذهب). صوتها جميل وهي متمكّنة تماماً من ريبرتوارها المتمحور حول نقطة واحدة، لكن من جهات مختلفة جداً أحياناً. سلوكها في الفواصل بين محطات البرنامج كان لطيفاً وشديد العفوية رغم بعض مبالغات التعبير. أخبرتنا بطريقة غير مباشرة عن معاناةٍ مرّت على خير مع «سيئ الذكر» الذي أتعب رئتَيْها.

ريبرتوار واسع شمل السوينغ والسول والفانك والراب

قالت ذلك لتبرير ضعفٍ في النَفَس لم يبدُ بهذا الوضوح صراحةً. جالت على ريبرتوار واسع، بدءاً من السوينغ مروراً ببعض السول والفانك وصولاً إلى الراب الذي أتى بأفضل أشكاله معها، مطعّماً بمرافقة موسيقية حيّة (بمعنى عضوية أو أكوستيك). لم تبدُ متحمّسة للراب، لكنها أدّته بطريقة جعلته أكثر سلاسة لمن لا يهوى النوع.
من جهة الموسيقى، صحيح أن التركيبة كانت شديدة الاختصار، لكن عازف الغيتار جو عوّاد تقمّص شخصيّتَين، بشكل متزامن أحياناً! الأولى، تلك الحاضرة، أي كعازف غيتار جاز، يمتلك أدواته، من التقديم لأغنية والارتجال إلى المرافقة والفواصل، ويمارسها بهدوء وثقة وذائقة عالية. الثانية، تلك الغائبة، أي عازف الكونترباص الضروري وجوده، إذ أتحف عوّاد الأجواء (كلمة «الحاضرين»، هنا، ليست أكيدة!) بمساحات من العزف على قرار الغيتار (الوتر الغليظ) محاكياً، بشكل شبه مطابق، صوت الآلة الناقصة ونبرتها وجملها الموسيقية المعهودة في هذا النمط الموسيقي. استخدم ذلك أحياناً لترك مساحة للارتجال لزميله، كيفين صفدي، الذي لعب أيضاً دورَين في الأمسية، بطريقة محترفة، شابتها هفوات بسيطة في الحالتَين: الأولى، كعازف درامز، لقد قدّم كل ما «يمكن» تقديمه في مكان ملاصق لأبنية سكنية، إذ كان مضطراً دائماً للَجْم آلته من أن تزعج الجيران، ما قد يكون السبب وراء خلل طفيف في سرعة الإيقاع أحياناً (أمر غير نافر ونادر أساساً في الأمسية ككُل). في الحالة الثانية، كمغنٍّ وعازف فلوت إيرلندية، تسلم كيفين الغناء من مي في آخر الأمسية، فقدّم غناءً تقليدياً مرافقاً نفسه على الدرامز أو عازفاً لوازم موسيقية بين مقطعَي غناء على الفلوت. لقد بدا الأمر تنويعاً عن البرنامج، جميلاً وعفوياً، لكنه طال قليلاً عمّا ما هو مناسِب للأمسية عموماً، رغم الختام الموفّق مع أغنية The Parting Glass التي عوّضت إلى حدٍّ ما الكأس التي نسيناها قبل الحفلة.
هل المكان بهذا السحر بالفعل؟ هل بالفعل الأمسية كانت بهذه الجودة؟ أم أن المدمن يرى بالجرعة الأولى بعد الانقطاع أحلى الجرعات؟ ليس مهمّاً البحث في هذه الأسئلة. فالذكرى الجميلة لا تمحوها التحليلات الموضوعية.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا