هل هناك روايات عربية انخرط أصحابها في مفهوم ما بعد الحداثة فعلاً؟ يجيب عزت عمر في كتابه «رواية ما بعد الحداثة: التناص، التجاور، ومغامرة التجريب» (دار الغد) بـ «نعم»، متكئاً إلى عشرات التجارب التي رأى بأنها تمثّل هذا التيار بخبرات متفاوتة لجهة اعتماد الوثيقة التاريخية، والتفاعل مع نصوص ورموز سابقة، فضلاً عن مرويات الشخوص وبعثرة الحكاية الإطارية في المتن السردي، وهي عناصر أساسية في نظرية ما بعد الحداثة التي بزغت أدبياً في سبعينيات القرن المنصرم عن طريق أطروحات جان فرانسوا ليوتار في كتابه «حالة ما بعد الحداثة»، وباري لويس (ما بعد الحداثة والسرد)، وجان بودريار (انفجار المعنى)، وآخرين، عملوا على لفظ السرديات الكبرى، خارجاً لمصلحة عصر اللايقين والتشظي، مفسحين المجال للشك والسخرية، ومناصبة العداء لكلّ ما هو تاريخيّ فقد معناه. كما لفتوا الانتباه تقنياً إلى أهمية الكولاج والشذرات وتهجين النص والهوية.

يغامر الناقد السوري بجذب نصوص كُتبت في الستينيات والسبعينيات، قبل شيوع مصطلح «ما بعد الحداثة» واعتبارها بواكير روائية لهذا الطراز من الكتابة، مثل «شتاء البحر اليابس» لوليد إخلاصي، و«مالك الحزين» لإبراهيم أصلان، و«ذات» لصنع الله إبراهيم، نظراً إلى المغامرة السردية في التجريب وأسطرة التفاصيل الصغيرة، والاشتغال على بنية التجاور والمشهدية. ورغم تفاوت قيمة الروايات بين تجربة وأخرى، سواء في الإخلاص للحكاية وحدها من دون رافعة لغوية تضعها في مقامٍ آخر أو الانسياق وراء ما هو فائض، فإن عزت عمر يفتح الباب على مصراعيه لهذه التجارب بوصفها ما بعد حداثية بمجرد التقاط بوصلة ما تهديه إلى جهة الشمال غير عابئ بمقولة أمبرتو إيكو عن تلك الروايات التي يمكن قراءتها بحماسة ولهفة في المطبخ أو غرفة المعيشة (!) هنا يلتقي واسيني الأعرج بخليل الرز، ولولوة المنصوري بسنان أنطون، وجوخة الحارثي بمنصورة عز الدين، وحبيب عبد الرب سروري بجبور الدويهي، وإبراهيم الكوني بسعود السنعوسي، حول مائدة واحدة، معتبراً هذه الأسماء «أشبه بكرة كريستالية تشعّ كل واحدة منها بأسلوبها الفريد، وطروحاتها الفكرية، ومقترحاتها الجمالية» عبر خريطة واسعة تطيح ما هو شفاهي في الحكاية نحو وعي ثقافي جديد.

يلتقي واسيني الأعرج بخليل الرز، وحبيب عبد الرب سروري بجبور الدويهي


يعترف عزت عمر أنّ مفهوم السرد ــ عربياً ــ ما زال مصطلحاً حديثاً نسبياً، إلّا أن هذه التجارب تتلمس بامتياز متطلبات ما بعد الحداثة، لكن معظم النقّاد لم يشتبكوا مع الأطروحات النقدية الراهنة، واكتشاف السرديات الجديدة في الرواية العربية التي قطعت شوطاً كبيراً في مقارعة مقترحات رواية ما بعد الحداثة في العالم، بفضل الميديا والترجمة والتواصل الثقافي. إذ تتغذى من وعاء واحد للسرد شمالاً وجنوباً. هكذا يجد في نص «بياصة الشوام» لأحمد الفخراني «نصّاً إشكالياً قابلاً للتأويل تبعاً لثقافة القارئ وتطوّر نظريات التلقي»، فيما يحيل إلى تجربة جبور الدويهي في «ملك الهند» بوصفها سرداً إخبارياً من دون استعراضات بلاغية إنشائية. ويلفت إلى الإحالات الدلالية لدى أحمد زين في «ستيمربوينت» واجتراحه تقنيات فريدة عن طريق تداخل الضمائر وتشابكها في المقطع الواحد. أما إسلام أبو شكير في «زجاج مطحون»، فيشتغل على الفانتازيا الكابوسية في تشريح أحوال الشخص المهمّش في مواجهة قلق لحظة متوترة تنهض على «العنف المؤسس». ما يجمع هذه المتون فوق قماشةٍ واحدة، ليس انخراطها في «ما بعد الحداثة» تماماً، إذ لا تستقيم هذه النصوص في فضاء سردي متجانس، وإنما البريق الإعلامي الذي واكب صدورها إثر فوز معظمها بجوائز أدبية، علماً أن بعض هذه الجوائز تنطوي على مقاييس تقليدية في تقييم النصوص، ما أربك الخرائط النقدية في تقييمها. إذ تخضع غالباً لمتطلبات المتابعة الصحافية لجهة «تلخيص» المحتوى، وليس تفكيك لغة السرد والهجنة اللغوية وتشظي المتون. ما يُحسب لهذا الناقد مواكبته للموجة الأخيرة من الرواية العربية الجديدة عبر نحو 30 نموذجاً، بأدوات موازية للمقترح السردي العربي المفارق.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا