«ليلة حزينة» هو عنوان المقالة المؤثرة التي نشرتها الصديقة الغالية والأديبة المبدعة غادة السمان، في جريدة «القدس العربي»، عن زوجها الراحل الدكتور بشير جميل الداعوق (أبو حازم) في مناسبة مرور 13 عاماً على رحيله. وقد حرّكت في داخلي هذه المقالة المفعمة بالوفاء والصدق، ذكريات عديدة مع الراحل العزيز الذي عشنا معه سنوات أستاذاً في الجامعة، ورفيقاً في النضال، وصديقاً في دروب الحياة، نستمتع بحديثه النابض بسرعة البديهة، وتعليقاته النقدية اللاذعة، ونعجب بهذا «الأرستقراطي» البيروتي الذي فتح «قصر الداعوق» ليكون مركز لقاءات ومؤتمرات واجتماعات لبنانية وعربية لأبناء الطبقات الكادحة، وكان بعضهم لا يصدق أن يجتمع في هذا البيت «الفخم» ليبحث في قضايا الفقراء والكادحين..

في السنوات التي كنا نلتقي فيها هذا الخريج من الجامعات الأميركية أستاذاً في الاقتصاد، كنا نشعر معه بتواضع العالم الواثق من نفسه، إلى درجة أنّه وافق أن يكون في حلقة حزبية مسؤولها أحد تلاميذه في دائرة الاقتصاد في الجامعة الاميركية الذي أصبح وزيراً ونائباً عن بيروت ثلاث مرات في ما بعد وهو الأستاذ بشارة مرهج.
في تلك السنوات أيضاً، واكبنا تأسيسه لواحدة من أهم دور النشر النهضوية في زمنها أي «دار الطليعة» التي أذكر أننا جميعاً ساهمنا بقروشنا القليلة في شراء أسهم فيها يوم تأسيسها.
في تلك السنوات، تعرّفنا إلى نوع من الرجال يتمتّع بصلابة مبدئية من دون تبجّح، وبرؤية نهضوية من دون استعراض، وبحسّ نقدي عالٍ متلازم مع التزام راقٍ بما كان يؤمن به، مدركاً أنّ نقد الأطر التي يعمل فيها هو أعلى درجات الالتزام بها، إذ ما معنى الصدق مع الناس إذا لم يبدأ بالصدق مع الذات؟
كانت أجمل اللقاءات هي تلك التي كانت تجمعنا بالدكتور بشير والراحل المفكر الأستاذ منح الصلح، لا سيما في «نادي العروة الوثقى» الذي كان يرأسه الأستاذ منح الصلح في بداية ستينيات القرن الفائت... وكان في تلك الجلسات من الظرف والعمق وسرعة الخاطر ما يجعلك تشعر أنك في إحدى أهم الجامعات.
في أواخر الستينات من القرن الماضي، كنت في الأردن مساهماً في تأسيس «جبهة التحرير العربية»، كإطار للمشاركة العربية في الثورة الفلسطينية. وصلنا خبر زواج بشير الداعوق من الأديبة الكبيرة غادة السمان التي جمعتني بها أيام عمل في مجلة «الحوادث» بعد حرب حزيران 1967، وكنت ما زلت طالباً، ولا أنسى كيف عرفت العزيزة غادة أنني مطارَد من «سلطة» ما في المنطقة، فعرضت عليّ أن أختفي في منزلها عن عيون الأجهزة، في ما اعتبرتُه عرضاً لا يقدّمه إلا أعز الأخوات والأخوة.
وحين عدت إلى بيروت من عمان، في إجازة قصيرة، فاجأني أستاذي الدكتور بشير بالقول: «أريد منك مرافقتنا أنا وغادة إلى قواعد الفدائيين في العرقوب». وأردف ضاحكاً بالمزيد أن نقضي «ليلة عسل» في أحد معاقل الكرامة للأمة.. وهكذا كان، وكتبت غادة يومها تحقيقاً عن تلك الرحلة في زمن كانت أنظار الأمة كلها تتجه نحو فدائييها في الأردن وسورية ولبنان.

كان يحرص على التأكيد بأن ما فيه من إيمان بالعروبة والتزام بالوطنية إنما كان وليداً لبيروتيته


ولم يكن يعتز بشير الداعوق بأمر، كما كان يعتز بأن عمه عمر الداعوق كان أول رئيس حكومة عربية في لبنان مع الأمير فيصل ابن الحسين بعد الحرب العالمية الثانية، وقبل إعلان الانتداب الفرنسي، وكان يفتخر أن عمه أول من رفع العلم العربي على السراي الحكومي في العاصمة. وهو أمر ما زال يعتز به حتى اليوم الصديق وزميل الدراسة الأستاذ، خالد يوسف الداعوق ابن عم الراحل الدكتور بشير.
لم يفاخر الداعوق بانتمائه للعاصمة، التي يعتزّ بتاريخها وعطائها لكل عربي، بقدر ما كان يحرص على التأكيد دوماً بأن ما فيه من إيمان بالعروبة والتزام بالوطنية، والسعي من أجل العدالة، وانتصار للحرية، إنّما كان وليداً لبيروتيته، لأن بيروت بالنسبة إليه وإلينا ليست مجرد مدينة جميلة أو عاصمة متميزة، بل هي عنوان التزام قومي ومنارة انفتاح حضاري.
ليلة فراقك يا أبا حازم، وأنت البعيد في باريس، كانت ليلة حزينة فعلاً كما قالت زوجتك الغالية غادة (أم حازم) بل حزينة جداً.. فقد باعدتنا الأيام والظروف لسنوات كنا نفتقدك فيها في كل حين، ولكنك لم تغِب عن البال أبداً.

* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا