استغربت صديقتي على الفيس بوك، من بلد عربي مجاور، أنني لا أدخن، إلا ما ندر، ولا أشرب القهوة وحدي، بل ولا أشربها إلا في حالات قليلة.

جاء استغرابها هذا ونحن نتحدث عن الكتابة وهمومها، وممارسة طقوسها، وعادات ممارسيها وهواياتهم، وهل هم كالآخرين أم يختلفون في أسلوب حياتهم اليومية.
في ذهنها، كما في أذهان كثيرين، أن من يتعاطون الكتابة مدمنو قهوة وتدخين، خصوصاً إذا كانوا ممن يكتبون الشعر والروايات، فهم في نظرها ونظر آخرين، شاربو قهوة شرهون، مدخنون مدمنون، ويسهرون حتى وقت متأخر من الليل!
ربما جاء هذا الانطباع الذهني من كون الكثيرين، وربما الغالبية، من الكتّاب يفعلون هذا، علماً أن كثيراً من الناس يفعل ذلك، من دون أن تكون له علاقة بعالم الكتابة، ولا حتى القراءة.
فكاتب كبير مثل حنا مينا، يقول عن شرب القهوة، وهو كان من عشاقها، أن من يشرب الماء بعد فنجان القهوة، حمار!
لماذا؟
حتى لا يذهب الماء بطعم القهوة، فتصير وكأنك لم تشربها!
وظهرت صورة حينا مينا على أغلفة بعض رواياته ولفافة التبغ في فمه.
فالتصقت التهمة بكل من يتعاطى الكتابة، بأنه مدمن قهوة وتدخين.
واشتهر محمود درويش بحبه للقهوة التي لا بدّ له أن يحتسيها في أول فعل يقوم به بعد النهوض من النوم.
وله فيها طقوس خاصة، وعُرف عنه أنه كان دائماً يحب أن يعدّ قهوته بنفسه.
وربط درويش القهوة بالمرأة، عندما قال: تعرف المرأة من قهوتها!
ويبدو أن عشقه للقهوة يعود إلى فترة مبكرة من حياته، ففي قصيدته المشهورة عن الأم، يبدأها بالحنين إلى قهوة أمه (أحن إلى قهوة أمي).
فحسب طريقة إعداد القهوة ومذاقها، تكون المرأة، حسب رأي درويش.

* شرب القهوة أذواق!
الغالبية يفضلونها بلا سكر (سادة)، وآخرون يفضلونها مع سكر (حلوة)، فيما يفضلها البعض بقليل من السكر (على الريحة).
وصار احتساء القهوة عند البعض دلالة على التميّز أو «البرستيج»، وللدلالة على المنزلة الاجتماعية الرفيعة لشاربها، أو أنه يرغب في أن يقترن اسمه باسم شاربي القهوة من الكتّاب والشعراء والفنانين، حيث تجد كثيرين يلجأون بمناسبة وبغيرها، إلى إظهار حبهم لشرب القهوة الصباحية!
تسمع أحدهم/ن يقول، لا أستطيع أن أمضي بنهاري قدماً قبل أن أشرب كوباً من القهوة، وبعضهم/ن يتفاخر بأنه يشرب كوباً كبيراً (Mug) في بداية يومه «لينعدل دماغه»!
ويبدو أن مادة الكافيين التي تحتويها القهوة تقود إلى إدمانها، كما النيكوتين في التبغ، وربما من هنا جاء اقتران إدمان القهوة بإدمان التدخين.
وفي مجالس النساء، أو مجالس تضم بعض النساء، يُقلب فنجان القهوة على بابه بعد الانتهاء من شربه، فتتشكل خارطة وخطوط متداخلة، تتصدى امرأة (دائماً تقوم امرأة بهذا العمل وليس رجلاً) من الحضور لتقرأ لكل صاحب فنجان طالعه (حظه)، ويطلق عليها اسم «الفتّاحة»، وهناك من يؤمن ويصدق ما يُقال؟!
ومن هنا جاءت قصيدة نزار قباني «قارئة الفنجان» التي أبدع عبد الحليم حافظ في غنائها، والقصيدة تتحدث على لسان امرأة (فتّاحة) تقرأ الطالع لعاشق.
العشاق من الرجال والنساء، يرغبون في سماع ما تقوله «قارئة الفنجان»، حتى مع عدم إيمان بعضهم أو تصديقه لما يُقال.
لكنهم كالغريق الذي يتعلق بقشة! يرغبون في سماع ما ستكون عليه حياتهم العاطفية ومستقبلهم، ويصغون إلى قارئة الفنجان باهتمام، بل ويطلب بعضهم منها أن تعيد ما قالته وتدقق فيه، ويطلبون المزيد من التفاصيل، فلعل هناك شيئاً أغفلته!
وتتفنن «الفتّاحة» عادة في رواية ما يقوله الفنجان، وكأنها تقرأ من كتاب، بل وتتنبأ بالأحاسيس والمشاعر والنوايا!
فلا تكتفي مثلاً بأن تقول لصاحب/ة الفنجان هناك «أمامك طريق مسدود»، مثلما قالت قارئة نزار للعاشق، بل وتنبئه/ا بأن هناك من يضمر له الشر في تلك الطريق، أو أن هناك من يتربص به!
القهوة مشروب تتناوله كل الشعوب، ولكن بأشكال وطرق مختلفة، فمن القهوة العربية المغليّة، إلى النسكافيه مع الحليب أو مبيض القهوة أو من دونهما، والإسبريسو، وأشكال متنوعة أخرى، حسب ثقافة وعادة شاربيها.
أخيراً عزيزي القارئ، تقول العلوم الطبية إن القهوة مسؤولة عن ارتفاع ضغط الدم الشرياني، وهو المسمى القاتل الصامت، لأنه نادراً ما تظهر أعراضه، وينصح الأطباء بعدم شرب ما يزيد على كوبين متوسطين من القهوة يومياً، فيما يذهب المتشدّدون منهم إلى النصيحة بعدم شرب ما يزيد على ثلاثة أكواب من القهوة في الأسبوع، كما أنها، أي القهوة، ترهق الكلى في عملية التنقية التي تقوم بها للسوائل الداخلة إلى الجسم.
القهوة أقرب إلى حياة المرأة منها إلى حياة الرجل، هكذا يقول البعض.