1. لماذا انت ميت؟
كنت تنام ليلاً
تغفو على احلامك
ملاكاً في سماء
ابتسامة في صبح
يا طفلي
لماذا أنت ميت؟


لم يعد جسدي لي.
خذني معك اليك.
المدينة ليست على قيد الحياة.
ماتت قبلك بقليل.
وها انذا أُقتل بعد بقليل.
سيحار الليل
مع من سينام اليوم
وغداً.
المدينة ابواب محطمة
تصرخ بكل ذهولها تأوهاً.
ما من جواب ابداً
لقد قتلنا البحر.. قبل أن يُقتل.

2. نجمة الصبح ليلاً
هل رأيتِ يا نجمة الصبح أحداً.
كنت أظن أنك قُتلتِ مثلنا.
كيف اهتدي دونك الى دموعي
عبثاً أصل إلى عينيَّ
أناملي المشتعلة كقناديل الكنائس
تساقطت كرماد مشتعل.

لوحة لمحمد شرف


كيف نهتدي يا نجمة المساء
إلى أجسادنا الملمومة والمستوفة؟
المطر الاسود كحل قلوبنا بالعمى.
اننا ننزف بصمت يشبه العواء الحزين
اننا نموت ونحن بعد أحياء قليلاً جداً.
هل رأيتم ميتاً يبحث عن جسده
بين ركام مدينة بلا منازل
بلا ابواب
بلا لا شيء

نجمة المساء تسير وحدها
بلا عينين
السماء فرغت من آلهتها
وجه السماء كالح
لا أحد يحصي الدموع
ها أنذا انادي الحياة
أو ما تبقى منها
وحده الموت يسمع ندائي
فلأمت اذن، بلا صوت ولا عينين.

3. القتلى يبحثون عن اجسادهم
غيَّر الدم زيّه
لم يعد أحمر إلا قليلاً.
يطل الدم من الجرح مودعاً
يلقي تحيته العبثية
ممتلئاً رماداً وصمتاً
يشبه الخوف الخافت.

الزجاج بجرحه الزجاج
حدائق متكسرة
ثقبت آنية التراب
وتركت نثارها العميم
على قارعة الاقدام
وفي أجساد مكومة فوق ارواحها

كئيب هذا الدم الصامت
لا يتكلم بصوت مرتفع
ينزّ ألماً
ينزّ حفيفاً بلا حناجر

المدينة ظلّ لخرابها... ويتمدد
الناس اضاعوا اجسادهم
وفلذاتهم
وطنهم جراح من كل الجهات
فوضى اوجاع غير مسبوقة
الدم لا يتكلم بصوت مرتفع
أنين عميق
الناس ضاعوا
سكنوا تحت زجاج يتلألأ انكساراً
أو صعدوا بسرعة إلى السماء
ومن تبقى
فقد أمكنته
أقدامهم على غير هدى
لا يعرفون الطريق إلى أين.



لا أحد يشبه نفسه عندما كان
اسندوا اجسادهم على جراحهم
كل جرح جدار يتهاوى بألم أعمى
من تبقى منهم تحت الجدران
أخذتهم الكارثة إلى الركام.

بيروت امتلأت عدماً
الذهول لغة الاحياء...
من كانوا منها ولها
فقدوا أجسادهم،
تركوها

مضوا يبحثون عن ارواحهم النائية
إنها في مكان آخر، ليس في هذا العالم.
يقال: العيون ملجأ الدموع
مات الملجأ بدوي كارثي...
لا أحد بيننا له اسم وسيرة وأحلام
عبث فوضوي احتل البيوت الحميمة.

المدينة ماتت أولاً
الأموات يبحثون فيها
عمن يعانقهم قليلاً
لا أحد بين ذراعي أحد
الموت يروي ما حصل
من منكم سمع الرواية؟

4. عواء وعويل
إنّها السادسة وسبع دقائق...
وتغيَّر العالم:
رؤيا مرعبة
ظللت الأمكنة.
تكسرت كل الاحلام.
ليس للركام كلام.
ليس لديه ما يقوله.
وحده
الدوي الصاعق
مرّ من هنا... وسادت ظلمة بلا نهاية.

هل لديك ما تقوله لأحد ما؟
لقتيل ما؟
لجرحى ما؟
لمدينة ساجدة على جراحها؟

الكلمات قررت أن تسكت
لا تفي بمعنى. فرغت من صوتها ومعناها.
أخلت الامكنة لعواء وأنين وعويل.

المشاهد لا تشبه الا يوم القيامة الاسود
كأن المشاهد صدف أن لا يعرفها أحد
باستثناء هيروشيما.
مثلاً:
فجأة اكتشف الرجل أن نصفه تخلى عنه
المرأة التي كانت تسقي ورود النافذة
خرجت لتملأ الماء من بحر يحترق... فاحترقت
سقطت النافذة وتعرت من زجاجها وازاهيرها
صارت مأتما لجثث كل شيء حي.
صارت جثة فوق جثث
السائق الذي كان يسرع كثيراً
توقف في منتصف العصف واختفى
النادل في المطعم تلعثم اثناء وقوعه
فوق الصحون والكؤوس واجساد الزبائن
لم يعتذر
فارقته الكلمات إلى الابد
والرواد
لم يلوموه ابداً
ماتوا قبل أن يندهشوا
البنات اللواتي... الشبان الذين...
النساء اللواتي... المارة الذين
سائقو السيارات الفارهة والمهلهلة..
أي، الجميع، كل الجميع
دهمهم ليل داكن وحشي أسود وعاصف
تعاظم الركام بفوضى لا مثيل لها
اتسعت الرقعة... صارت مدى مدينة
تعددت الأجساد المخلَّعة
وتقلصت عضلات النجاة..،
هناك من لم يتم صلاته بعد
هناك من لم يبدأ التلاوة بعد
الموت الصاعق والعاصف
كان دقيق التصويب
اصاب المدينة
قتل جماعي احتفالي ودمار مرعب
الحزن بكل تلويناته المأساوية
احتل الصدور، شهيقاً وزفيراً...
الموت الذي جاء
لا أحد مثله من قبل... لا أحد مثله من بعد
بيروت على قارعة الفواجع
مسرح لجريمة بكر
منها،
تعلم الموت كيف يكون تاماً وعاماً.
الناجون، نصف اموات
نصف احياء
وعذابات بلا نسيان
لقد تغير العالم
بيروت اليوم، من يتعرف عليها؟
ترى، اين عشاقها؟
انها المدينة الجاثية على هامتها
القيامة ستتأخر
ترى،
كيف نحيا بلا بيروت؟
با بصَّارة الحكايات
هاتِ ما عندك من:
كان يا ما كان
من قديم الزمان بيروت... إلى آخر الايام.
من منا يؤمن بالمعجزات؟ لم يبق عندنا ذرة ايمان
فيما «عيوننا اليك كل يوم».

5. أريد حذاء لروحي
«إلى التي حملت ثلاثة رضع وانقذتهم من الموت»
«الى باميلا زينون»
لا تتركني يا الله
عليّ ملاحقة الطريق
لم اعد اعرف إلى اين
ولا اعرف كيف اصل إلى ثدي..
إلى ثديين... إلى ثلاثة.
عواء الليل العاصف يزأر قدامي
وفي حضني الصغير
ثلاثة ملائكة تخلوا عن السماء

أين الطريق إلى...؟
لا شيء غير الطريق
إني احمل ثلاث حيوات
جئن الدنيا منذ ساعات
المأساة تراود حضني الصغير.
أسير على غير هدى
الجدران المتداعية تسندني قليلاً
الطريق ترتجف تحت وقع الزجاج
الزوايا مخابئ الموتى.

«يا قلبي الوحيد
عليك أن تصمد
كن أقوى من عصف الهلع
كن فقط
أريد حذاء لروحي
الزجاج سجادة لأقدام دامية»

أنا هنا وحيدة بين حشود طافشة في الفراغ والفوضى
المستشفى الاول بلا جدران
الثاني بلا اصحاء... الجرحى يتأبطون دمهم
الرجال يولولون كالنساء على أرصفة محطمة
المستشفى الثالث يتأتئ فزعاً
يتساقط كخطايا آثمة لا اسم لها
في حضني، قرب ثديي الصغيرين
ثلاثة أطفال بعمر ما قبل الرضاعة
ترى، أين هو الخلاص؟
أين انت يا الله؟
لن أقف لأستريح
أين الثدي الذي تشتاق اليه ثلاثة افواه
ها أنذا أتهاوى
أجهش ثم أتساقط ثم أسير على قدمين
كي لا أموت... كي لا يموت أحد
الموت في كل مكان
العويل صوت يملأ الامكنة الخربة
الموت المجنون هنا وهناك وهنالك
لم نفعل سوى أن نموت
أمرت حنجرتي أن تنطق
«يللا تنام يللا تنام»
ناموا على صدري...
أنا هنا وحيدة وسط انين متواصل
وصلوات متقطعة
ورجاءات مستحيلة

نسيت العالم كله

رائحة ملح محروق
رائحة ماء مالح كثيراً
رماد سميك يطأ الامكنة
أين أنتم يا اطفالي الثلاثة
لا اعرف أن كان موتاً او نوما
فلأكمل البحث
عن مستشفى .. لا عن كنيسة
لا يزال الثلاثة احياء
انفاسهم تدفعني كي اسير... كي اطير...
انا هنا وحيدة
ضد الموت وضد الألم وضد عالم بعصف موتاً
هيا أيها الثلاثة الرضع
لقدمي اجنحة
سأطير بكم الآن...
لن اسمح لكم بزيارة السماء
ليل جارح يا قلبي انت
قل لي: هل بلغت المستشفى

كل ما حولي حزين وجارح
إنّه زمن ما قبل القيامة
نبوءة غدرت بمدينة
بيروت خيوط من الدم
ركام حزين ومرتبك
حزن فوضوي ودموع يابسة
الكنائس ودعتها اجراسها
القربان فيها تشرد
الاجر ان تئن بكاء
وفيما أنا ماضية إلى الخلاص
رأيت أمواتاً يبحثون عن موتاهم
رأيت أطفالاً تحت نوافذ مشلعة
رأيت أمهات بلا أفواه وأجساد
رأيت عدما يلاحق مدينة
رأيت ليلاً جارحاً يا قلبي
رأيت عدما يخلف عدماً

أين أضع اطفالي الثلاثة
أنا الآن أمهم ولا صدر لي
لم يعد قلبي في قفصي الصدري
إنه على قارعة الزجاج

أخيراً...
بلغت النهاية
نجا الاطفال الثلاثة
انا الآن أمهم
ولكنهم ليسوا أولادي

طوال جلجلتي إلى خاتمتها
لم ابك ولم اصلّ ولم...
دعوني ابكي
لعيني حق عليّ
فيا دموعي. قولي ما تشائين
وانا سأبحث عن حذاء لروحي.

6. في جنازة جسدي
ساعدوني
لم أعثر عليّ بعد.
فتشت الأمكنة كلها
المصحات وسيارات الاسعاف
سألت الجرحى الأحياء
توسلت الموتى على الأرصفة
كدت اختنق
لم يدلني أحد عليّ
من أنا؟
أين انا؟
إلى اين انا؟
■ ■ ■
منزلي لم يعد موجوداً
ابتلعه حوت العصف الاسود
مات بيتي
كيف اعود اليه
مفتاحه في روحي
لكن بابه في لامكان ابداً
أظن أنّه مقيم فقط في روحي
ربما إذا وجدت المفتاح استدعيه
المفتاح في جيبي
لكن لا جيب عندي ولا ثوب
■ ■ ■
أضعت احلامي كلها
لم يبق شيء منها
تشظت وتناثرت
تماماً كالنافذة التي اخذها الهواء الاسود
تماماً كالستائر التي فتتها ريح وفحيح
تماماً كصحون وآنية صارت طحيناً يابساً
تماماً كالكراسي التي تشبه الارامل المزمنة
تماماً كثيابي ... اين ثيابي ؟؟؟ أظن أني عار...
الأثاث المنزلي اشباح ملقاة بشكل فوضوي
على منصات في الشارع تحت
تماماً كاللوحات التي فقدت جدرانها والوانها
تماماً كأخوة واخوات، كانوا، كن معي،
ثم لا أحد معي ومني
ثم لا أني...
ساعدوني، دلوني عليّ
■ ■ ■
في الطريق إلى المستشفى
افتقدت جسدي
انتظرته طويلاً ولم يحضر
قلت: لن اجدني هنا
لعلي في لا مكان هنا.
لعلي حضرت موتي
وسرت في جنازة جثتي
أو، لعلّ ليل العصف كان اطول من اسبوع
اطول من عمر.
انه الليل ولست فيه
يا جسدي الحلو
خذني اليك
عارياً خذني
جراحي زي بلون الغياب
خبئني في عتمتك
لا تتركني كالهواء بلا هدى
■ ■ ■
اعرف انني وحيد
وانني فقيد
وان لا أحد في انتظاري
انتظر قداس القتلى
إذا
دعني ابكي قليلاً عليَّ.

* كاتب وإعلامي وشاعر لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا