كرّست مجلة «ماكو» العراقية، عددها الثاني لتجربة التشكيلي والنحّات إسماعيل فتّاح الترك (1934 ــــــ 2004)، وهو واحد من أبرز رموز الحداثة الفنية في العراق. تسعى هذه المجلة التي حملت عنواناً عراقياً صرفاً، يعني «لا»، إلى توثيق التجارب الرائدة في المحترف التشكيلي العراقي، بمبادرة من التشكيلي العراقي المعروف ضياء العزاوي بقصد مقاومة العزلة، وإعادة بناء شبكة العلاقات الإبداعية بين التشكيليين العراقيين في الشتات. وكانت المجلة الإلكترونية قد خصّصت عددها الأول لتجربة الرسّام الرائد محمد مهر الدين. كأنّ استعادة فترة الستينيات المزدهرة بكل حقول الإبداع، هي محاولة لترميم العطب الذي أصاب الثقافة العراقية، وتظهير صورة أخرى للمشهد تنطوي على نوعٍ من المقاومة في مواجهة العتمة.


إسماعيل فتاح الترك 2002 كالري كرين ارت، دبي. تصوير ضياء العزاوي

كان إسماعيل فتّاح الترك، أحد ضحايا الحرب والحصار والاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، إذ نُهبت أعماله من «متحف الفن الحديث» في بغداد، على مرأى من جنود الاحتلال كجزء من «تدمير الذاكرة الجماعية للشعب العراقي». كما فُقدت غالبية أعماله بسبب لا مبالاته وإهماله، وخضعت بعض لوحاته إلى التزوير في ظل الفوضى التي عمّت البلاد. وسوف يكتمل الأسى بموت هذا التشكيلي المتفرّد بمرض السرطان، بعد سنة من احتلال بغداد، إذ أغمض عينيه في المستشفى، بعدما ألقى نظرة أخيرة على نهر دجلة.
اشتمل العدد على دراسات ووثائق وشهادات عن تجربة إسماعيل فتّاح، بالإضافة إلى عدد كبير من أعماله النحتيّة والتشكيلية، وقراءة في دفاتر تخطيطاته. في دراسته الشاملة، يشير عمّار داود إلى خصوصية أعمال هذا التشكيلي التي تتمثّل في كائناته المتوحّدة التي تتحصّن بغشاوة الاغتراب: «وجوه مموّهة بأطراف مستدقّة، وكأن أجسادهم الفارعة الممطوطة الخاضعة لسطوة ملامس سطوحها المتذبذبة، تتشوّف أبداً إلى مصائرها المبهمة. أما شخوصه المنحوتة، فتكشف عن صبوة الملذّات وشهوات الحياة رغم ما يعتريها من سكون ظاهر». وتسترجع تغريد هاشم دفاتر هذا الفنان التي تحتوي على تخطيطاته، رابطةً تجربته بمفردات معلمه جواد سليم، خصوصاً مفردة الحصان، ولكن من موقعٍ مختلف.
في حواره مع إسماعيل فتّاح، يستعرض ضياء العزاوي أهم ملامح مغامرته كنحّات أولاً، لأهم النُّصب في ساحات بغداد مثل أبي نواس، والرصافي، وجلجامش، والواسطي والشهيد، وكرسّام ثانياً، تتميّز لوحاته بتوازناتها الدقيقة وخفّتها الطريّة، وبغنائية الضوء، متجوّلاً بين منعطفات تجربته الغنية، من البصرة، إلى بغداد، ثم دراسته في روما، وإقامته في لندن، التي وضعته في مقامٍ مختلف ونوعي، ينسف مراحله السابقة نحو «خطوط حادّة ومتضادات لونية قوية مع تأكيدات على تفصيل الوجه أو الجسد». ويشير سهيل نادر إلى جمالية المنحوتة لدى التشكيلي الراحل التي تتمثّل في «حذف العلاقات الخارجية ذات الطبيعة المسرحية وإظهار المنحوتة جسداً خالصاً نزع عنه أيّ أمل في أن يكون شيئاً آخر». ويختزل بدر الحاج شهادته بقوله: «فنان انتهت حياته عندما تشظّى العراق أمامه». واعتبر الحاج أنّه «رغم أن أعمال إسماعيل النحتية كانت موزّعة في شتى أنحاء بغداد كتماثيل معروف الرصافي، والفارابي وأبي نواس، ويحيى بن محمود الواسطي وغيرهم، إلا أن نصب الشهيد هو بدون أدنى شك من أبرز أعماله على الإطلاق، ليس على صعيد العالم العربي فقط، بل يُعتبر من أضخم وأبرز الأعمال النحتية عالمياً».
يُعتبر واحداً من أبرز رموز الحداثة الفنية في العراق


من جهته، يقول المعمار معاذ الألوسي بأن «وجوه إسماعيل فتّاح ترقب وتشاهد لتروي ما لا يُروى، وتحكي ما لا يُحكى، بعض من تلك الفجائع». ويلتقط محمد العبيدي جانباً من شخصيته بقوله: «لم تكن لديه أي محاذير تقنية، فقد نزع مرّة قماش ستارة في بيتي، وجد فيه مادة مناسبة للرسم». ويضيف: «عالمه الإبداعي لم يكن ليركن إلى نسقٍ واحد أو صنف تقني بعينه. ومرّة أخرى كان حدسه ذاك مرشده ومعين إلهامه». ويتذكّر مقولةً له: «أنا رسّام أنحت وليس العكس». ويوجه نزار يحيى رسالة إلى أستاذه، مستعيداً ذكرياته معه في مدينة الدوحة التي عمل فيها خلال سنواته الأخيرة: «على الرغم مما يوحيه منتجك الفني من انفلات، إلا أنك أثناء العمل تكون غاية في التركيز والدقّة. أنت صورة الفنان الخالص. كنت تعيش حياتك بكل حذافيرها متمرداً تمرّد المبدعين الكبار». سنقع أيضاً على «دفاتر الغريب»، و بطاقات بريدية كتبها إلى أصدقائه في المنافي، إذ تشتّت المبدعون العراقيون بين القارات، ولعل هذا الملف الدسم يعيد له بعضاً من حقّه الضائع.
https://www.makouart.com/

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا