I ــ في المسار، شارع المكحول، وشارع كليمنصو.
1 - منسوب شارع المكحول مرتفع. فهو يعلو بوضوح شارع بلس. والمباني المرتفعة فيه، وهي قليلة العدد، مطلَّة، مكشوفة، تُصيبها بسهولة موجات التدمير الآتية من الشرق. رغم ذلك، لم تُغيّر النكبةُ المشهد في الشارع. وبقيت صورته، رغم قوة الانفجار التي نعرفها الآن، على حالها، هادئة أليفة، تزرع الراحة والاطمئنان في النفوس.
الكنيسة بالزنك الذي يغلّفها، والكليَّة الأرثوذوكسيَّة بشبابيكها الملوّنة، والنسيج المبنيّ التقليديّ في طرفه الشرقيّ الذي صمد، بمواد بنيانه العتيقة، وبصلابته الإنشائية.
أتذكَّر الآن بعد ما يقارب الأسبوعين، أنه رغم ذلك، ملأ زجاج المباني المرتفعة الشارع، وتناثرت شظاياه في كل الأمكنة. والاهتزاز الشديد الذي ضرب المباني، دفع السكَّان للنزول إلى الشارع، وهم حيرى، يركضون، باتجاه عمود الدخان الأحمر، الذي ملأ السماء القريبة شرقاً. لا تزال صورة العمود الأحمر هذا، في ذهني، إلى الآن.


لم يعرف ناس شارع المكحول، سبب اهتزاز بيوتهم. وحين تبع الاهتزاز، صوتُ انفجارٍ طاول كل المجالات وكل الشوارع في رأس بيروت، لم يستطع أحدٌ، من الذين غصَّ بهم الشارع، مساء الثلثاء في 4 آب، لم يستطع أحدٌ في تلك اللحظة، تحديد مكان الانفجار. قال أحدهم أتذكَّر الآن، أن في الانفجار اغتيالاً ما. وقال آخر، محاولاً الإجابة على التساؤلات المنهمرة، الانفجارُ في محيط مستشفى الجامعة الأميركية، شرقاً.
الدخان الأحمر لا يزال يتصاعد مخترقاً السماء القريبة شرقاً، أكرر.
في الساعة السادسة والربع، من مساء الثلاثاء في 4 آب 2020، كنت واحداً من الناس الذين توجّهوا جماعات إلى شارع عبد العزيز. اجتازوه، إلى الشارع بمحاذاة المباني الجديدة، لمستشفى الجامعة الأميركيَّة.
أمشي الآن في شارع المكحول، الهادئ المطمئن، على عادته. أجتازه إلى شارع عبد العزيز، أتعمَّد الاقتراب من مستشفى الجامعة الأميركية.
حركة السيارات عاديَّة. الناس يتسامرون على الأرصفة. «ألبينا»، و«مقهى يونس» المجاور، يعملان بازدحامٍ ظاهر.
لا شكّ في أنه، مساء الثلاثاء في 4 آب 2020، سقطت السماء على الأرض، فغمرتها. التقط الناس السماء. رفعوها. إلا أن الأفق في المدينة، لا يزال قاتماً، قاتماً.

ساحة رياض الصلح المعتمة


2 ـ في الجولة الثانية، في 9 آب 2020، كما في الجولة الأولى في 2 آب 2020، شارع كليمنصو إلزامي.
المشهدُ، في الشارعِ المهجورِ، لم يتغيَّر بعد النكبة. صورتُه المعتمة تطغى. تفتُتُ النسيج المبنيّ فيه، وكثرةُ المجالات الفارغةِ، وقد تحوَّلت إلى مواقف فسيحة للسيارات، يحكي كلُّ ذلك، غربةً فاقعةً مزمنة الجديد، أن الانفجار النكبة، أضاف الدمار إلى الوحشة المقيمة، وهي ترسم صورة الشارع. في الشارع قلت، بضع مؤسَّسات تجاريَّة، تستمرُّ بصعوبة واضحة. أضاف «الانفجار النكبة»، الدمارَ إلى صعوبة الاستمرار هذه.
اقتُلِعَ بابُ دكَّان «مكتبي»، للسجَّاد العجمي. واقتُلِعَت الواجهة الزجاجيَّة الشرقيَّة، لمؤسسة «بياف» للألبسة النسائية الجاهزة. قذفها الانفجار إلى الداخل، ممزّقةً الألبسة الملوَّنة المتطايرة. ومؤسَّسة «نست»، المصنّعة للأثاث الخشبي الفاخر، حطَّم الانفجارُ كلَّ واجهاتها، وقذف الهيكل المعدنيّ الصلب، بزجاجه، إلى الداخل. وامتزج كل هذا الدمار بالجلد الملوَّن، وبالأقمشةِ المزركشة. وارتاح الهيكل المقذوف بكل صلابته، فوق الأثاث الخشبي الأنيق الفاخر.
في هذا الجزء من الشارع، في الجانبين، عند التقائه مع شارع مي زيادة، كان المشهد متفائلاً، مليئاً بالنشاط وبالحياة، نقيض الوحشةِ والعتمة، التي تعمّ معظم الشارع.
في السير نحو الشرق، المشهد بقي على حاله، والصورة لم تتغيّر. الجديد بفعل الانفجار، الواجهة الرئيسة، في برج شاهق، كائن في شارع فرعي على يسارك، (شارع المير عمر) مدمَّرة بالكامل. في المقابل، في الشارع الفرعي ذاته، «الشرق» للمنتجات الشرقية، أُفرِغَ من كلّ ما كان فيه. المجالاتُ، الرفوف فوق دواليب، المقاعدُ الخشبيَّة المزركشة، الطاولات، كلُّها مبعثرة، محطمة، فارغة.
«الشرق» كان هنا، بمنتجاته، وخصوصيَّاته، وألوانه. «الشرق»، كان الضوءَ، في هذا المكان المختبئ، من مدينة بيروت. وجاء الانفجار النكبةُ، فاقتحم المخابئ، وتسلّل إلى الأماكن المحجوبة، فعمَّم العتمةَ، وجعل الأفق في المدينة، أسودَ فاحماً.

II ــــ شارع باب إدريس، المستحدث، مقفل
1 ـ شارع باب إدريس المستحدث، مقفل بدواع أمنية. وشارع ويغان، عند برج داماك قبالة «الهولداي إن»، هو ممرّي الإلزامي.
الأحد في 9 آب 2020، تركتُ برجَيْ بنك البحر المتوسط خلفي، وتوجَّهتُ إلى أول شارع باب إدريس المستحدث، لأكمل طريقي إلى قلب المدينة. وجدت الشارع مقفلاً، بجانب «كنيسة مار الياس بطينا»، بدواع أمنية. يدلُّ على ذلك، وجودُ عنصرٍ من الأمن الداخليّ، يحرس الإقفال، مانعاً أي اختراق أو تسلّل. عدت أدراجي. سرت نحو الشمال باتجاه البحر. عند التقاطُع مع شارع ويغان، ينتصب «بـرج داماك» أمامي، وخلفه شمالاً أبراج «سوليدير». «هرتزوغ ودومورون»، في «أسطح بيروت»، وريكاردو بوفيل في «البرج البلاتيني»، وإلى جانبه في واجهة شارع ويغان، أبراج نورمان فوستر الثلاثة، «ثري بيروت».
أصبح مساري واضحاً. سأمشي باتجاه مجمّع ستاركو ومبنى البلديَّة ومبنى جريدة «النهار»، قبالته فندق «لوغراي». هناك ساحة البرج، قلبُ، قلبِ المدينة. الانفجارُ النكبةُ، لاعبٌ رئيس في الشارع. أبراج نورمن فوستر، أصابها دمار واضح. العُلب الزجاجية التي تربط الأبراج الثلاثة، مدمَّرة هي الأخرى. عمّال باشروا إصلاح المدمَّر. لم تعد الأبراج قبيحة قامعة فقط، بل أصبحت عاريةً أيضاً. وعُريُها قبيح. فهي هزيلة الساقين. سيّئة الارتباط بالأرض التي تقوم عليها. لا منطق لوجودها، وهي فارغة مهجورة. لماذا كلّ هذا التبذير بالمال، وبالجهد، وبالوقت؟
بمحاذاة الرصيف حيث أمشي، كلُّ الدكاكين فارغة منذ بنيانها. وهي الآن، مدمرة الواجهات الزجاجية السميكة، المغروسة في أرض الأمكنة. تظنّ، وأنت تمشي، أن بركاناً انفجر في المكان، وملأه موتاً. والمكان، في الأصل، لم يرَ الحياة منذ سنوات. في مجمَّع ستاركو، الدمار سيّد. دُمّرَ طابقه الأرضي الأعلى، بكل ما فيه. وطاول الدمارُ واجهة البرج الزجاجية، في أماكن متعدّدة.

غاب رياض الصلح عن ساحته

2 ــ في الجولة الثانية في 9 آب 2020، نمرُّ بمنطقة باب ادريس، الشارع التجاري تاريخياً، والذي قتله المبنى الرئيس، لـ «بنك عوده». الشارع هناك ميتٌ، منذ أن شُيّد المبنى الرئيس لـ «بنك عوده». قلنا هذا في مشاهداتنا في الجولة الأولى، الأحد في 2 آب 2020. رواق عريض لا يُظلّل أحداً، ولا تستطيع أن تُدرِك السبب المعماريَّ والوظيفيَّ، الذي حتَّم وجوده، ملصوقاً بالمبنى الرئيس. الواجهةُ الزجاجيَّة العريضة، قبالة جادة البارك، قُذفت جزئياً إلى الداخل. والمبنى التقليدي الجميل في أعلى الشارع، ابتلع واجهاته الفارهة، بخشبها، وزجاجها، فظهرت مجالاته على حقيقتها، فارغة، عارية. الشارع الميت احتل أرض المكان، ولم يُدْفن بعدُ، رغم موته. وعملاً بالمثل القائل، تكريم الميت دفنه، قام الانفجار النكبةُ بهذه المهمة، فدُفن الميت بطبقات الركام والزجاج.
في الجوار القريب، العاملون في مطعم «ليليز»، وفي مطعم «لوكوكتو»، ينظّفون الرصيف، وقد أزالوا التجهيزات، والطاولات، والكراسي، وكل ما كان يصنع زينة المكان، ويبعث الحياة فيه. وفي الأسفل، أقفِلَ مطعم «بلتوس» الشهير. نزع اللوحةَ التي تحمل اسمه. الساحة أمام بابه فارغة. وخلف زجاجه العريض في الطابق الأول، فراغ واضح. الأسقف المعلَّقة، وعناصر الزينة فيها، وأجهزة الإنارة، نُزِعت كلُّها. رحل القيّمون على المطعم، وهم غير راغبين بالعودة. قبالته، أُقفل مطعم «المتروبول» أيضاً.
الأحد في 9 آب 2020، أمشي وحدي في الشوارع الفارغة. لم أصادف فضولياً واحداً. الوحدةُ تحوطُني. والوحشةُ تسكن كلَّ مشاعري.
في المحيط ميتٌ، أدفُنُه وحدي، ولا رفيق لي، للسير في جنازته.

III ــــ المسار إلى ساحة الشهداء، عبر الراحل، شارع باب إدريس
1 ـ المسار إلى ساحة الشهداء، عبر شارع باب إدريس قبالة أسواق بيروت، مروراً بمبنى مقر بلدية بيروت. مناخ الوحشةِ الذي يسكن الأمكنة هناك، لم يتغيَّر. ازدادت الوحشةُ حضوراً بالدمار المستجدّ. في الأعلى، عند بوَّابة شارع المصارف المصفَّحة، استبدل المسؤولون في مؤسسة «مون بلان» الواجهات الزجاجية، بالصفائح المعدنية السميكة. إقفالٌ نهائي يبدو. وفي الأسفل، عند بوابة شارع المعرض – اللنبي المقفلة المصفَّحة بدورها، عمد المسؤولون في مؤسسة «روش بوبوا» أيضاً، إلى استبدال الواجهات الزجاجية بالألواح المعدنية السميكة. في واجهات «باتشي» المقابلة، استبدالُ الزجاج أيضاً، بصفائحِ الحديد السميكة. وفي السير بين «مون بلان» و«روش بوبوا»، أكوام الزجاج، وحطام الألومنيوم، من مخلفات الانفجار النكبة، تغطّي الأرصفة. الانفجار النكبةُ، حطَّم أبواب المحالّ التجارية، التي كانت مغلقة، طيلة سنوات. فبان داخلها على حقيقته، فارغاً، عارياً، معتماً، مفزعاً. الإطلالة على مقدّمة شارع اللنبي، المستمر حتى آخر الردم، تشي بأن الوحشة العامّة، تفترشه أيضاً.
في الزاوية حيث، قسمٌ من واجهة أسواق بيروت الأماميّة، تشير لوحةٌ، كما تدلُّ الواجهات الفارغةُ، إلى أن سوق الصاغة، قد رحل من هناك. بانت زاوية المبنى وكأنها بلا أرجل. نُزعَ حجَرُها الأصفر، فبانت سيقانها، سوداء هزيلة، وكأنها لا تستطيع، أن تحمل البنيان فوقها. لا أضرار مؤثرة، خلَّفها الانفجار النكبة في مبنى مقر بلدية بيروت، وخلفه. فالمجالات خلف المبنى موحشة منذ أن استجدَّ الحراك، وعادت معه اشتباكات الحراكِ مع قوى الأمن. زجاج نوافذ المبنى، وزجاجُ واجهات المحالّ التجارية فيه، مجمَّع أكواماً أكواماً على الرصيف.
الجامع العمري، فُتِحَ في جدارِ صحنه الشمالي، بابٌ يُطلُّ على مبنى مقر البلدية. وتمَّ تدعيم الشريط الشائك، بحلقات مضافة، بين الجامع العمري الكبير، وجامع الأمير عساف، حيث المنفذ الوحيد إلى ساحة النجمة المزنَّرة، والمقفلة، والمعزولة.

2 ــ تزنير ساحة النجمة، وإقفالها وعزلها
يبدو بعض التكرار في هذه المسألة ضرورياً. المنافذ إلى ساحة النجمة، بكل شوارعها الشعاعية، مقفلة بإحكام، منذ أشهر.
ومنذ أشهر أيضاً، والاشتباكات مع قوى الأمن حولها، يتكرر. وحاول بعض ناسِ الحراك المستجدّ أخيراً، اقتحام البوابات إلى الساحة، فاضطروا إلى التراجع، أمام قوى الأمن. كما حاول بعضهم تسلُّق الجدران الخرسانية التي تحمي المنافذ إلى الساحة، فتراجعوا أيضاً.
الساحة مزنَّرة، معزولةٌ، مقتطعةٌ، من أحشاء المدينة، ومن قلبها. فيها مبنى مجلس النواب، رمز السلطة التشريعية، الفارغ. فالجلسات تُعقد اليوم في قصر الأونسكو. وفيها مبنى مكاتب النوَّاب الفارغة أيضاً. عند أحد مداخلها، بوَّابة وزارة المالية. وفيها المدخل إلى كنيستين رئيستين.
إنها قلبُ، قلبِ المدينةِ اليوم، حاضرٌ بذاته، ولا وزن له في حياة المدينة. فيه مشهدُ احتفالٍ جنائزيّ يوميّ، تتوسَّطه صورةُ المدينةِ التي تحتضر.

لا دخول الى ساحة النجمة


IV ـــ ساحة الشهداء، ومحيطها
1 ـــ ساحة الشهداء ومحيطها.
الأحد في 9 آب 2020. الانفجار النكبة، ضرب بقوَّة المدخل الغربي للساحة، في أسفلها الشمالي، قبالة «بيت الكتائب»، المخبأ اليومي ليلاً، لمجموعات الحراك.
الأحد في 9 آب 2020. كان انفجار الثلاثاء في 4 آب، قد مزَّق فندق «لوغراي». ودمَّر غلافه وكل مداخَله، واقتلع تجهيزات المقهى – المطعم فيه. وحطَّم واجهتَيه الشرقية والشمالية: الزجاج، والألومنيوم، والأسقف المعلَّقة، وأجهزة الإنارة، وأقنية التهوئة والتكييف، والطاولات، والكراسي، والستائر، وأحواض الزهور، وكلّ الستائر الخارجيَّة، حول المبنى، وعند مداخله. الحطام، والركام، ناتج عن هذه الغزوة، طمر الأرصفة. الركامُ في المدخل الرئيس. الركامُ في المقهى المطعم. طُمِرَت المجالاتُ الجميلةُ المميَّزة، وغادرتها كلّ مظاهر الحياة. ماتت. الموت أكيد، في أجزاء من الفندق. وفي أجزائه الأخرى، غيبوبة طويلة.
في المقابل، يوم الأحد في 2 آب، مبنى جريدة «النهار»، كان يعمل بشكل طبيعي. فجريدة «النهار» تصدر يوم الإثنين، وطاقمها التحريريّ والإداريّ، كان يعمل بالضرورة، كالمعتاد.
اختلف الأمر كلياً، يوم الأحد في 9 آب 2020. ضرب الانفجار النكبة، مبنى «النهار» المواجه للمرفأ، فدمَّر زاويته الملتفَّة، قبالة فندق «لوغراي». دمّرها كلياً. أما الواجهة الرئيسة المواجهة للمرفأ، فالدَّمار فيها كارثيّ. والمبنى بكامله، بحاجةٍ إلى إعادة إعمار جذرية، ليعود إلى العمل كالمعتاد. الحياة في ساحة الشهداء شبه عادية. حركة السيارات منتظمة. الصاعدة نحو شارع بشارة الخوري. والنازلة من طريق الشام، نحو أسفل الساحة. عادت الخيم إلى وسط الساحة. جمهرة غفيرة عند خيمة «أبناء بيروت» التي توزّع العنب، والبطيخ، وفواكه أخرى. في الخلف خيمٌ أخرى، تُوزّع الماءَ البارد، والساندويش. وخيم أخرى مختبئة، توزّع طعاماً مطبوخاً. لم أقترب. اكتفيت بالنظر عن بعد. وقلت مكرراً، إنه حراكُ الظهيرةِ الهادئ، الذي سيتحوَّل إلى حراكٍ عنيفٍ، عند المساء.

2 ــــ الرصيف عريض، والمشاةُ أفرادٌ والسير صعوداً
الالتفاف باتجاه ساحة رياض الصلح، متاحٌ، وسهل. سرت بين أكوام الزجاج. تساءَلت كما في مرات عديدة سابقة، لمن شُيّد هذا المبنى المتقن. مبنى سكنيّ من عدَّة طوابق، رسمه المعمار الياباني الشهير أراتا إيسوزاكي، ينتصبُ إلى جانب الضريح، قبالة نصب الشهداء. من هم هؤلاء الناس المميَّزون الذين سيسكنون هذا المبنى الفريد؟ من سيسكن، إلى جانب الضريح؟ من سيسكن، مع نصب الشهداء؟ المبنى فارغ اليوم. كل الواجهات الزجاجية في طابقه الأرضي، دمَّرها الانفجار النكبة. أكوام الزجاج تسدُّ مدخله المفتوح شرقاً وغرباً. سرت صعوداً. قلَّة من الشبان تجلسُ على درجِ جامع محمَّد الأمين. في الزاوية قبالتهم شجرةٌ دهريَّة اقتُلِعَتْ. في الطريق إلى ساحة رياض الصلح، مبنى اللعازارية يمتد قبالة كنيسة مار جرجس للموارنة، وقد ضربه الانفجار النكبة في كل طوابقه، فلم يعد في نوافذه زجاج.
منذ أسبوع هاجمته مجموعة من الحراك. كسروا واجهات المحالّ التجارية كلها. احتلوا المبنى. اقتحموا مقر وزارتين فيه، وزارة الاقتصاد، ووزارة البيئة. حطَّموا محتويات الوزارتين، ورموها عبر الشبابيك، وأحرقوا الوثائق. وتقول بعض مجموعات الحراك، إن احتلال مقرات الدولة، أمر مهم بدلالاته. فهو يرمز إلى سقوط الدولة في يد المنتفضين. ثلاث وزارات اقتُحمت، الطاقة، البيئة والاقتصاد.
مبنى العسيلي اليوم، هو مبنى «سينما الكابتول» الأكثر فخامة، والأكثر جمالاً، في بيروت الستينيات


من يقتحم رموز السلطة، عليه أن يقيم سلطة بديلة؟ أين السلطة البديلة، التي أقامها الحراكُ المنتفض!؟
شمالاً، واجهة كنيسة مار جرجس المارونيّة، ومدخلها الرئيس، وقد سبق وذكرناها. مدخل الكنيسة من الرخام الفاخر الجميل. أبيض، بعروق رمادية متشابكة.
غاب الرخام الجميل. وكل ما نراه، هو كتابات بحروف غليظة، وباللَّونين الأحمر والأسود. لا شعارات سياسية، ولا برامج. شتائم فقط، بلغةٍ ساقطة مخجلة. لغة القاعِ المملوءِ قبحاً. القاع الغائر، الذي لا يليه قاع. قاعُ الأفراد الغرقى، في قعرٍ لا مجتمعي.

V ــــ في ساحة رياض الصلح، سقطت السماء على الأرض ظهراً، وسكنتها الوحشة والعتمة
1 ـــ سقطت السماء، على أرض الساحة ظهراً. الشمس معلَّقة فوق الساحة، في فضاءٍ لا لون له، ولا حدود. ترسِلُ الشمس أشعتها، فتقف عند حدود السماء التي سقطت. يملأ الضوء الساطع محيط الساحة. «بناية العسيلي»، «البنك العربي»، مدخل شارع المصارف، مبنى «البان أميركان»...، كلُّها تنعم بأشعة منعشة. وحدها أرض الساحة غارقة في العتمة. أتقدَّم نحو الشريط الشائك الكثيف، ينتصب السراي الكبير أمامي. مقرُّ رئاسة مجلس الوزراء محصَّن. والساحة حوله، وبرج الساعة، وقد رسمه المعمار الفذّ، والسياسي الوزير، يوسف بك أفتيموس. أتابع تقدُّمي. أفتّش، عن نصب رياض الصلح فأجده بصعوبة، وقد ضاع. وهو معزول بين الشجرِ، على الرصيف.
لم يعد لرياض الصلح علاقة بشارعه «شارع رياض الصلح». لقد أصبح الشارعُ اليوم، يختصرُ وظيفته، «شارع المصارف». كانت الساحة مثلَّثة، فسيحة. انتصب تمثال رياض الصلح في وسطها، وأطلَّ من مكانه، على الشارع، وعلى الساحة. ثم كان الإعمار، في منتصف تسعينيات القرن الماضي. شوَّه هذا الإعمارُ الأمكنة. أضيفَتْ الإيسكوا، بواجهة زجاجية وُجهتُها الجنوب، غير مكترثةٍ بوجود الساحة والنصب. ثم افتُعِلت أمام الإيسكوا جنوباً، حديقة جبران خليل جبران. وصار مبنى الإيسكوا وحديقته، المكوّن الرئيس في المكان، وموضوع اهتمام العاملين والزوَّار، فضاعت الساحة الجذَّابة. غابت. اختفت!

2 ــــ في ذاكرتي، مبنى العسيلي اليوم، هو مبنى «سينما الكابتول»
السينما الأكثر فخامة، والأكثر جمالاً، في بيروت، في ستينيات القرن الماضي. نلتقي في مدخلها. نشاهد أكثر الأفلام أهميةً، فيها، الأميركية منها، أو أفلام الموجة الجديدة الأوروبية. القاعة بعد المدخل، فسيحة، جميلة. البلكون واسع، ومتدرّج، باتجاه الشاشة. الشاشة بانورامية، وعملاقة، ومتقنة. احتل المدخل زاوية المبنى. فسيحاً، عالي السقف، مضيافاً. كان المدخل مكان اللّقاء الرئيس في المدينة. نلتقي فيه. نعقد اجتماعات ضيّقة. نشكّل مجموعات، لنشاهد هذا الفيلم أو ذاك. في بدايَة السيتنيات من القرن الماضي، في عهد الرئيس فؤاد شهاب، أقيم في «سينما الكابتول» مهرجان دوليٌّ للسينما. وقد سُمّي أستاذي المهندس جوزيف نجار، خرّيج مدرسة البوليتكنيك في باريس، رئيساً للمهرجان. أذكر اليوم، أننا تجمَّعنا في عصبةٍ صغيرة، وتابعنا المهرجان من أوَّله إلى آخره. وشاهدنا جميع الأفلام التي عُرضت فيه. وأهمُّ من ذلك، تابعنا كلّ التعليقات، التي نُشرت في الصحف، طيلة أيام المهرجان.

أبراج نورمن فوستر، أصابها دمار واضح. العُلب الزجاجية التي تربط الأبراج الثلاثة، مدمَّرة هي الأخرى


3 ـــ في ذاكرتي أيضاً، مبنى «البان أميركان»، القائم الآن، بوابة لشارع المصارف. رسم المبنى «جورج ريّس وتيو كنعان». واحتلَّ مكتب جورج ريّس مع شريكه الياس الفغالي، روف المبنى، المتراجع عن واجهته الشرقية. لقد عملت في مكتب جورج ريس لمدة سنة ونصف سنة تقريباً. عملنا معاً في مكتب جورج ريس، «لوسيان كاسيا»، وأنا. كان «لوسيان»، مكلَّفاً برسم فيلّا بديع بولس، التي بنيت لاحقاً، في بيت مري. أما أنا، فكُلّفت برسم فيلا كسَّاب، التي بنيت لاحقاً، في غابة بولونيا. العمل في مكتب جورج ريّس كان مفيداً، وممتعاً. فهو مولع بالتفاصيل، تفاصيل البنيان خاصة، وعاشق للموسيقى، الموسيقى الكلاسيكيَّة المميَّزة. جَهَّزَ مبنى مكتبه، بما يبثُّ الموسيقى في أرجائه، طيلة ساعات العمل. فهو لا يستطيع أن يعمل في مجال صامت، لا تنعشه الموسيقى باستمرار. أذكر خياراته الموسيقية، الكلاسيكية الصارمة، والموسيقى الباروك المزيّنة أيضاً. كنت أتمتع فعلاً أثناء العمل. أتذكَّر غنائيَّة «الوترميوزك» لهاندل وعذوبتها الراقية.

4 ـــ ماذا في الساحة اليوم؟
كانت الساحة، إلى الأمس القريب، تعجُّ بالناس، تنبض بالحياة، حول نصب رياض الصلح، وفي أرجاء الأمكنة. كانت حركة السيارات فيها لا تهدأ. وفي الطرف الشرقي لمبنى العسيلي، عمل في زمن الحياة، سينما آخر أقلُّ فخامة من سينما «الكابتول»، هو سينما «الأمير». ماذا في الساحة اليوم!؟ أكرر. مكان الساحة، مسطَّح أسفلتيٌّ مقفل، لا حياة فيه. سقطت السماء فوقه، وغرق في عتمة دائمة. لم يستطع أحد رفع السماء، لتضيء الشمسُ المكان مجدداً. لا هوية للساحة في حالتها الحاضرة، قبل النكبة، وبعدها. ولا دور لها في قلب المدينة. يتجمَّع فيها، بعض الحراك أحياناً، يجتازون العتمة، يقفون صفوفاً، أمام الشريط الشائك المحصَّن. في الأعلى السراي الكبير، رمز السلطة، ومركز رئاسة مجلس الوزراء. يشتمون، ثم يشتمون، ثم يشتمون. يعودون بعد هذا الصراخ، إلى أماكن أخرى مشابهة. ماتت الساحات في المدينة، ساحة النجمة بدايةً، وهي قلب القلب. ثم ساحة الشهداء، حيث تُرمَّم المباني اليوم. ولكن من يعيد إليها الحياة؟
وفي آخر المسار، الشريطُ الشائك، في آخر العتمة.
ماتت المدينة
ماتت المدينة
ماتت بيروت.
الأفق أسود قاتم.
كثرٌ، ينتظرون، بتفاؤلٍ وثقةٍ، قيامة بيروت، الآتية... الآتية.
ربَّما ... بعد عقدين من الزمن... أقول.

* معمار لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا