في زمن «الحرائق» المتتالية والإنهيارات الإقتصادية والإجتماعية والإرباك الحاصل في مختلف المجالات، هل يبقى للثقافة دورٌ أو مطرح؟ وهل تتراجع الحركة الثقافية إلى الخلف أم تتقدّم إلى الواجهة بالتوازي مع اهتمامات الناس الأساسية؟ ذلك هو السؤال الذي لا يكفُّ عن طرحه هذه الأيام الكاتب والناشر سركيس أبوزيد وسط «دائرة أصدقائه» في مرحلة موسومة بما بات يُعرف بـ«التباعد الإجتماعي» والتعليم عن بُعد وتطبيقات الـ ZOOM وغيرها. وأبو زيد الذي يعيش قلَق المثقّف الحقيقي تجاه القضايا الراهنة، كان كلّما أطلق فكرةً ما أو مبادرة ذهب إلى احتضان «مشروع» ثقافي آخر. هكذا هو دائماً لا يهدأ ولا يأخذ إجازة من التفكير. والمسافة بين المثقّف وبين الناس كما يفهمها الرجل لا تتجاوز، بالحد الأقصى، المسافة بين الرصيف والشارع أو العكس. حين استضفتُه قبل شهرين في إحدى حلقات برنامج «شارع الحمرا» (تلفزيون «لنا بلاس»)، أشار سركيس أبو زيد إلى غياب المبادرات الثقافية الجدّية كما إلى عدم طرح الأسئلة الكبرى الموازية لمتغيّرات المرحلة الراهنة التي فرضتها أزمتا كورونا العالمية والإنهيار المالي- الإقتصادي في لبنان. كان السؤال أيضاً، مِن على رصيف مبنى سينما «ستراند» المغلقة منذ سنوات طويلة، ومِن وراء كِمَامة، حول قدرة الناس على التكيّف مع المتغيّرات التي فرضها فايروس كورونا على أنماط عيشهم وسلوكهم الاجتماعي بما في ذلك النشاط الثقافي. كان ذلك قبل انفجار مرفأ بيروت الذي تسبّب بتداعيات إضافية اقتصادياً واجتماعياً وعمرانياً وحتى ثقافياً ما ضاعف من الحاجة لمبادرات من شأنها أن تعيد بثَّ الروح في جسد المدينة بدل الإستسلام لمزاج الإحباط العام السائد. تعقيدات المرحلة وقيودها، لاسيما وباء كورونا وارتفاع سعر الدولار وبالتالي ارتفاع كلفة الورق والطباعة اضافة إلى إغلاق عدد من المكتبات، كلّها عوامل كان لها انعكاس وأثر سلبيَّيْن على حركة اصدار وتوزيع المطبوعات الورقية على أنواعها.

لقرابة عشرة أشهر، غابت مجلة «تحولات مشرقية» الفصليّة التي يديرها أبوزيد، قبل أن تعود وتصدر أخيراً في عدد متميّز (آب 2020) بغنى وتنوع المواضيع والعناوين التي يحتويها. في العدد «العائد» مجموعة من النصوص الفكرية والأدبية والسياسية أبرزها رأي مطوّل للباحث د.حسن حمادة بعنوان «الجائحة في خدمة السياسة»، أشار فيه إلى جوانب التوظيف السياسي المكثّف لكارثة كورونا العالمية لاسيما من قبل الإدارة الأميركية. وفي العدد أيضاً رسالة-عتاب مفتوحة من الأب الياس زحلاوي إلى البابا فرنسيس. وصدور «تحوّلات» مجدداً في لحظة تحولات كبيرة ليس فقط في السياسة والإجتماع والإقتصاد بل في أدوات ووسائل الصحافة والإعلام، يُعيدنا مجدداً إلى طرح تحدّي استمرارية المطبوعات الورقية والصحافة المكتوبة دون وجود دعم خارجي أو إعلانات كما هو الحال مع «تحوّلات» حيث يبدو التحدّي مُضاعَفاً بالنسبة لأسرة المجلة المرتكزة على روح «التضامن والتعاون والتطوّع» وبكلفة مادية محدودة. والمشاركة، كما يراها فريق «تحولات» لا تقتصر على كتّاب العدد بل تصل إلى القارىء الذي «يجب أن يشعر أيضاً أنه شريك ومساهم في الاستمرارية والحفاظ على الإستقلالية بعيداً عن أي تأثير مباشر». مَن يراقب الحركة الثقافية والفنية في بيروت خلال المرحلة الماضية يدرك حجم الإنكفاءة القسرية التي أصابتها باستثناء بعض الفعاليات التي تواصلت بشكل محدود. والعاملون في قطاعات المسرح والسينما والموسيقى إضافة إلى «سوق الكتاب الورقي» وغيرها هم من الأكثر تضرّراً بفعل الأزمات المتتالية وكان آخرها انفجار بيروت. باختصار، يريد سركيس أبو زيد من الإصدار الأخير لـ«تحولات مشرقية» أن يكون «شاهداً على استمرار الثقافة في زمن موت السياسة وتعثّر الأحلام والآمال».