هل لأديب بوزن جوزيف حرب مساحة (1944 ـــ 2014) مكان في وجداننا زمنَ العواصف السياسية والإنفجارات المينائية والتطبيع مع العدوّ وانفلات كورونا؟ لا شك في أنّ الأدب الحق يحافظ على موقعه عند عارفيه، في حين أن مُنكريه والغرباء عنه لا يكلفون أنفسهم عناء فهمه فكرياً أو تذوّقه جمالياً.

جوزيف حرب شاعر مجيد وناثر فريد ... خمره فيروزيات الكأس الولهى، ونشوتُه سكراتها. محبرته الثرية ينبوع خواطر، وفؤاده شلال مشاعر. لكنّ القلق كان متمكناً من عينيه، وكذلك الحزن الكياني. ربما كانت خلفيته السياسية والتاريخية والنقدية الواسعة عاملاً جوهرياً في تخصيب إنتاجه، إلا أنه مدين بذلك إلى ثقافته العضوية، ليس بالتحديد الغرامشي فقط، بل بالآفاق التي تشقّها حرية الفكر والنفس، التي هي أساس جميعِ الحريات.
مِن تجربة إتحاد الكُتّاب اللبنانيين في بيروت حيث واجَهَنا حصارٌ إعلامي مبرمج، إلى اتحاد الأدباء والكُتّاب العرب في دمشق وفي غير عاصمةٍ عربية، زاملْنا ذلك الأديب المترفع، الزاهد، المتعفف، الذي امتاز بالعمق والتواضع، نابذاً الإنتهازية والدناءة اللتين وضعهما في مرتبة واحدة مع الإستعلاء الذي هو الوجه الآخَر المزيف للزحفطونية والإسفاف.
أَذْكُر أن كيمياء خبيئة جمعَتْ بيننا لسنوات محفوظة في الذاكرة، وقد تابعنا معاً العمل على البرنامج الهادف «ربِينا سَوا» مع وزارة الإعلام في كل من لبنان وسوريا. كما كانت الدكتورة نجاح العطار نائب الرئيس للشؤون الثقافية في الجمهورية العربية السورية حريصة على الإستئناس برأيه وبآراء نخبة من المثقفين في القيام بمشاريع ثقافية كبرى بين الدولتين. وأجد نفسي هنا سعيداً بالإعتراف أن المودة والتقدير الراقيَيْن، اللذين غمره بهما السفير الأديب علي عبد الكريم علي، في اللقاء والذكرى، قد عمّقا من ذلكما الفهم والإنسجام لشاعرٍ مرهَف تخطى حدود قريته "المعمرية"، بل عاصمته بيروت حتى كاد أن يصبح أيقونة في ذلك المحيط العربيّ الوسيع، المتراجع مستوى شعرائه الأفذاذ إلى حدّ الفجيعة.
وإذا كان بعض آراء جوزف قد فاتنا، فإننا لا يمكن أن ننسى له رأيَيْن طالما كررهما عند الحديث عن التركيب الثقافي في لبنان. الأول عن فؤاد أفرام البستاني ، وهو مَن هو في التنظير المتطرف، بأنه عمل جاهداً على المستويين التربوي والجامعي لإلغاء الإشارة إلى رواد عصر النهضة في البرامج التعليمية ، نظراً إلى معرفته بخطورة اعتماد العقل في تنوير الأجيال. والثاني هو ازدراؤه لعَرّاب الساسة الأبرز في لبنان ، عنيْتُ ميشال شيحا الذي كان موقفه واضحاً بل عنصرياً في تمييز سكان البحر والجبل ، إضافة إلى دعوته لمنع المسيحيين من قبول "عمل بسيط" في الزراعة مثلاً أو حتى في الصناعة ، حاثّاً إياهم على ممارسة الأعمال التجارية فقط !!!
ما من شك في أن جوزف حرب قد تألم كثيراً للتراجع العام على مستوى العالم العربي، خصوصاً تراجُع الإهتمام بقضية الحق الفلسطيني، لكنه كان ينظر، بثقة، إلى المقاومة اللبنانية وإلى مواقف سورية الأبية نظرة الموعود بالوعد الكبير . لذلك أحبّ الأرض ، والإنتماء،والفلاح ، والسُّماق، وغرسة التبغ، والعريشة، والسنبلة . وجاءت قصائده في معظمها غنائية كأنها كُتِبَتْ لتُغنّى ، فَلَحّنَ له رياض السنباطي ومارسيل خليفة (يا عصافير ، إنهض وناضلن ، إلخ). كما تقاطع شعره بصوت فيروز ،المُلحّن رحبانياً، في باقة سَكَنَتْ أذواق الناس وضمائرهم (أسامينا- إسوارة العروس- لمّا عالباب- ورقو الأصفر- حبيتك تانسيت النوم).
من «شجرة الأكاسيا» إلى «المحبرة»، مروراً بِـ «مملكة الخبز والورد»، جاء شعره عديلاً لنثره الفني المشغول بالقلب، كما يقول هو نفسه عن تراب الجنوب. وشَكّلَ حبره الحرُّ طعامه المفضل وشرابه الأنقى. لذلك عَكَسَ شعره قضيةٍ منفوحة بالقيم الأصيلة، في زمنٍ طفا سطحُه بالرداءةُ والإنحطاط، فَنَحَتَ جوزف حرب نصه الشعريّ نحتاً مشبعاً بتمثلاته الثقافية الغنية، ووجدانه الذي لم يتلوّن بالرقص السياسي ولا برياء المواسم. يقول في «النشيد الدمشقي» الذي ألقاه في أربعين الرئيس حافظ الأسد عام 2000 ، من قبل أن تكرّمه الرئاسة السورية بوسام رفيع :
قَلَّ الرجال إلى حدٍّ لغيرك ما أشرتُ يوماً إذا ناديتُ : يا رجُلُ
إذا اغتسلتَ بدمعي في الوداع أنا بماءِ مجدكَ جئتُ اليوم أغتسلُ
أما الجنوب الذي عشقه ابنُ الجنوب فيقول فيه:
وسكبنا دمنا فوق صَفاةِ الصخرِ
رحنا نحفر الأرض عميقاً
بعظامِ الشهداءْ
فوجدنا وجه أدهم.
وأما نصه الجميل بعنوان «الجناحان»، الذي ألقاه في احتفال لمجلة «فكر»، فحريٌّ بنا أن نقتطف منه قوله: «الويل لحزب من غير جناحين ... إذْ إن حزباً أعضاؤه قليلون وأصدقاؤه كثيرون، َ أفضل بما لا يقاس من حزبٍ أعضاؤه كثيرون ولا أصدقاء له»
أيها القريب من الوجدان الشعبي واللغة المحكية، برغم بلاغتك الكلاسيكية ورشفاتك النوعية من العربية الفصحى، سيظل سُلافُ دواليك ينضح أصالةً في انسكابات الكؤوس، وستبقى روحك الوثابة حيةً معنا في تذكارات الصداقة والوفاء.