عَرَّف مؤرخ الفن والشاعر والفيلسوف الإنكليزي هربرت ريد الجمال بأنه «وحدة العلاقات الشكليَّة بين الأشياء التي تدركها حواسنا». أما هيغل، فعرَّفه بأنه «الجنّي الأنيس الذي نصادفه في كل مكان». قديماً، كان الجمال أحد فروع الفلسفة، إلى أن جاء الفيلسوف الألماني ألكسندر باومغارتن وميّز علم الجمال عن بقية المعارف. بالنسبة إلى إيمانويل كانط («نقد الحكم» ــ 1790)، فإن «المتعة» هي نتيجة نشوء المتعة من الإحساس. لكن الحكم على شيء ما «جميل» له متطلّب ثالث: يجب أن يثير الإحساس بالمتعة من خلال إشراك قدراتنا في التأمل التأملي. أحكام الجمال حسية وعاطفية وفكرية في آن، وفق ما يورد فاوتر فان آكر في كتاب «العمارة والقبح: مضادات الجماليات والقبح في عمارة ما بعد الحداثة» (Architecture and Ugliness: Anti-Aesthetics and the Ugly in Postmodern Architecture. Bloomsbury 2020). شارك في كتابة فصول الكتاب، 17 عالمة وعالماً، مستعينين بكتابات المحرر فاوتر فان آكر، وهو برفسور مساعد في مادة تاريخ العمارة ونظريتها في «جامعة ليبر» البلجيكية، إذ قال في تقديمه المعنون «تتبع القبيح والمضاد للجمال كقوة إنتاجية في عمارة ما بعد الحداثة»: «القول إن مبنى ما قبيح، هو إصدار حكم جمالي، وهو عمل نقدي يشير إلى أن المبنى يفشل في تلبية توقعاتنا الاجتماعية أو المهنية من الهندسة المعمارية كشيء جمالي، أو ينحرف عن معايير الذوق أو يتعارض مع الاهتمامات. إن صنف القبيح هو، كما يذكّرنا أدورنو «قانون المحظورات/ Canon of Prohibition» لأن القبيح، عندما يتم العثور عليه في عمل فني، «يعارض الخلل الحاكم في العمل».



يوضح آكر أنّه لم يتم الاهتمام بالقبح في العمارة إلا في تسعينيات القرن الماضي، ويعدّد بعض المؤلفات المهمة في هذا المجال ومنها كتابات الإيطالي أمبرتو ايكو «تاريخ الجمال» و«عن القبح»، إضافة إلى مؤلفات أخرى لأهل الاختصاص منها العائد إلى ستيفن بايلي كـ «القبيح: جماليات كل شيء» (2011) الذي يعدّه المحرّر أطلساً أيقونياً للقبح. ويضيف: «من المحتمل أن أندريه بوب ومتشتلد وِدريتش («القبح: غير الجميل في الفن والنظرية» ـــ 2013) صاحبا أول جهد علمي في نظرية الفن يتصالح صراحة مع استيطيقا القبيح في أوائل القرن العشرين». كما حددت نتالي هاينرِش وجان-ماري شِفَّر وكارول طالون-هوغون في المجلد «ماوراء الجميل والعِلماني» (2014) اثنتي عشرة قيمة مستخدمة في تقويم تجربة الفن من الجمهور وأهل الاختصاص. أما مؤلف مويكا كيبلن «الجمال والقبح والخيال الحر» (2015)، فيكرّس فصلين عن مشكلة القبح وعلاقته بالاشمئزاز في جماليات كانط كما يظهر في «نقد قوة الحكم»، وفي «قبح: تاريخ ثقافي» (2015). كما تكشف غرتشن هندرسن كيف ساعدت مفاهيم «القبح» ومرادفات «القبيح» في إعادة تقويم الحدود الثقافية «بيننا» و«بينهم» عبر مجموعة واسعة من أمثلة الخيال الثقافي من العصور القديمة إلى الحاضر. وفي ظن المحرر، فإن أهم الكتابات المعمارية عن القبيح هي مقالة مارك كزنس المكونة من ثلاثة أجزاء، وكذلك كتابات جون ماكآرثر وتموثي هايد.
أما المواضيع التي عالجتها الكاتبات والكتّاب في مختلف فصول المؤلف، فهي على النحو الآتي: في الفصل الأول «البشاعة، وعكس الجمالية والاستملاك: مع بعض الملاحظات حول هندسة Ashton Raggett McDougal, ARM»، قام جون ماكآرثر بتفكيك المضادة للجمالية (anti-aesthetic) إلى ما وراء مضادات الجمال، موضحاً كيف اتخذ شكل إما تشككاً في الحكم الجمالي، ما يعني ضمناً تقديم المتندد على الحسي، أو اتخذ شكل موقف جمالي سلبي مناسب. عند وضع الخطاب حول المضادات الجمالية بالتوازي مع ظهور ما بعد الحداثة كما وضع جِنكس أسسها النظرية، التفكيكية والعمارة النقدية، ينظر ماكارثر بعد ذلك في إيجابية ARM المضادة للجماليات المعمارية.

كنيسة كلية كبل

تكمل مناقشة بارت فرشفِّل الفلسفية للقبح، في فصل «عن القبح [في العمارة]» السياق التاريخي لماكارثر في خطاب ما بعد الحرب عن القبيح والمضاد للجمالية. بالاعتماد على قراءة روزنكرنتس وفَلِري وكانط وغيرهم، يستعرض بارت فرشفِّل ما هو التقدير الجمالي المناسب للقبيح، وكيف يختلف عن مفهوم الذوق أو الحكم الاعتباري. بعد وضع تعريف جمالي للقبيح، يسأل عما إذا أمكن وجود شيء مثل القبح في العمارة، وإذا كان الأمر كذلك، كيف؟ ويخلص إلى أن الكائن الجمالي الذي هو الهندسة المعمارية، يثير ـــ عندما يميل إلى أن يصبح وحشاً ــــ خوفاً يمكن التحكم به جمالياً واستعادته، لكن يمكن للهندسة المعمارية أن تنجح أيضاً جمالياً، في سجل أضعف، عند ترويض القبيح إلى حالة عادية. وبالتالي، فإن مقالته تحدد المحورين الوحشي والعادي، اللذين يعطيان هذا المؤلف هيكله، دوماً بحسب المحرر.
في قسم المؤلف الأول «عن القبيح والوحش»، يفتح تمُثي رُهَن فصل «الاستفادة من القبح: التشابه بين العمارة الفيكتورية العالية والعمارة الوحشية»، مع تركيز على البشاعة الوحشية، فإن المفهوم الخاص بالمساهمات الأخرى في هذا العمل الجماعي هو التركيز على العمارة المضادة للبطولة وما بعد الحداثة.
يقدم «فصل هايدي زون: خريطة صغرى» قراءة معادية للفئة الثقافية للقبح و«الوحش» كوسيلة لفهم كيفية عمل الوحشية في المجتمع كفئة جمالية. بالاعتماد على النظرية النسوية التي تتعامل مع «علم ما بعد البشر» وفلسفة دولوز وغواتاري، تقدم هايدي فهماً لتعبيرات الوحشية وممارساتها في الهندسة المعمارية من خلال معالجة القوى التخريبية والعاطفية للوحشية. يتخطى الفصل التفسيرات الوجودية للوحش وقدرته على إنتاج أشكال من الذاتية التي توصف بأنها تفاعلات غير مستقرة وغير ممثلة ومتحولة للعديد من «الآلات» المكثفة.
يقوم الفصلان التاليان في هذا القسم بتشريح مشروع محدد من خلال عدسة الوحش. يعيد طوماس ميكال في «فضاءات أبرقسس» النظر في آثار النصب التذكارية وتوطن الإسكان الاجتماعي في مُجمَّع أبرقسس. ويربط هذا المعْلَم من البشاعة الكلاسيكية الجديدة لما بعد الحداثة بـ«البشاعة الاجتماعية» التي انبثقت من انهيار ريغان - تاتشر - ميتران الليبرالي الجديد للدعم الاجتماعي.
يروي فصل ميرجانا لوزانوفسكا «ما بعد الشيوعية والوحشية: سكوبي 2014 وحكايات سياسية أخرى» كيف تم تغليف مظهر ما كان يوماً مدينة اشتراكية بقوة في الواجهات التاريخية والمناظر الكلاسيكية الجديدة. تم بناء العمارة الوحشية المقامة في الفترة التالية لخطة كينزو تانج الرئيسة لعام 1965 للعاصمة المقدونية بشكل منهجي خلال خطة التجديد بعد الشيوعية المسماة «سكوبي 2014».

مركز الاتصالات من تصميم قسطانطينوف في مدينة سكوبي


قاعة مدينة بوسطن


«أندرو ليتش: كن وحشياً هنا» و«كارولين أُدنًّل: لنعمل وحشاً» ينهيان هذا القسم المتعلق بالقبيح والوحشي من خلال إسقاط الوحش على اتجاهين مختلفين في التاريخ: على التاريخ المعماري للعلمانية من ناحية والممارسة المستمرة لتصميم الوحوش من جهة أخرى.
يبدأ الجزء الثاني من هذا المؤلف عن القبيح والعادي بفصل دِبُرَه فاوش بعنوان «قبيح: عمارة روبرت فينتوري ودنس سكوت براون» التي تحقق في حساسية فنتوري وسكوت براون للقبيح والعادي، الموضحة في «التعلم من لاس فيغاس» في ما يتعلق بتقنيات فن البوب البريطاني والأميركي التي كانت تهدف إلى الكشف عن هياكل الاتصال للثقافة التجارية، وتتساءل إلى أي مدى يواصل بحثهم عن الإلهام في ثقافة البناء العامية والشعبية، استراتيجيةً حداثيةً في استخدام القبيح والعادي كعامل للصدمة والعمل الثوري.
الفصول الأربعة اللاحقة تتعامل مع الموقف الذي يشغله القبيح وعلاقاته الوثيقة مع العادي في حالات محددة من عمارة ما بعد الحداثة. في «معسكر القبح: حالة تشارلز دبليو مور»، تفحص باتريشيا مورتون قبح المعسكر لمنزل تشارلز مور في نيو هافن (1966) وأعماله الأخرى في ما يتعلق بالنظريات التي تحدد الرؤية الجمالية المنفصلة للكامب والعالم.
إليزابيتا أندريولي تحول بؤرة النظر إلى المباني الملونة التي أنجزها فريدي ماماني منذ أواخر التسعينيات في جبال الأنديز في بوليفيا.
تقدم هايدي زون فهماً لتعبيرات الوحشية في الهندسة من خلال معالجة قواها التخريبية والعاطفية


أنماري برنَّان تعيد النظر في النصوص والمناظرات حول ثقافة التصميم الإيطالية الحديثة لما بعد الحداثة للكيتش في مقالها «كيتش ألخيميا النقدي وممفيس، التصميم من قبل الميديا»، والنظر في تخصيص التأثيرات الإعلامية من مصممين مشهورين. وتشرح آنماري برنَّان أن ما يسمى بسخرية «النمط الدولي الجديد» اعترف بالهيمنة التي لا يمكن إنكارها للحداثة بينما في ذلك الوقت دمجت هذه الهيمنة مع نقيض «جديد» للجمال الحداثي: الجمالية المبتذلة، لكن العاطفية للإعلانات التي تنجح فقط إذا أعادت وسائل الإعلام إعادة إنتاج الرغبة والأحاسيس عاطفياً.
تبحث ماريانا شاريتونيدو في فصلها «وسطية الواقع الحضري في إيطاليا ما بعد الحرب: بين الواقعية الجديدة وجاذبية الجنوح للقبح» في الطريقة التي نوقش بها القبح في ما يتعلق بالواقع الحضري في فترة ما بعد الحرب من إيطاليين آخرين مثل إرنستو ناثان روجرز ولودوفيكو كاروني وألدو روسي.
يختتم المؤلف بفصلين: مقال لارا شريفر «البشاعة كاحتكاك جمالي: تجديد العمارة ضد الحبيبات» يستعرض لحظات في تاريخ العمارة الحداثية عندما يعمل الإحساس القبيح كآلية احتكاك تتحدى معايير الذوق الجمالي والجمال. وأخيراً، يقوم فاوتر فان آكر في فصل «قبح، أو لحظة التحوير بين الإرهاب والهزلي في عمارة ما بعد الحداثة» بتعديل محوري العادي والوحشي اللذين يشكلان رافعتي هذا العمل الجماعي من خلال تقديم «بينوم» (binome) آخر يرتبط بهما بشكل وثيق: أي الهزلي والفظيع. يناقش هذا الفصل الأخير كيف ساهم الخطاب حول «البشاعة» في التحول السريع للضواحي على يد حداثيين أمثال روبن بويد أو بيتر بليك نظّموا المشهد في ضواحي ما بعد الحرب كمشهد للذعر والرعب.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا