كان يمكن لأيمن العتوم أن ينعم بهدوءٍ بما حصَده في السنوات الأخيرة من شعبيّةٍ بين القرّاء الشباب، وإن كانت غير متناسبة مع قدراته السرديَّة، بل تعود إلى اعتبارات أخرى، لولا أنَّه اختار إثارة الجلبة هذه المرة، مستخدِماً لعبته المفضلة، أي مواقع التواصل الاجتماعي. خطوةٌ ربَّما أمِلَ أن تزيد من حجم الأضواء المسلّطة عليه، وليس معلوماً بعد إن كانت ستؤدّي هذا الغرض فعلاً، أم ستجعل نتاجه الروائي الغزير في مرمى نقاد مخضرمين ومثقّفين حقيقيّين، استفزَّتهم فعلته، فوجدوا أنفسهم في مواجهة أخلاقيَّة معه، وهؤلاء ممن قد لا تنفع معهم «بروباغندا اقتباسات فايسبوك وانستغرام»، وغيرها من أساليب الدعاية الأدبيَّة الحديثة.

الهجوم على طه حسين أثار غضباً عربياً لا مصرياً فقط

الروائي الأردني اعتاد مخاطبة الشباب بطريقة مدروسة وذكيَّة جعلته نجمهم الروائي المفضَّل، عبر نشاطه الافتراضي المكثّف، وغزارة إنتاجه، وتفنّنه في اختيار العناوين اللافتة المقتبَسة من القرآن لتقديم نفسه (إليهم وإلى دور النشر أيضاً) كأديب متديّن يُرضي ذائقة شريحة من القراء هي جمهور شاب ملتزم يبحث بجهد عن أيقونة له تجمع بين هاتَين التيمَتين (الأدب والدين). هكذا، راح العتوم يضمِّن رواياته أكبر كمّ ممكن من العبارات الرنَّانة الصالحة للاقتباس حتى صار معظم هؤلاء القراء يربطون بين جودة الرواية وبين عدد الاقتباسات القابلة للاستخراج منها، ولو كانت أغلب هذه الاقتباسات عبارة عن كليشيهات مكرورة لا تحمل أيّ إضافة حقيقيَّة (أمثلة: من أين تأتيك الطعنة؟! ممن أعطيته ظهرك مطمئنّاً/ ما أسهل الحديث عن الصبر عندما لا تكون المصيبة مصيبتك/ الحزن في عينيكِ جميل لكن الفرح أجمل..).
قبل حوالى أسبوع، نشر العتوم عبر صفحته على فايسبوك مقطعاً من كتاب «حضرات الزملاء المحترمين» لناصر الدين النشاشيبي (1919 – 2013)، والأخير هو صحافيّ ومؤرّخ فلسطيني شغل منصب رئيس تحرير جريدة «الجمهوريَّة» القاهريَّة في ستينيات القرن الفائت. ويتحدَّث النشاشيبي في المقطع المذكور عن طه حسين (1889 – 1973) بطريقة ساخرة متسائلاً «عميد الأدب.. أيّ أدب؟!»، مشيراً إلى تقاضي طه حسين راتب رئيس التحرير الذي لا يقلّ عن خمسمئة جنيه مصري في الشهر الواحد على مدى سبع سنوات، مقابل وضع اسمه في الترويسة فقط، ومن دون أن يكتب مقالاً واحداً في «الجمهوريَّة». ثم تناول النشاشيبي الفترة التي كان فيها طه حسين رئيساً لتحرير جريدة «الكاتب المصري» المملوكة ليهود مصر، زاعماً أنَّ فيكتور هراري باشا المسؤول عن إدارة الخزانة المصريَّة في حينه «اشتراه» بإشارة من حاييم وايزمن، ليكون رئيساً لتحرير مجلة ظاهرُها الأدب وباطنُها الصهيونيَّة!
وبعيداً عن مدى صحَّة المعلومات التي أوردها النشاشيبي في كتابه الصَّادر عام 1995، وحوَّلها العتوم إلى «تريند» جديد في المحروسة بعد ربعِ قرنٍ على كتابتها، وصعوبة وعبثيَّة التحقق منها بعد مرور كل هذه السنوات، فقد أثارَ استحضارُها من قِبل الأخير، من دون التعليقِ عليها بحرفٍ واحد بما يَشي بتبنّيه لها بالكامل، غضباً كبيراً بين الناشطين الذين ساءَهم التطاول على قامة أدبيَّة كَطَهَ حسين بعد سنوات كثيرة على رحيله، من قبل كاتبٍ محدود الموهبة، وربطوا الأمر بانتماء العتوم الإخواني، والموقف المعروف للجماعة من «عميدِ الأدبِ العربي»، ومن هؤلاء القاصّ والروائيّ المصري شريف صالح الذي اعتبر أنَّ الإخوان يتوارثون كراهية الرجل.
انتماء العتوم ليس سرّاً بطبيعة الحال، ويمكن استنتاجه بسهولة من رواياته التي تتأرجح بين «الأدب الإسلامي» (المصطلح للأديب المصري نجيب الكيلاني/ 1931 - 1995) و«أدب السجون»، مستفيداً من تجربته في الاعتقال السياسي داخل السجون الأردنيّة عامي 1996 و1997. تجربة استوحى منها روايته الأولى «يا صاحبَي السجن» قبل أن يقوم بإدخال تنويعات على الفكرة الأصليَّة (كأن يكون السجين طبيباً سوريّاً في سجن تدمر كما في روايته الثانية «يَسمَعون حَسيسها»، أو ليبيّاً في سجون القذافي كما في «طريق جهنَّم»). وقد حفلت مسيرته بعدد كبير من الروايات ينتمي معظمها إلى أدب السجون.
تتأرجح روايات أيمن العتوم بين «الأدب الإسلامي» و«أدب السجون»


محبّو العتوم انبروا سريعاً للدفاع عنه، مستغربين انفعال المعترضين عليه وحشرهم «الإخوان» في النقاش، كأنَّ المنشور الذي ووجه بعنف كان تقييماً رصيناً لأدب «العميد» بمعزل عن مواقفه وميول صاحب المنشور وأهوائه، لا استحضاراً لحادثة شخصية غابرة من شأنها الحطّ من قدره والإساءة إليه.
في المقابل، رأت الكاتبة المصريَّة الشابة هند جعفر في حديث مع «الأخبار» أن لا مانع أبداً من قيام العتوم أو غيره بنقد أعمال طه حسين وتناول منهجه في البحث أو أسلوبه وخصائص حرفته الإبداعيَّة، فتراثنا العربي يزخر بأمثلة عديدة في النقد ونقد النقد، ولكن أن ينفخ البعض محاولاً إثارة الغبار أمام منجز مفكّر ترك لنا ما يقارب 60 عملاً ما بين أبحاث تراثية وأدبية وروايات وترجمة لأعمال كلاسيكية مهمّة، بالإضافة إلى دوره الرائد في قضايا تنويريَّة عدَّة واجهتها مصر في بدايات القرن الفائت وعلى رأسها مجانيَّة التعليم، فهذا غير مقبول على الإطلاق.
ورأت جعفر أنَّ حصول «العميد» على 500 جنيه عن رئاسته لتحرير جريدة «الجمهوريَّة» المصريَّة لا يقدح في ذمة الرجل أبداً، فمن الطبيعيّ أن يختلف راتب طه حسين عن راتب صحافيّ شاب غير مصريّ عُيّن فقط في الجريدة لغرض دعائيّ عروبيّ، متسائلةً عن علاقة قيمة الشخص الفكريَّة بما كان يحصل عليه من مبالغ ماليَّة نظير عمله.
أمَّا الاتهام الثاني المتعلّق بعمله في جريدة يملكها يهود، فرأت فيه صاحبة المجموعة القصصيَّة «عدّودة» الخبل بعينه، لأنَّه «يعبّر عن جهل بيِّن بالديموغرافيا المصريَّة في مرحلة ما قبل الناصريَّة، فاليهود كانوا جزءاً أصيلاً من التركيبة السكانيَّة المصريَّة، وأغلب الشركات ومحلات التجارة الكبرى كانت مملوكة ليهود مصريين. أمَّا المجلة التي يدّعي النشاشيبي وينقل عنه العتوم أنَّها كانت تدعو للصهيونيَّة، فقد كانت مجلة أدبيَّة بامتياز استمرَّ صدورها ثلاث سنوات، ولم تناقش سوى القضايا الأدبيَّة، وتنشر لأدباء مصريين شباب، وكان التنوير عقيدتها، ومحاولة إثراء الحقل الأدبي بأصوات جديدة غايتها؛ وقد كتب فيها توفيق الحكيم، وسهير القلماوي، وأحمد نجيب الهلالي، وحسين فوزي، ومحمد عبد الله عنان، وغيرهم وهي أسماء يعرفها القاصي والداني ويعرف مواقف أصحابها الوطنيَّة جيّداً. ويمكن للعتوم أن يقرأ ما كتبه الناقد اللبناني الراحل محمد دكروب في هذه القضيَّة تحديداً قبل أن يتحفنا بآراء المجاهيل من كلّ حدب وصوب».
وتتساءل جعفر في الختام عن مغزى التعامل مع منجز طه حسين الفكري بوصفه مقتصراً على كتابه «في الشعر الجاهلي»، وترك «على هامش السيرة» و«علي وبنوه» و«الشيخان» و«صوت أبي العلاء» و«الوعد الحق» و«حديث الأربعاء»، وغيرها من أعمال العميد.
ولأنَّ النقاش ليس وليد تعصّب قطريّ يقتصر على المصريين وحدهم كما حاول بعضهم تصويره، ولا علاقة له على الإطلاق بجنسيتَي طرفيه، فقد برزت مواقف مندّدة بمنشور العتوم لعدد من الكتّاب العرب، ومنهم الروائي الجزائري محمد جعفر الذي رأى في حديث مع «الأخبار» أنَّ أخطر ما في سياسة كيل التهم الجاهزة والتخوين هو استهدافها جمهوراً من الشباب والمراهقين تسهل استثارة عواطفهم، خصوصاً من قبل كاتب ينظرون إليه كملاك منزّل منزَّه عن الخطأ، لافتاً إلى أن الموجّه الأساس لكثير من الخصومات اليوم عقائديّ وفكريّ، وأنَّ إلقاء تهمة العمالة والتصهين جزافاً يهدف إلى الإثارة وإلى إلحاق أكبر قدر من التشويه والإهانة بالخصم، كما في هذه الحالة. ويذكّر جعفر بأنَّ العتوم شنَّ هجوماً على الكاتب البيروفي ماريو بارغاس يوسا وروايته «امتداح الخالة» منادياً بشرعنة الأدب وأخلقته في المجتمع الإسلامي، ومتنكراً لمفهوم الأدب (الرواية) ودواعي وجوده في المجتمعات الغربيَّة، خدمةً لمشروعه الذي ينكر الاختلاف ولا يريد إلا شكلاً واحداً، وصوتاً واحداً، ولوناً واحداً، هو شكله وصوته ولونه.
الروائيَّة والقاصَّة الفلسطينيَّة وداد طه رأت بدورها في حديث إلى «الأخبار» أنَّ «طه حسين لن يحتاج إلى مرافعاتنا التي قد تكون لزوم ما لا يلزم، ولكن لا بدّ من سؤال المدّعي عن بيّنة ادّعائه المتعلق بتوجهات صهيونيَّة لعميد الأدب العربي، مستغربةً أن يُنكر بعضهم عليه استخدام اسمه في عالم تحكمه المادة، متسائلة إن كان عليه العيش في عوز وفاقة كي يستحقّ احترام الناس، ومعتبرةً أننا ككتّاب عرب نعيش في بيوت من زجاج، والأجدر بنا الترفّع عن الغيرة، والانخراط في عمل تغييريّ خلاق يُعيد الوهجَ إلى حياتنا الفكريَّة التي حاول طه حسين في زمنه هزَّها بصرف النظر عن الموقف منه».
وبالإضافة إلى الخلفيَّة الفكريَّة للعتوم، والحقد الذي لم يستطع الخروج منه بعد تجربة الاعتقال السياسي المريرة التي عاشها، ضدّ جميع الخصوم بمن فيهم طه حسين، تعودُ إلى الواجهةِ ظاهرةُ سعي كتَّاب معاصرين للإفادة من بريق الأسماء الكبيرة عبر اصطناع معارك دونكيشوتيَّة مع أصحابِها بعد سنوات من رحيلهم (سليم بركات مع محمود درويش نموذجاً). ظاهرةٌ تستحضر إلى ذهننا بيتاً للشاعر القروي يقول فيه: «عبثاً تحاولُ يا فلانُ إثارتي/ ليقولَ عنكَ الناسُ خصم فلانِ». لم يدر في خلد القرويّ حتماً أنَّ «طلاب خصومة الكبار» سيغدون بمرور السنوات أكثر ذكاءً واحترافاً، فينتظرون وفاةَ هؤلاء قبل خوض معارك معهم، حتى لا يكذّب مزاعمهم أحد.