اليوم هو ذكرى مرور٢٧٠ سنة على رحيل صديق الموسيقى العربية الاجمل والارقى والاصدق آية الله الموسيقى العظمى شيخ المؤلفين الموسيقيين الكلاسيكيين العالميين الكبار جان سيباستيان باخ. تحمل المؤلفات الموسيقية الخالدة الممتلئة بروح الخلق والابداع الكثير من الرسائل والعناصر الجمالية التي تنعكس بإيجابية وسمو في وجدان وروح المُتلقي المنفتح على الاحتفال بمضامينها الانسانية وفك شيفرتها الجمالية. أعتقد أنّ في مؤلفات الشيخ الاكبر آية الله الموسيقية العظمى جان سيباستيان باخ الذي يستحق أن نطلق عليه شيخ عقل التأليف الموسيقي الاعظم، لأنّه اهم مصدر من مصادر التأليف الموسيقي المركب والمزدحم بذخائر خالدة مسّت دائماً وما زالت تمس حالياً وستبقى تمس الى الابد العقل والروح والوجدان والذاكرة الموسيقية الانسانية الجمعية بكل فئاتها ومشاربها وانتماءاتها وتطلعاتها بعمق وشفافية، وليس تماماً كما يحدث مع مؤلفات بقية المؤلفين الموسيقيين العظام!

سيبقى لباخ تحديداً قدرة اعمق على لمس كل من الروح والعقل الموسيقي معاً، العالمي منه عموماً، والعربي تحديداً، أكثر من غيره من بقية المؤلفين الموسيقيين الكلاسيكيين الخالدين. إن حقيقة كون موسيقاه تحمل في اعماق خصائصها اللحنية روح طبيعة وجذور اللحن الموسيقي الشرقي المتماسك وهو يسير بخطوط ميلودية متعددة ومتوارية أفقياً فوق بعضها بتوجهها المتزامن لتصيب المعنى الموسيقي العام لاجتماعها بجمال الهوية اللحنية، وهي تأخذه باتجاه البوليفونيا الكونتربوانتية والمودالية الهوية، واللتين تتحركان كما اسلفنا فوق بعضها بتواز ميلودي مركب ومتعدد بتراكيبه الافقية، فتجتمع بحب وتآلف وانسجام ضمن انسجة بوليفونية ذات طبيعة انفردت بها اكتشافه تلك التي ثبتها على السلم الموسيقي الكروماتيكي لحقبة الباروك الذي ابتكره هو تحديداً ليرسي على أساسه بناء آلة البيانو فورتي كما نعرفها اليوم، ليجعل كل اعماله تتحرك على هذه الأسس بابداع فوق بعضها بانسجام هارموني لحني الهوى والهوية لتعطيها المعنى الموسيقي الصلب بأجمل فنون المودال الذي لا يهمه الطبيعة الهارمونية التونالية الهوية التي لا تحاكي الطبيعة اللحنية المقامية للموسيقى العربية. لعل باخ من دون أن يدري كان أهم من حاكى وتوسل باكتشافاته وتطويراته تلك أُسس التأليف الموسيقى بهذه الحقائق الاكثر اشراقاً لمسائل التأليف من بقية المؤلفين الآخرين في الحقبات اللاحقة على حقبة الباروك. وبهذا يكون قد أسّس لصلابة فنون التركيبات الهارمونية المتماسكة بتعدد الالحان في البناء الشاهق بالغِنى والتنوع والتفاعل والسيمترية ضمن طبيعة المقام الموسيقي mode، ليكتمل معناه كموضوع يجري تطويره وتثويره ضمن الصيغة الدرامية لحبكة التعبير الموسيقي العام الأسمى. هذا ما كرّس باخ أيضاً لاحقاً ليكون وحده المؤلف الموسيقي الذي أرسى الاسس النهائية لفن الفيوغ Fugue ضمن علوم الهارموني والكونتربوان الخاصة بحقبة الباروك، هذا الفن العظيم المسمى:
‏the art of the fugue هو تحديداً (مع اشكال هارمونية مودالية متعددة أخرى) ما يناسب القماشة اللحنية لطبيعة الموسيقى العربية. تعتبر ايضاً تلك النماذج احد اهم الابواب والوسائل التي لا يمكن تطوير الموسيقى العربية الا بها وعبرها. هذا اذا ما ارادت هذ الموسيقى أن تدخل رحابة فضاء التأليف الموسيقي العالمي الآلي المجرد لتصل متينة صلبة وهي تبني عوالمها الجديدة المتطورة التي تحتفل عبرها بسمات تعدد الاصوات الملونة بأنسجة التلوين الاوركسترالي الذي يؤدي الى اسلوب تفكير سيمفوني عربي أو شرق عربي هادف لإنجاز مهمات تحررها من عقدة المونوفونية من جهة، ومن خطايا التقليد المدرسي لخطاب الغرب في التأليف المركب الذي لا يناسب طبيعة موسيقانا، بل ربما يجعلها من جهة ثانية ضاحية تدور في فلكة دون أن يخلّصها من التبعية العمياء للموسيقى الكلاسيكية الغربية بشكل صنمي أعمى مشوه وسيء الصنعة، فيبقى يدور في فلكها مبتعداً عن طبيعتة المقامية اللحنية الشرقية الهوى والهوية! لذلك عملياً وبسبب كل هذة الحقائق، يمكن اعتبار باخ صديق الموسيقى العربية الاول والاقرب الذي تحاكي مؤلفاته بجدية واخلاص مواضيع وآفاق تطويرها، بطرق وحلول عملية تأخذها الى عوالم الحركة الداخلية الديناميكية المنفتحة على آفاق التركيب المتعدد الذي ستحتفل بها روحها اللحنية التواقة للتطوير بشكل يناسب طبيعتها وحساسيتها الداخلية.