عندما جلس سالفاتوري في قاعة السينما، يشاهد المقاطع التي جمعها واحتفظ بها ألفريدو؛ لم يكن يعلم ما ستعكسه له الشاشة الكبيرة. الرجل الكبير يشاهد ما كان محرماً عليه مشاهدته عندما كان صغيراً. مشاهد القبلات التي طال انتظارها والمشاهد الرومانسية التي كان الكاهن قد فرض رقابته عليها خلال طفولته. يجلس اليوم، وقد كبر، في قاعة السينما يشاهد متحمساً ويبكي، كأنه يرى الموسيقى التصويرية لحياته. لا يمكن تخيّل المشهد الأخير من فيلم «سينما بارديسو» (1988) من دون دندنة موسيقى إينيو موريكوني (1928 ــــ 2020). كيف لنا أن نتخيل مقبرة «ساد هيل» بدون أوتار موريكوني الموسيقية التي دعمت المبارزة النهائية بين كلينت إيستوود وإيلاي والاش ولي فان كليف في «الجيد والسيئ والقبيح» (1966)؟ أفلام لن تكون نفسها من دون الموسيقى، وقصص لن تكون نفسها من دون إينيو موريكوني، وسينما لا يمكن أن تصلنا من دون موسيقى المايسترو. إرث موريكوني الخالد يقف كشاهد حقيقي على القوة الجبارة وأهمية الموسيقى في السينما.

من المؤكّد أن اسم موريكوني هو أول ما يتبادر إلى ذهن أي محبّ للفن السابع الذي يفكر في الموسيقى التصويرية. المايسترو الإيطالي وضع بصمته الموسيقية على أكثر من 400 فيلم على مدى ستة عقود. من غرب سيرجيو ليوني أو من السمفونيات الميتة لداريو أرجنتو وماريو بافا، إلى شاعرية ترانس ماليك ورعب جون كاربنتر ورحلات بيرنالدو بيرتولوتشي، وصولاً إلى سادية بيار باولو بازوليني، ورومانسية بيدرو المودوفار وجنون براين دي بالما، وعبقرية سامويل فولر ورصانة رومان بولانسكي، وعبثية كوانتن تارنتينو. موريكوني كان حاضراً معهم ومع كثيرين غيرهم، ليعطي للسينما وموسيقاها مفهوماً ثورياً. كتب أول قطعة موسيقية عندما كان يبلغ ست سنوات. بدأت رحلته العالمية في السينما عندما دعاه صديق الطفولة سيرجيو ليوني لتأليف موسيقى فيلمه «حفنة من الدولارات» (1964). حقق الفيلم، الذي أعاد تفسير الويسترن الهوليوودي برائحة ونكهة إيطالية، نجاحاً كبيراً، وكانت موسيقى المايسترو الإيطالي أحد أسباب نجاحها، فمن دون موسيقاه، كان الغرب ليكون هادئاً. تحاكي موسيقاه صفير السياط ووقع الحوافر. تضمنت نغماته ضجيج الأسلحة النارية. وقدّم شخصية كلينت إيستوود بدون اسم فقط من خلال لحن الصفير.
ألّف بعض أشهر أعماله من دون أن يرى مشهداً واحداً من الفيلم. يعرف موريكوني كيف يقرأ السيناريو بدقة شديدة، إلى درجة أن النغمات ترقص في رأسه خلال القراءة. كان يكفي أحياناً أن يخبره صديقه سيرجو ليوني بقصة فيلمه التالي حتى يضع موريكوني الموسيقى. مثلاً، في فيلم «حدث ذات مرة في الغرب» (1968)، تلقى ليوني الموسيقى قبل أن يشرع بالشريط حتى! لقد احتاج المخرج إلى الموسيقى كمحفّز له ولفريقه. انتهت العلاقة بينهما بالموت. حقيقة أنهما قادران على تطوير الأعمال السينمائية معاً، يرجع إلى فهم مشترك لتأثير السينما والموسيقى. كانا ينسقان إيقاع الصورة مع الصوت، ويمنحان مساحة كبيرة للموسيقى في المشاهد الطويلة والصور البانورامية للمناظر الطبيعية. وعندما كان ليوني ينتقل من لقطة واسعة إلى لقطة قريبة للغاية، تتحول موسيقى موريكوني من أوركسترا كبيرة إلى آلة منفردة.
لعب ليوني وموريكوني بأسطورة الغرب الأميركي، وقدّماها بمبالغة ساخرة. في السباغيتي ويسترن، قد يرتدي البطل والشرير قبعات رعاة البقر، وتترافق مكائدهما مع صوت إيطالي واضح. لم يكن هذا مضحكاً في الولايات المتحدة. غضبت هوليوود لأن الغرباء يصطادون في منطقتها. حُرم موريكوني من الاعتراف به هناك لفترة طويلة. رغم ترشحه لجائزة أوسكار خمس مرات؛ إلا أنّه كان يخرج دوماً خالي الوفاض. في عام 2007 عندما كان في منتصف السبعين، كرمته الأكاديمية أخيراً. وفي عام 2016 حصل على جائزة الأوسكار عن فيلم «البغيضون الثمانية» لكوانتن تارنتينو. رغم أن السباغيتي ويسترن هو الذي فتح الباب السينمائي لموريكوني، إلا أنه لم يسمح لنفسه أن يكون مقيداً بهذا النوع، بل إن خياله الموسيقي تجاوز ذلك، إلى وضع موسيقى أفلام ميلودراما، وعصابات، وحرب، وإثارة نفسية، وملاحم تاريخية، وأفلام وثائقية وكوميدية.
موريكوني ثوري لأنه غيّر عادات الاستماع لدى المشاهد. كان جزءاً من التطوير السينمائي، خاصة في إيطاليا. تطلبت سينما ماركو بيلوتشيو، وبرناردو بيتولوتشي وخاصة بيار باولو بازوليني لغة موسيقية معاصرة ثورية بشكل جذري، وكان هو رهانهم: هل سيقبل الجمهور الموسيقى والأصوات التي يصعب قبولها في قاعة الحفلات الموسيقية جنباً إلى جنب مع الجمالية السينمائية الجديدة؟ وكان رهانهم دائماً ناجحاً. موريكوني سيد الإثارة، يعرف كيفية صياغة موسيقى فيلم بإيجاز، يقوم ببنائها على مستوى عالٍ من الشك من خلال صوت جرس غير متوقع أو اختلال إيقاعي. في بعض الأحيان، كان يجذب الجمهور بذكاء إلى المسار الخاطئ كما في فيلم «الطائر ذو الريش الكريستالي» (1970)، أول فيلم إثارة «جيالو» (Giallo) لداريو أرجنتو، عن قاتلة سادية، بدأ فيه بالغناء بأصوات الأطفال. ثورية موريكوني جاءت من عدم رضاه عن الوظائف التقليدية لموسيقى الأفلام كصاحب بليغ للدراما أو كزيّ لحني يبطن أجواء وعصر الفيلم، لم يكن ذلك كافياً بالنسبة له. لم تكن موسيقاه مجرد خلفية صوتية، بل تعليق إيحائي، قدم فيه للمشاهد مستوى آخر من المعنى. كان حريصاً دائماً على تطوير نفسه مع الواقع السينمائي. لا يحب أن يكون وراء الصورة، أصر دائماً على استقلالية مؤلفاته التي لم تكن مجرد موسيقى تطبيقية، ولكنها كانت دائماً قادرة على تحرير نفسها. في سن الـ 75، قرر تقديم حفلات موسيقية من مؤلفاته السينمائية، كان هذا تحدياً جديداً ورهاناً ناجحاً وإثباتاً لاستقلالية مؤلفاته. فموسيقاه طوّرت قوة بصرية لا لبس فيها حتى من دون المشاهد المصاحبة لها.

لعب ليوني وموريكوني بأسطورة الغرب الأميركي، وقدّماها بمبالغة ساخرة


لم يذهب موريكوني أبداً إلى هوليوود. عاش ستين عاماً في نفس الشقة في روما، يستيقظ باكراً ويذهب للتنزه ويؤلف حتى بعد الظهر. يجمع أفكاره الموسيقية التي تتدفق مباشرة من رأسه إلى الورق. تسمع زوجته موسيقاه أولاً، وتعطي رأيها، وإن لم يعجبها يغيّر اللحن. يمكن أن نجد أن حياته مملة وروتينية، خاصة أنه كان دائماً بعيداً عن الأضواء والصحافة. ولكن الكثير الذي يدهشنا في السينما كما في الموسيقى، يأتي من عقود من الروتين، من مهارة التكرار والإعادة، والبقية من العبقرية. توفي موريكوني قبل أسبوع، تاركاً رسالة وداع قرأها محاميه علناً. بدأها «أنا، إينيو موريكوني، قد متّ» ووجه التحية لكل من يحبهم، مضيفاً: «هناك سبب واحد فقط وراء رغبتي في أن تقتصر الجنازة على دائرة ضيقة. كل ما هنالك أنني لا أرغب في إزعاج أحد». رسالة وداع تناسب تماماً شخصيته.