وسط الصورة القاتمة لأوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات، تحديداً في عام 1950، لاحت أضواء خافتة على خشبة مسرح «نوكتامبول» في العاصمة الفرنسية باريس، معلنةً بدء العرض الأول لمسرحية «المغنية الصلعاء» ليوجين يونسكو. يومها، استوقفت عبارة «فلنعد إلى حياتنا الأولى التي كنَا نحياها من قبل» الجمهور، الذي كان تواقاً إلى التغيير، وأحدثت وقعاً في النفوس. في تلك الفترة، وُلدت نتيجة الدمار والحروب حركة السريالية الفنية التي هدمت القواعد المنطقية المتداولة للجمال، وتعزز أكثر مسرح العبث واللامعقول. الصورة اليوم ليست بعيدة عن صورة أوروبا في منتصف القرن الماضي. فهل سيولد مسرح جديد في خضم الأزمات التي تعيشها البشرية جراء فيروس كورونا؟ وهل الأحداث والمتغيرات التي نعيشها ستؤثر على المسرح، أم أنّ المسرح سيكون عاملاً مؤثراً في المجتمع؟ وأين المسرح اللبناني من كل ما يحصل من متغيرات؟

تشير التجربة إلى أن الثورات والأحداث الكبرى تؤسس فناً جديداً، لكن فرنسيس كلينجندر يتفحص العلاقات القائمة بين الإنتاج التصويري والثورة الصناعية التي بدأت منذ القرن الثامن عشر بصورة مختلفة، فيرى أن الأعمال الفنية أسهمت في هذه الثورة أكثر مما كانت انعكاساً لها، وأن الفنانين كانوا مشاركين فاعلين في سيرورة التغيير.
عكس كلينجندر، يرى أرنولد هاوزر، أن الأعمال الفنية انعكاس للظروف الاقتصادية والاجتماعية، فقد أتى الفن في عصر النهضة تعبيراً عن الأزمة الدينية والسياسية والثقافية آنذاك. في السياق نفسه، يعتبر جان دوفينو أن المراحل الكبرى في تاريخ المسرح، تتماشى مع التحولات الكبرى في المجتمع، على سبيل المثال: يعبر كتّاب المسرحيات من خلال أبطال وهميين، عن القلق حيال التحولات والتغيرات الاجتماعية.
من هنا تأتي الأسئلة حول المتغيرات التي ستصيب المسرح في العالم، ما الذي ستطرحه العروض بعد حين؟ وهل سيطال التغيير الشكل المسرحي أم فقط المضمون؟ ما يهمنا من ذلك، هل المسرح اللبناني سيتمكن من اللحاق بركب المتغيرات، في وقت لا يزال يتخبط بدوامة الأشكال المسرحية المعاصرة التي بدأت في خمسينيات القرن الماضي في أوروبا؟ أسئلة قد يكون من المبكر الإجابة عنها، إذ إن عملية التغيير في المسرح تحتاج إلى عقود من الزمن وتكون بشكل تدريجي، لتولد عملية الإبداع المسرحي على هيئة جديدة. اليوم، كيف ستنعكس التطورات الكبيرة في ما يخص جائحة كورونا على إعادة فتح المسارح في العاصمة بيروت؟
عادةً، يكون شهر تموز (يوليو) غير حافل بالنشاط المسرحي. غير أنه في المدى المنظور، يتوقع أن تعلن وزارة الداخلية إعادة فتح المسارح في لبنان مع مراعاة الشروط الوقائية. وبالتالي، أخذت بعض الجهات على عاتقها التحضير لإقامة عروض وجدولتها في مواعيد ابتداءً من منتصف تموز، إلى حين إقرار إعادة فتح المسارح أمام الجمهور بشكل رسمي.
«مسرح المدينة» سيكون السباق إلى إعادة فتح أبوابه أمام الجمهور، ضمن «هيصة المدينة ــــ غناء طرب وموسيقى» (14 تموز) مع بديع أبو شقرا، زياد سحاب، حنين، خالد العبد الله، ألين لحود وغيرهم. إلا أن الماسك إلزامي لدخول الحفل الذي سيكون مجانياً. كما سيتم مجدداً تقديم العرض المسرحي لمحمد دايخ «عم يقولوا إسماعيل انتحر» في 25 و 28 تموز. وفي آب (أغسطس) المقبل، سيقدم شادي الهبر ومايا سبعلي مسرحيتهما «درج» ابتداءً من 13 آب المقبل.
مع إعادة فتح «مسرح المدينة»، سيبقى «مسرح الجميزة» موصداً أبوابه حتى إشعار آخر، ولن يتم تقديم أي عروض خلال الفترة المقبلة.
على خشبة «مسرح مونو»، كانت جوزيان بولس قد أبقت ديكور مسرحيتها «صبحية»، لكن إدارة المسرح لم تتّخذ قرار الفتح بعد، وليس لديها جدول عروض حتى اليوم، بل إنّها تتريث للإعلان عن فتح المسرح.
من جهته، لم يجر مسرح «دوار الشمس» أي جدولة للعروض بعد، في انتظار قرار رسمي من وزارة الداخلية يسمح بإعادة الفتح، إلا أنّ فضاءه مفتوح لبعض التمارين المسرحية الخاصة ببعض الفنانيين والمحترفين. فيما الوضع على هذا النحو، أعلن «مسرح شغل بيت» إطلاق ورشة عمل التمثيل والإخراج بعنوان «عَ المسرح» من إعداد وتدريب شادي الهبر ومايا سبعلي، انطلقت أول من أمس.

«مسرح المدينة» سيكون السباق إلى إعادة فتح أبوابه ضمن «هيصة المدينة»


مع إعادة فتح المسارح، لن تكون مشاهدة المسرح كما كانت عليه من قبل، إذ سيتم اتخاذ جميع التدابير التي تستوفي الشروط الصحية المتعلقة بفيروس كورونا المستجد، بما فيها مراعاة التباعد الاجتماعي من شبابيك التذاكر وحتى مقاعد المسرح التي سيُفرض عليها استيعاب عدد أقل من الجمهور (يراوح بين 30% و50%). أدوات التعقيم ستكون على كلّ منفذ. أما ارتداء الكمامات، قد أصبح إلزامياً في قاعات المسارح المغلقة.
وسط هذه الإجراءات، هل ستقف الأزمة عند هذا الحد خلال المرحلة المقبلة؟ عدد من المخرجين اللبنانيين، أكدوا لـ «الأخبار» أنهم لا يفكرون بتاتاً في الفترة الراهنة في إعادة إحياء عروضهم السابقة في ظل أزمة يعيشها كل من: المخرج، المتفرج وإدارة المسرح، على حد سواء. الأزمات الاقتصادية والأمنية والصحية في البلد تلقي بثقلها على كل الأطراف، فأي جمهور سيملأ المقاعد المحدودة؟ وأي ربح سيجنيه المخرجون والممثلون؟ ومن سيستقل سيارته ويذهب لحضور مسرحية ما؟ وأي مخرج سيتطلع لمقاومة التحديات؟ وأي مسرح ستُملأ مقاعده مجدداً كما كانت الحياة من قبل.