دخلت الأحصنة ذات يوم مطار بيروت الخالي، حيث لا مسافرين ولا وافدين. وصلتنا هذه الزيارة من صورة لحصان يعبر بمفرده في فضاء ليس فيه إشارة إلى زمن محدّد. خلاء كهذا ينطوي على كارثة تسبّبت ربما في اختفاء الناس من المكان. لدى الرجوع إلى تاريخها سنة 1980 في مدينة بيروت، تحضرنا الحرب الأهليّة. هربت الأحصنة تحت القصف من محلّ إقامتها في سباق الخيل. قطعت معابر كثيرة قبل وصولها إلى المطار. وهناك التقطها المصوّر اللبناني جورج سمرجيان. حلّت الكارثة أخيراً. مقابل نظرات البشر الحائرة تجاه وباء كورونا، وصلتنا صور كثيرة تتحدّث عن شعور بالحريّة تعيشه الحيوانات. تمدّدت البقع البرّية وبلغت الإسفلت، وأقرب منها أعتاب المنازل. أسراب من الطيور لم تُرَ من قبل عادت وأطالت إقامتها في السماء، وأسود نجت من المثول أمام سيارات رحلات السفاري السياحيّة، لكنها لم تنجُ من النظرة البشريّة. الانفلات الحيواني المؤقّت، سقط في قبضة عدسات الكاميرا مجدّداً. الكلّ تهافت على تصوير الحيوانات التي لم تعُد رؤيتها خارج مساحتها أمراً معتاداً، باستثناء الحيوانات الأليفة. قد تبدو هذه اللقطات مختلفة في الظاهر، لكنها تشترك بفكرة موجّهة تقوم على ثنائيّة البريّة والتمدّن، حيزَيّ الحيواني والبشري، وبينهما أعيننا الدهِشة التي لا تنفكّ تباعد بين هاتين البقعتين. بعدما أغلقت المتاحف أبوابها أمام الناس، وصلتها الحيوانات قبل أسابيع في زيارة أسدتها ثلاثة بطاريق (بابلز، ماغي، وبيركلي) إلى متحف «نلسون آتكينز للفنون» في كانساس سيتي الأميركيّة بدعوة من إدارة المتحف. في نهاية الجولة، لوحظ أن البطاريق فضّلت لوحة كارافاجيو على لوحة مونيه، بعكس ما كان متوقّعاً. فقد أطالت الوقوف أمامها. ومما جاء في القصّة المنشورة أيضاً أن البطاريق استُقدمت من حديقة الحيوانات المجاورة.
«لماذا ننظر إلى الحيوانات؟» سؤال طرحه جون بيرجر في مقالة توقّف فيها عند السياقات الواقعيّة والمتخيّلة لهذه النظرة


الحادثة بعناصرها كافّة تشكّل عبوراً رمزيّاً لهذه البطاريق، من موقع التلقّي السلبي لنظرات زوّار الحديقة، حيث كانت تحيا، إلى موقع من يُطلق النظرات على أعمال المتحف أمام غياب كلّي للبشر. تم تداول الزيارة كنكتة، إلّا أنها تقلب مساراً طويلاً من سلطة النظر البشرية على الحيوان منذ جداريات الكهوف الأولى.

ولادة الفرجة وموت الحيوانات
«لماذا ننظر إلى الحيوانات؟» سؤال أوّلي طرحه جون بيرجر في مقالة طويلة توقّف فيها عند السياقات الواقعيّة والمتخيّلة لهذه النظرة. إلى جانب دورها الاقتصادي والإنتاجي، سكنت هذه الكائنات الخيال البشري باكراً. لم تكن القطعان والمواشي مجرّد آلة لحم وحليب وجلود، فقد لعبت دوراً في إطفاء قلق القبائل التي استخدمتها للسحر والشعوذة. «الحيوان هو استعارة الإنسان الأولى»، حضورها يسدّ قلقاً، ويؤنس الإنسان في وجوده على الأرض. ينطلق بيرجر من الفارق الأساسي بين الكائنين المتمثّل في «قدرة الإنسان على التفكير الرمزي الذي يصنع أيضاً علاقتهما معاً».
حمل القرن التاسع عشر تغيّرات جذريّة في هذه العلاقة نتيجة ظروف اقتصادية وثقافيّة وسياسيّة، انتهت باختفاء الحيوانات من الحياة. يركّز الناقد البريطاني على هذا التحوّل بالتحديد، ويمرّ سريعاً على بعض الظروف التي أدّت إليه. بعد استخدامها كآلات خلال الثورة الصناعيّة، انحصرت وظيفتها لاحقاً بموادها الخام مثل اللحم، لتقع أخيراً في حدائق الحيوان.

خلال جولة البطاريق في متحف «نلسون آتكينز للفنون» (تصوير غايب هوبكينز)

بعيداً عن الدور العلمي الذي لعبته حدائق الحيوانات الأولى لدى الإغريق، حيث كانت تُستخدم في الدراسات العلمية، أدّت حدائق الحيوانات في العواصم الأوروبيّة خلال القرن التاسع عشر دوراً مختلفاً تماماً. صحيح أن الحدائق الإغريقية كانت سبّاقة في تنظيم عملية النظر إلى الحيوانات مقابل بدل مادّي، إلّا أنها شكّلت في أوروبا واحداً من صروح الترفيه والتثقيف الأخرى مثل المسارح ودور الأوبرا... إنها كما يقول بيرجر «جزء من أيديولوجيا إمبريالية تسوّق لفكرة التحضّر، كسواها من المؤسسات المتحفيّة» فيها تلتقي علاقات سلطويّة متعدّدة. عادة ما تقتطع الحيوانات الإكزوتيكية من موطنها الأصلي، ويؤتى بها كغنائم من البلدان المستعمرة أو كهدايا يتبادلها الملوك. المفارقة التي يلتقطها بيرجر، هي أن استبعاد الحيوانات الواقعي والاستغناء عنها، تزامنا مع تثبيتها ضمن إطار جديد هو حديقة الحيوان. غياب أعلن في الوقت نفسه اجتياح الحيوانات المتخيّلة للأفلام والألعاب والصور والإعلانات والإيموجيز وفيديوهات اليوتيوب والإنستغرام في العصر الحديث. رأينا اقتراحات خياليّة لا تعدّ ولا تحصى في إنتاجات شركة «ديزني»، وفي ألعاب الأطفال التي اكتست بوَبر وصوف الحيوانات الحقيقي. جاءت حدائق الحيوانات لتعلن ولادة وموتاً في الوقت نفسه: ولادة لحيوانات خيالية في سياق الفرجة، فيما شكّلت الحيوانات «نصباً حيّة لموتها» داخل الأقفاص حيث تقبع أمام نظرات الناس. ومن تبقّى له حريّة التنقّل في الغابات، طاردته كاميرات الأفلام الوثائقية والعلميّة.

السلطة والإمتاع في الجثث الحيوانية
بلغت الفرجة على جسد الحيوان الميّت مظاهر متطرّفة في العصر الروماني. في المدن الرومانية، لم تكتفِ الجموع بالتفرّج على حالة الجثث النهائية، بل انخرطت في مشاهدات جماعيّة لقتلها وذبحها، في حفلات يرعاها وينظّمها رجال الدولة والسياسيون من أجل إمتاع المواطنين والحفاظ على تأييدهم. انصرف العديد من المتخصّصين إلى دراسة هذه الظاهرة، مجمعين في النهاية، رغم تنوّع الفرضيات، على أشكال متعدّدة من السلطات التي تتجلّى في هذه الطقوس الدمويّة. معظم تلك الحيوانات تنتمي إلى فصائل غريبة، لهذا كان قتلها يعزّز من الشعور الجماعي بقوّة الإمبراطورية ضد الأعداء والغرباء. إنها تمنح قتل الكائنات الضعيفة شرعيّةً.
حصان هارب يتجوّل في قاعة المغادرة في مطار بيروت الخالي عام 1980 للمصوّر اللبناني جورج سمرجيان

كما أن ممارسة كهذه، كانت تؤكّد على ثروة الإمبراطورية من خلال قتل حيوانات نادرة وباهظة الثمن. السلطة على الحيوانات الميّتة لا تزال مستمرّة حتى الآن، وإن اختلفت الأدوات مثلاً، وتمّ استبدال العين بالكاميرا. باتت الآلة تستعير القتل، وتبدو واحدة من مراحل تطوّر الصيد. ذلك لا يحصل بفوّهتين تطلّان على فريسة. بدلاً من مطاردة الغزالة أو الفيل ببندقيّة، تتم ملاحقتهما بالكاميرا. ولكي ينجح فعل التصوير أو القتل، على الحيوانات أن تكون غافلة تماماً. حالة السهو هذه، ظهرت على وجه غزالة في أولى صور الحيوانات سنة 1892 للمصوّر الأميركي جورج شيراز. تنبّه شيراز لهذه المفارقة، وأطلق على نفسه لقب صائد الصور. تستحضر هذه الصورة علاقة راسخة بين التصوير والصيد. في لوحات الكهوف الأولى، عمدت معظم هذه الأعمال، منها ما رسم بدم الحيوانات المقتولة، إلى تصوير جثثها، أكان في جداريات لعمليات صيد، أو بعض الخطوات التي ينبغي للصيّاد اعتمادها من أجل نجاح القبض على الحيوان. مع مرور القرون، اخترع الإنسان تعليمات جديدة، لا لصيد الحيوانات، بل لتصوير جسدها الميّت بعد قتلها: «عليك أن تثني أرجل الحيوان، وتتركه في وضعيّة الاستلقاء. أو أذنيه ولفّ رأسه حتى يبدو عمودياً على طول جسده. تأكد من عدم وجود أغصان قد تشتّت المشهد». يمكن العثور على تعليمات كهذه في أي دليل تعليمي لكيفية تصوير جثث الحيوانات بعد الانتهاء من علميات الصيد الرياضي. ظهرت هذه الرياضة الدموية في المستعمرات البريطانية في أفريقيا خلال القرن التاسع عشر، وما زالت تستقطب سنوياً رجالاً ونساء أثرياء من أوروبا إلى القارّة الأفريقية، لاقتناص الحيوانات البريّة للتسلية، منها تلك المهدّدة بالانقراض.
وجد استعراض الحيوانات الميّتة طريقه إلى الفن المعاصر، من خلال أعمال داميان هيرست


بالنسبة إلى هؤلاء، لا يكتمل جسد الفريسة الميت ما لم ينتهِ أخيراً بصورة. ولا ينجح صيدها ما لم يتمّ استعراض البطولات بلقطات تخلّد نجاح الصيد. هكذا يتصوّرون بجوار جثثها مع بنادقهم وقبعاتهم البريّة في لقطات مكرّرة، فقط تتبدّل فيها الوجوه. ومن أجل إتمام العمليّة إلى آخرها، يقطع رأس الفريسة ويعلّق على جدران منازلهم للزينة.
وجد استعراض الحيوانات الميّتة طريقه إلى الفن المعاصر، من خلال أعمال «نجم» الفن البريطاني داميان هيرست. في معارضه، نقع على رؤوس لأبقار مقطوعة، وجثث تسبح في أوعية زجاجية عملاقة مليئة بالسوائل. نشير هنا إلى سلسلته «الاستحالة الفيزيائية للموت في ذهن الأحياء» التي بدأت سنة 1992، وجعلت من هيرست واحداً من أكثر الفنانين ثراء وأشهرهم عالمياً. بدأت السلسلة بأكواريوم مغلق بداخله جثّة قرش ميّت، لتتوالى بعدها الحيوانات الميتة الأخرى بالظهور في أقفاصه المائية: حمار وحشي ونعاج ورؤوس بقر. من هذا التجسيد المباشر، دفع هيرست بالفرجة إلى حدودها القصوى. اختبر أسلوباً جديداً وفجّاً في العرض، مبدّداً المسافة بين الفكرة والمادة المعروضة وتمثيلها. مع تكرار هذه الأعمال التي راح هيرست ينجزها ويعدّلها نزولاً عند طلب الزبائن، أفرغت فكرته الفلسفيّة من معناها. إذا كان قد نجح في عمله الأول من السلسلة في تظهير استحالة غياب الموتى، فإنه بدّد وقع الموت لاحقاً.

من تجهيز «هيلينا» (2000) للفنان التشيلي ماركو إيفاريستي

النظر إلى النتيجة النهائية لأعمال هيرست، لا يكفي وحده لكي نتنبّه إلى ذلك. ينبغي تتبّع الرحلة الطويلة التي تسبق كل ذلك. يستعين الفنان بأشهر صيّادي الحيوانات البريّة والأسماك من أجل الحصول على جثث الحيوانات، التي يبلغ سعرها في النهاية ملايين الدولارات، في حين تجاوز عدد الحيوانات والحشرات المقتولة في أعماله مليون كائن حي كما تشير بعض الإحصاءات. إنها الحيوانات الميّتة نفسها، الرؤوس والجثث والبنادق أيضاً. الفارق أنها تُعرض في أشهر المتاحف والغاليريهات في العالم، والتي تُوجّهنا من دون أن تقول شيئاً. بمجرّد أن تعرض عملاً ما داخلها، تدفعنا إلى رؤية ما أمامنا على أنه عمل فنيّ، ولو كان وعاء للمال والسلطة، والاستهلاك والحيوانات المقتولة كما في أعمال هيرست التي أثارت نقاشاً أخلاقياً طويلاً عمّا إذا كان الفن مبرّراً كافياً لقتل الحيوانات. ضمن هذا النقاش الفني الأخلاقي، قدّم الفنان التشيلي ماركو إيفاريستي تجهيزه «هيلينا» سنة 2000. يشتمل العمل على عشرة خلاطات مولينيكس تسبح في كلّ منها سمكة ذهبيّة. وبوضعها في فضاء الغاليري، منح إيفاريستي الزوّار حقّ تقرير مصير السمكة. عليهم إما أن يشغّلوا الخلّاط فتتقطع السمكة أو أن يدعوها تحيا. العمل الصادم عرّض مدير المتحف الدنماركي للمحاكمة بعد المعرض، إلّا أن بعضهم دافع عن حقّ الفنان في عرض عمله الذي يقدّم نقداً، ولو دموياً لكل المجازر المرتكبة بحقّ الحيوانات، مسائلاً سلطة الإنسان عليها. لكن هل كان على المتفرّجين أن يصنعوا بأنفسهم شوربة السمك لكي يصل إيفاريستي إلى فكرته؟