مستغربٌ أن تقوم بإنشاءِ مجلّةٍ تُعنى بحفظ الأرشيف. قد يسأل كثيرون: أهناك مجلةٌ للأرشيف في العالم العربي؟ نعم: هناك «أرشيفو». أن يكون لديك مطبوعةٌ ورقية تتحدّث عن الأرشيف في هذا العصر الذي لا يعرف فيه كثيرون أهمية الأرشيف، وفي عصر اضمحلال - وإن ببطء - صناعة المجلات الورقية، فهذا يعني أن مشروعك الثقافي حالةٌ خاصة للغاية؛ يجدر الحديث عنها. تأتي «أرشيفو» بحسب تعريفها في صفحتها الثانية: «مجلةٌ فصليةٌ تصدر عن «مركز أوال للدراسات والتوثيق»، تُعنى بقضايا الأرشيف، تنطلق من البحرين إلى الخليج إلى العالم العربي وخارجه». يشرح التعريف كيف أنَّ المجلة تُعنى بالأرشيف، وتهتمّ بمتابعته، وقضاياه: بدءاً من البحرين مقرّ انطلاق «مركز أوال للدراسات والتوثيق» (والكلمة «أوال» تعني أول اسم لأرض البحرين وهي بتبسيطها تعني «الأولى»)؛ أما «أرشيفو» فتعني «أرشيف» بالبرتغاليّة. ولأنَّ التاسع من حزيران (يونيو) يوافق اليوم العالمي للأرشيف، أصرت «أرشيفو» (وأوال كدار منتج) كعادتها من كل عام على الاحتفال بهذا اليوم، معيدةً إطلاق عددها «الثاني عشر» لتقديمه في هذه المناسبة.
كل أعداد المجلّة السابقة متاحة إلكترونيّاً بطريقة ممنهجة


يحدّثنا المدير التنفيذي لمركز «أوال» محمد ناصر عن الفكرة: «في التاسع من حزيران سنة 2016، انطلق العدد الأوّل من مجلة «أرشيفو» ضمن «احتفالية» حملت عنوان أو ثيمة: «الأرشيف: العدم والوجود» وتم إطلاقه آنذاك في «مكتبة أنطوان» في بيروت. اليوم بعد مرور أربع سنوات على ذلك الإطلاق، قرّرنا الاحتفال به هذا العام بطريقة مختلفة؛ ولكن للأسف جاء احتفالنا افتراضياً بمجمله (virtual) بسبب ظروف جائحة كورونا؛ لكن ذلك لم يمنعنا من القيام بالنشاط بكلّيته: فاخترنا ثيمة هذا العام وعنوانها: «الجدات والأمل المصون»، في إشارة إلى دور الجدات في حفظ التراث وخصوصاً البحريني. عملت الجدّات الأول في البحرين في تعليم القرآن ضمن كتابات/ أماكن خاصة. أما أنشطتنا فكانت: إعادة إطلاق محرك «أوال»، وهو محرك بحث إلكتروني يتيح مئة ألف وثيقة للمهتمّين بالشأن البحريني ويتيح لهم البحث فيها. ثانياً، نظّمنا ورشة أونلاين حول كيفية كتابة سِيَرْ الجدات؛ استمرّت على مدى ثلاثة أيام، ولاقت تفاعلاً كبيراً ضمن المتخصصين والمهتمين بهذا الشأن. وأيضاً أعدنا إطلاق العدد 12 من مجلّة «أرشيفو» لتكون ضمن إصدارات هذا العام؛ خصوصاً أنّه سنوياً يصدر من المجلة ثلاثة أعداد». لكن قبل هذا، يحتاج القارئ ليعرف أكثر عن مجلّة «أرشيفو»، خصوصاً أن الفكرة بشكلٍ أو بآخر غير مطروقة كثيراً في العالم العربي، إذ ليس هناك تقريباً تجارب مشابهة، إلّا لربما داخلياً، أو فيما ندر. يوضح ناصر لنا: «تحاول المجلّة أن تقدّم الأرشيف والذاكرة والوثيقة والقصة بطريقة مختلفة. هي لا تقدّم الأرشيف في قالب أكاديمي منهك لا يفهمه إلّا المتخصّص، بل بطريقة سهلة بسيطة يستطيع أيّ قارئ تلقّف هذا الأرشيف وفهمه وفهم كيفية استخدامه. في الوقت عينه، نقدّم للمتخصّص والمهتم بشكل جدي بالأرشيف مادةً جديدةً وفريدة من نوعها. لدينا أبواب عدّة في المجلة مثل: الدراسات، والحوارات، والمقابلات، والرسائل، مراجعات الكتب. وقد حاولت المجلة أن تحفظ وتسلّط الضوء على شخصيات اهتمّت بالأرشيف، وهنا نتحدّث عن مؤرخين استفادوا من الأرشيف في عملهم. تحفظ المجلة ـــ بمعنى تكتب وتؤرخ ــــ مراكز الأرشيف مثل «دار النمر»، و«مركز الدراسات الفلسطينية»، ومركز الأرشيف في «جريدة النهار»، أو «السفير»، و«المكتبة الشرقية»، و«مجلس حفظ الأرشيف الدولي»، أو مراكز الأرشيف في دول مثل كندا وبريطانيا وأميركا. تحاول الإضاءة على كلّ ما يربط الأرشيف بالإنسان، وفي الإطار عينه تسعى إلى تحرير الأرشيف من قوالبه القديمة لتقديمه إلى الناس بشكل مباشر. باختصار، نحن ننزع الأرشيف من الرؤية السلطوية أو من رواية السلطة للأرشيف، لنقدّم قصص الناس وحكاياتهم». إنها بالتأكيد جهود كبيرة في مجالٍ لا جهد فيه خصوصاً عربياً. ففي حين تهتمّ المؤسسات الغربية بالأرشيف والذكريات والمذكّرات، إلّا أنّ المؤسّسات والأنظمة العربية تبدو بعيدةً عن هذا المنظور. لكن كيف يمكن للمتابع أو المهتم بهذا الشأن أن يحصل على «أرشيفو» أو أعدادها القديمة؟ يؤكّد المدير التنفيذي لـ«أوال» أن الأمر متاحٌ وبسيط: «مجلة «أرشيفو» تصدر بشكل فصلي، وأعدادها متاحة إلكترونيّاً، فهي موجودة على مدونة خاصة ومرتبة بطريقة ممنهجة حيث يمكن البحث وفق المواد أو الأبواب والكاتب والموضوعات. تحوي هذه المدونة أكثر من مئة وخمسين مادة أنتجتها المؤسسة عبر كتّاب تعاونوا معها، أو ضمن الموضوعات التي تقدّمها، فنحن إذاً نتحدث عن موقع متخصّص يهتمّ بالأرشيف والذاكرة، لم نجد له شبيهاً في العالم العربي، وهو متوافر بشكل مجاني، ويتيح تحميل الملفات على شكل «بي. دي. أف»، ومشاركتها على جميع مواقع التواصل الاجتماعي. وبالتأكيد، هنا يجب أن نقول: نحن نعمل على تطوير المدوّنة ومحرّك البحث الذي تحدثنا عنه». هنا يأتي سؤال آخر عما إذا كانت ستكمل المجلّة بهذا الشكل، أم أنّ حركتها ستتغير، خصوصاً مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها المنطقة والعالم. لكن ناصر يؤكّد أن المشروع مستمرّ، فهو «لحفظ» البلاد وتاريخها، وليس مجرّد مشروع عابر: «تبقى المجلّة نشاطاً من أنشطة المركز في حفظ الذاكرة والتاريخ، تاريخ البحرين بداية، ثم الخليج ثم تاريخ المنطقة ككل. يجب على هذه المجلّة أن تبقى مستمرّة، عليها أن تصوّر الذاكرة من خلال العمل في كلّ عدد على ثيمة معينة. لربما لاحقاً علينا أن نعمل على حفظ أرشيف المدن، خاصةً المدن العربية التي تحتاج لأن نحفظ قصصها وحكاياتها وحركتها».
وبالعودة إلى مشاريع المركز و«أرشيفو»، هل نشرت المجلّة/ المركز إصداراتٍ تُعنى بهذه الذاكرة؟ يشير ناصر: «في ما يخصّ موضوع الذاكرة والأرشيف، فإنّ المركز مستمر في حفظ ذاكرة الجدّات والذاكرة الشعبية عبر الشخصيات ذات الوثائق والمهن القديمة. هنا نشير إلى أن المركز قد أطلق أربعة إصدارات عن قصص للجدات كنّ يقمن بتعليم القرآن في البحرين. كما صدرت موسوعة مصوّرة حول مهنة صيد اللؤلؤ أو ما يسمّى في البحرين بـ«الطواش». ويُظهر الكتاب الصراع ما بين البحّار وصيد اللؤلؤ، وكيف تتم إدارة هذا الأمر سواء لناحية بيعه وما شابه. كما يقارب كيفية دخول النفط إلى البحرين، ما غيّر في طبيعة المهنة وواقعها والحركة التجارية والصناعية حول الطوّاش».
باختصار، هو عملٌ ثقافي مختلف، يكمن في الحفاظ على تاريخ المنطقة، تاريخٌ يبدو أنه بحاجة ملحّة للحفظ، خصوصاً مع المحو المستمر للذاكرة الشعبية/ الشفوية التي يبدو أنّها آخذة في التآكل جرّاء الظروف المتعاقبة على المنطقة.

http://awalcentre.com/Archivo