توفي أمس في مدينة لوس أنجليس الأميركية، الروائي الإسباني كارلوس زافون (1964- 2020) إثر مرض عضال، تاركاً رباعيته «مقبرة الكتب المنسية» في ضمير ملايين القرّاء في العالم. منذ أن صدرت روايته الأولى «ظل الريح»، وضع كارلوس زافون اسمه بين أكثر الكتّاب مبيعاً في العالم. تُرجمت روايته إلى 40 لغة (من بينها العربية عن «منشورات الجمل» وغيرها) بملايين النسخ، وهو ما لم تحظَ به رواية إسبانية أخرى، عدا أمّ الروايات «دون كيخوته» لسرفانتس. الرباعية التي حملت عناوين «ظل الريح» و«لعبة الملاك» و«سجين السماء» و«متاهة الأرواح» متاهة سردية مثقلة بالوقائع المثيرة على خلفية بوليسية، ونبرة شعرية تختزن طبقات من الصراع بين شخصيات هذا العمل الذي ينطوي على فضح المرحلة الفرانكوية، وأذيال الحرب الأهلية الإسبانية وتأثيرها على مصائر وسلوكات البشر.

لكن زافون كروائي إسباني معاصر، سيضع يده بخفة على ميراث أسلافه ملخّصاً المدوّنة الروائية في فضاء واحد ومتاهاتٍ متعددة بأسلوبه الشخصي، لكن هذه الكتابة المراوغة لن تمنعنا من اكتشاف مرجعياته بدءاً من جدّه الأول سرفانتس لجهة المغامرة والشغف بالكتب والفروسية، مروراً بغابرييل غارسيا ماركيز في تحفته «مائة عام من العزلة». هكذا يفتتح روايته «ظل الريح» بالجملة التالية: «لن أنسى أبداً ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى مقبرة الكتب المنسيّة. حدث الأمر في أوائل صيف عام 1945»، محيلاً إيانا إلى مطلع رواية ماركيز: «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الإعدام، تذكّر الكولونيل أورليانو بوينديا، عصر ذلك اليوم البعيد، الذي اصطحبه فيه أبوه، كي يتعرف على الجليد». في «مقبرة الكتب المنسية»، يقول الصبي دانيال سيمبيري: «تجوّلت في تلك المتاهة واستنشقت عبق الصفحات القديمة والسحر والغبار لنصف ساعة. وتركت يدي تلامس ظهر الكتب المرتبة في صفوف طويلة، متكلاً في خياري على حاسة اللمس». حاسة اللمس نفسها التي كان يستنفرها دون سواها أعمى مثل خورخي بورخيس وهو غارق في متاهته الأزلية. كما ستتكشّف الحكاية تدريجاً عن وقائع بوليسية ومطاردات وألغاز، كتلك التي صادفناها في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، بخصوص الكتاب المسموم، إذ يستبدله روائينا بكتاب شيطاني عنوانه «ظل الريح» لمؤلف مجهول يدعى خوليان كاراكس. طبقات من التناص الذكي، يحبكها كارلوس زافون بمهارة، مستخدماً بنية الدمية الروسية في الحكايات المتوالدة، على غرار البنية السردية الموجودة في «ظل الريح». في روايته اللاحقة «لعبة الملاك»، سوف يستكمل الابن اللعبة، ويختار كتاب «توقعات عظيمة» لتشارلز ديكنز، ليدخل في متاهة أخرى. شخصيات مهووسة بالكتب والمغامرة تجذبنا بمغناطيس سحري إلى عالمها الداخلي كمختبر للعاطفة وقصص الحب، فيما تثقل القبضة البوليسية وأجواء الخوف والكراهية والريبة، على أرواح الشخصيات في ظلّ المرحلة الفرانكوية، وصعود الفاشية، خمسينيات القرن المنصرم من جهة ثانية. وسوف يختزل أحوال الكوكب اليوم في حوارٍ أخير معه قائلاً: «لن يُفنى العالم بسبب قنبلة نووية، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة».