لطالما كانت حرب التحرير الوطنية ومناهضة الاستعمار في قلب الرواية الوطنية الجزائرية. تعد هذه العناصر من ضمن أسس الوعي الوطني وهي بمثابة قواعد لذاكرتنا التاريخية التي لا تزال قيد الترميم. لكنها أيضاً أدوات استثمار سياسي لتشريع الذات. ترجع هذه القضايا بشكل دوري في الخطابات الرسمية، لكن الواقع غالباً ما يعارضها. ألم يلتزم الجانب الجزائري الصمت عقب اعترافات الجنرال اسارس بالتعذيب؟ ألم يسد هذا الصمت أيضاً بعد جدل الجماجم الذي أججته عريضة لاقت مساندة ما يقرب ثلاثين ألف شخص؟ وُجهت هذه العريضة إلى السلطات الفرنسية، مطالبةً إياها بإعادة جماجم شهداء ثورة الزعاطشة إلى وطنهم. على الرغم من الصدى الواسع للقضية والتأثير الدولي الذي عرفته بالإضافة الى التزام الرئيس الفرنسي بإعادتها، إلا أن الجماجم لا تزال في صناديق أحذية داخل خزائن معدنية في «متحف الإنسان» في باريس.

أما بالنسبة إلى الجانب الفرنسي، فلم يتم الإعتراف قانونياً بالحرب في الجزئر إلا عام 1999، بحيث حلت هذه الكلمة محل «الأحداث». بعد حوالي 18 عاماً، وصف إيمانويل ماكرون خلال زيارة للجزائر الاستعمار بالجريمة ضد الإنسانية. كان آنذاك مرشحاً رئاسياً. منذ ذلك الحين، تم فعلاً الاعتراف بوفاة موريس أودين تحت التعذيب كجريمة دولة، كما تم تقديم اعتذار رسمي لأرملته. أما بالنسبة إلى جرائم الاستعمار الأخرى، فهي ليست في البرنامج حتى الآن. بل يمكننا القول بأنها أقل من أي وقت مضى. هل يجب تناول واجب الذاكرة من المنطق القانوني أو من باب حسن النية السياسية؟
بالنسبة إلى الاحتمال الأول، فإن الطريق معقد من الناحية التقنية نظرا لِـ:
1: قانون 24 يوليو 1968 المتعلق بالعفو عن «الأفعال» التي ارتُكبت في الجزائر
2: المبدأ الأساسي الذي يقضي بعدم رجعية القوانين الجنائية الفرنسية التي قننت في عام 1994 بالتحديد الجريمة ضد الإنسانية. فالسؤال الذي يطرح هو: هل تسقط الجرائم ضد الإنسانية بالتقادم؟ هل الإشارة إلى القانون الفرنسي مناسبة في هذه الأحوال؟
أما بالنسبة إلى الاحتمال الثاني، فبعض الوقائع التي تبدو مستقلة ظاهرياً، تدفعنا للتساؤل عن الرهانات الحقيقية: إتلاف جزء من أرشيف جبهة التحرير الوطني، إخفاء جزء من الأرشيف الفرنسي للفترة الاستعمارية، قضية استعادة الجماجم الجزائرية من «متحف الإنسان»...
وسط التخاذل على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ما زالت بقايا جثث مقاتلي المقاومة الجزائرية محرومة من حق الدفن. كما أنها ستستمر على هذا الحال طالما استمرت تُستدعى السرديات التاريخية لأغراض ديماغوجية.

* باحثة وأكاديمية جزائرية