منذ بداية الثمانينات، التقيت بمحمد شمس الدين في «معهد الفنون» في الروشة. كان يدرس الفن وكنت أدرس التصميم. وعند تخرّجه، كان الأول على دورته في الفن، وأنا الأول على دورتي في التصميم. ترسخت بعدها تدريجاً صداقتنا. عندما كنت أعيش في بيروت أو خارجها، كان هناك ثلاثة أصدقاء، كلما وطئت قدماي شارع الحمراء كنت أبحث عنهم في المقاهي. فادي أبو خليل الذي قرّر الاختفاء من المشهد الثقافي، وبالتالي انسحب من شارع الحمراء بإرادته، ساحباً أعماله التجريبية في المسرح والشعر إلى خندق العزلة التامة. ونزيه خاطر الذي غادر وغادرت كلماته التي أسعدت الكثيرين وأزعجت البعض. وحسب متابعاتي له، كان يتغلغل في نصه بمهارة نقدية مختلفة عن غيره من النقاد. يكتب بحذاقة ومهارة بحثية عند تناول مواضيعه ومتابعة دؤوبة للمشهد الثقافي اللبناني بشكل خاص والعربي عامة. فهو كان مدافعاً عن ثقافة بيروت كما كان يدافع مقاتلوها عنها.

محمد شمس الدين غادر هذه الدنيا أيضاً. فموت أو مصرع هذا الفنان الذي قال عنه نزيه خاطر في عام ١٩٩٠ إنه «يكثّف الشعور المأساوي بالعزلة أمام الفراغ» والذي اعتبره من المجربين في تكوين لغة إبداعية في التشكيل إلى جانب فصيح كيسو ـــ الفوتوغراف وقتها ـــ وذلك في الحلقات التي ظهرت في جريدة «النهار» بعنوان: «بيروت الآن يا أقلام بيروت» خلال صيف ١٩٩٠. هذا التجريب لدينا كأصدقاء، ربما كان ناتجاً عن تجاور استديوهاتنا في شارع عبد العزيز في منطقة الحمراء. كانت الحياة الفوضوية التي عشناها في حروب بيروت الصغيرة والكبيرة مقرونةً بالتجارب الفنية. الفوضى التي انعكست علينا تجريبياً، والتي تأسّس مناخها منذ كنا طلبة في ذات المعهد ورسخ جذورها فينا المسرحي رئيف كرم والفيلسوف عادل فاخوري الذي غادر هذا العالم بدوره.

غاب محمد شمس الدين وهو لا يزال يحلم

فوضى الحياة في أجواء العنف المقرونة بالتجريب في إنتاجنا الثقافي والمعرفي. كنا نعمل معاً، شمس وأنا، في المسرح التجريبي وفي تصميم أغلفة الكتب والإعلانات ومجلات الأطفال وتخطيطات الكتب، إلى جانب إنتاجنا الفكري الخاص «لتكوين لغة إبداعية هي في نظرهم الأفضل الآن لصياغة نص يحمل بصماتهم والصدى لمنى عيشهم في المدينة» كما كتب نزيه خاطر.
معاً في معهد الفنون في الروشة وأمام «المبنى الكارثي فنياً» كما وصفه الفنان رفيق شرف، عندما كان مديراً للمعهد، كنا نتسكّع ونبصبص على الطالبات، ونجرّب ونبتكر منذ كنّا زملاء في الدراسة ويرافقنا من قسم التمثيل والمفتش في الأمن العام وقتها حسن زبيب الذي كان يتقمص دور روبرت دي نيرو في فيلم «سائق التاكسي»، وقد اختفى في الثمانينات بدوره تاركاً بيروت وراءه ورحل إلى باريس ليتحول إلى صناعة الفيلم الوثائقي. امتدت تجاربنا كلّ بمفرده منذ كنا طلبة إلى أن أصبحنا فنانين محترفين نتناقش في أعمالنا ونجرب في استديوهاتنا وتتوسع لقاءاتنا وحواراتنا مع بعض الفنانين الجريئين الزائرين من المنطقة الشرقية إلى منطقتنا الحمراء التي أصبحت مدينتنا الضيقة نتيجةً لتقطيع أوصال بيروت وحصحصتها. ننام فيها ونتردّد إلى مقاهيها بين «الويمبي» و«المودكا» و«الهورس شو» حيث نلتقي وفي «شي اندريه» البار والمطعم الصغير الذي كان أول الأمكنة التي أبحث فيها عن شمس عندما افتقده، والذي دائماً كان يدعوني إلى مشاركته الكأس.
ومع انتهاء حروب بيروت، رحلت منها وبقي شمس يجرب في مدينة أحبّها، وأنا بدوري واصلت التجريب في مدن الغرب، متنقلاً من ملبورن المدينة الأسترالية إلى سيدني ونيويورك. ومع بناء بيروت المهدمة، استمر الفنان في تجربته متنقلاً بين الأساليب والموضوعات الفنية. وبالرغم من إقامته معارض عدة، إلا أنّه لم يصل إلى مبتغاه، فالهدف لم يكتمل لأسباب كثيرة ومن أهمها التعلق بالثقافة العربية وأفكاره اليسارية في مدينة سعت بعد انتهاء حروبها لأن تنفض كل تاريخها، وتلبس رداء الـ«داون تاون»، ولمَ لا، إلا أنّ الاتجاه تعاكس مع ثقافة الفنان وفلسفته الفنية. تعاكست هذه الإرادة مع اتجاهات شمس الذي أحب بيروت كما أحببتها وكما أبدعنا فيها معاً عندما كان جسدها يترنّح وقذائف الأحباء والأعداء تتساقط فيها.
فالفنان التجريبي البارز الذي ساهم في ثقافة بيروت الثمانينيات أصبح على الهامش بعدما اتّسعت بيروت، وجدّدت ثوبها في محاولة للتماشي مع باقي مدن العالم ومواكبتها. إلا أن صراعها الفكري بدأت تؤثر فيه السياسات. وهنا بدأت أزمات الفنان محمد شمس الدين. فالعراك الثقافي بالنسبة إليه في مدينته التي أحب، كان أقسى من العراك الثقافي الذي كنت أخوضه في أستراليا. وقتها، كان الغرب ملاذاً لي من ناحية التجريب والحرية الفنية المستباحة، بينما بالنسبة إلى تجربة شمس، في مدينة تبحث عن نفسها في مرحلة ما بعد الحرب، كانت تجربة مشتتة بالرغم من إصراره على الاستمرار في رؤيته الفنية التي تبلورت خلال حروب بيروت ضمن مساحاتها المتقطعة جغرافياً وسياسياً واجتماعياً ودينياً. وكم هذا قاسٍ على فنان مرهف وصادق كالفنان محمد شمس الدين في حياته وإنتاجه الفني. وانعكست أسباب وآثار حالة التردّد إلى البارات واللامبالاة عند شمس، فبينما كانت نتائجها إبداعية في الثمانينات إلى بدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت سامة مع بداية العقد الثاني لهذا القرن الجديد. تم تدريجياً تهميش جزء من الثقافة اللبنانية التي كانت حاضرة في سنوات الحرب، نتيجة سيطرة القوى السياسية، وبالتالي قوى القائمين على الإدارات الفنية. وهذا أثر سلباً على النتاج الإبداعي لشمس ولم تسلّط عليه الأضواء كما كانت في السابق. ظهرت وجوه جديدة وأساليب قادمة بقوة من الغرب مدعومة بتظاهرات فنية مثل «أشكال ألوان»، فيما استمرت اللوحة تبحث بصعوبة عن أماكن لعرضها في الصالات المعدودة على أصابع اليد والذي لم يستطع فن محمد شمس الدين اختراقها لأسباب قد يكون أوّلها كبرياؤه الفني أو اعتبارات أخرى ذات صلة بالواقع اللبناني السياسي والطائفي في مرحلة ما بعد الحرب. فالفنان غير الكاتب أو الشاعر. إنّه يحتاج إلى فضاء آخر غير الاستديو الذي يعمل فيه كي يوصل أعماله للجمهور. فضاء يعرض وأيضاً يسوّق أعماله كي يستمر بمنهجه الإبداعي، خاصة في بلاد العرب حيث لا مؤسسات حكومية أو خاصة داعمة للتجارب الفنية المختلفة كما في الغرب والتي ساهمت في استمراري كفنان مجرب أحمل ثقافة مغايرة. تغافلت عنه صالات العرض البيروتية - القليلة - ومقتنوها لأسباب كثيرة بالرغم من تاريخه. وفي حديث ودي معي، عزا أحد هذه الأسباب إلى أن أحد مقتني لوحاته تعمّد إنزال سعر لوحته بشكل كبير على موقع عالمي لبيع اللوحات.
ذهب نزيه الناقد قوياً مستقلاً وغاب محمد شمس الدين وهو لا يزال يحلم، من غير أن يكمل بداياته الصاخبة على الساحة الفنية اللبنانية. غادر هذا العالم نتيجةً لقسوة القائمين والقيمين على الساحة الفنية اللبنانية الذين لا يكترثون لتاريخ الفنان وإنتاجه وعشقه لبيروت، المكان الذي أنتج فيه بكثافة قبل أن ينتقل جنوباً كدليل على يأسه من المدينة. ذهب لأنه لم يتحمل هذه الإساءات التي كانت مقصودة أو لم تكن، ولكنها بلا شك أثرت على خلله الداخلي الذي لم يلاحظه كثيرون ممن جالسوه السمر والسكر. لأنه بكل بساطة كان يحمل ألمه الداخلي الذي رافقه منذ طفولته، إذا تابعنا نشأته كطفل، هذا الألم الذي عمل على التخلّص منه في سنين وجوده في معهد الفنون وفي مرحلة الثمانينات، ثم عاد إليه بعد سنين قصيرة من نهاية الحرب اللبنانية نتيجة القسوة الثقافية التي لم يتحملها. كان يعلنها لي في زياراتي الكثيرة إلى بيروت، قادماً إليها من الغرب، في أحاديث أقرب إلى الشكوى منها إلى قراءة الوضع على الساحة الفنية، لشخص صامت مثلي كان يمرّر فيها مغامراته النسائية وصعلكته الجميلة. فهو بالرغم من كل شيء، كان يحب الحياة.
الفنان التجريبي البارز أسهم في ثقافة بيروت الثمانينيات


ولكن الساموراي انتحر بطريقته، فهو لم يعلن سخطه علناً على المشهد الفني اللبناني وتهميشه لحالة الإبداع إبان فترة الحرب لفنان أصرّ على العطاء في ساحات الخطر من أجل الإبقاء على وجه بيروت الثقافي، وإنما كانت هذه الحالة تشغل باله دائماً عندما كان ينفرد بعزلته في بيته الجنوبي الذي كان مكاناً لتصوفه الفني والفكري، مكاناً شيده ليكون منفى وبديلاً عن مكانه الأول بيروت. ذاك المكان الذي كان يبدع فيه، تحول إلى خمّارة للنسيان يقصده عندما يشتاق إلى ذكريات الأمكنة. بيروت أصبحت مكاناً يتغازل فيه مع النساء، مكاناً لعبثيته التي كانت أداة لإخفاء هالة الحزن والحسرة على التغيرات التي طرأت على مكانته في ساحتها الفنية. ذهب صديقي في التجريب الفني في الوقت الذي عدت فيه من أستراليا للتجريب في عاصمة متجاورة لبيروت، في دمشق حيث الحرب الثانية التي أشهدها. غادر شمس الذي كان يخطّط للقدوم إلى دمشق لاستمرار صعلكته النسائية فيها مع امرأة من سوريا أُغرمت به. غادر الصديق الذي كنت أبحث عنه في مطاعم وبارات بيروت ومشاركته الجلسات الليلية مع أصدقاء وصديقات مشتركين. ذهب وذهبت أحلامه الدائمة في محاولاته الملحّة في الفن والحب والتمتع بالجمال ودفء الجسد. بقيت ذكرياتي معه في شارع الحمراء عندما نخرج من خمارة أو منزل صديق نترنح في شوارع الحمراء الخالية بعد منتصف الليالي، قاصدين مراسمنا للنوم وحيدين أو للتغلغل في جسد امرأة دافئة.

* فنان وأكاديمي يعيش بين دمشق وملبورن