تنبّه سعوديو السلطة جيداً في عصر محمد بن سلمان إلى أنّهم إذا أرادوا أن يحجزوا لهم مكاناً في التاريخ، عليهم أن يسيطروا على «رواية التاريخ». وكيف يصنع التاريخ في العصر الحالي؟ عبر الميديا. ليست الميديا التي نتحدّث عنها هنا هي الجرائد والمقالات والكتب فحسب، بل الشاشة الكبيرة والتلفزيون والأفلام. يأتي فيلم «ولد ملكاً» للمخرج الإسباني أغوستي فيارونغا ومن بطولة الإنكليز إيد سكراين، هيرمايوني كورفيلد، لورانس فوكس وجيمس فلييت ومن إنتاج «مركز الملك فيصل للدراسات والأبحاث الإسلامية». إنّها حكاية الأمير «الطفل» ذي الأربعة عشر عاماً فيصل بن عبدالعزيز آل سعود في الرحلة الأولى لمسؤولٍ/أميرٍ سعودي إلى المملكة المتحدة (بريطانيا). لم تكن تلك الرحلة كما يحاول الفيلم بالتأكيد تصويرها سواء لحيث أهميتها أو قيمتها التاريخية أو الإجتماعية، لكنها وسمت بأنها كانت النقطة الأوضح في علاقة البريطانيين بآل سعود بشكلٍ مباشر، وإن كان عميدها جون فيلبي ضابط المخابرات البريطاني وصلة الوصل بين «الاحتلال» البريطاني وملك نجد والحجاز -آنذاك- عبدالعزيز آل سعود (لم تكن الدولة السعودية بعد قد تشكلت كما تعرف اليوم).

يحكي الفيلم منذ بداياته، بطولات آل سعود، ويظهر عبدالعزيز آل سعود (يؤدي دوره الممثل السعودي راكان بن عبدالواحد) على غرار أمراء حرب تلك المراحل، قاسياً محارباً، قلما يبتسم، وفوق كل هذا راغباً في المزيد من التوسّع لمملكته الصغيرة. ومنذ اللحظات الأولى للفيلم، نجد أن عبدالعزيز آل سعود، لا يرغب بتلك العلاقة مع البريطانيين وإن كان «يتعامل بمحبة بالغة مع الضباط الإنكليز» حتى إنه في لحظاتٍ ما «يسكت أفراد قبيلته» مقابل أن يستمع لنصيحة الضباط الإنكليز. بالعودة لتلك المرحلة التاريخية، كان الإنكليز يفضلون الشريف حسين الذي كان رفقة الضابط الإنكليزي الآخر تي أتش لورانس والذي عرف باسم لورانس العرب؛ لكن آل سعود وأميرهم أثبتوا أنهم «أكثر حدّة وعنفاً وقوةً» من نظرائهم الهاشميين؛ مقارنةً بأمراءٍ آخرين كانوا من الممكن أن يأخذوا ذات المكانة، مما دفع بالإنكليز الذين كانوا يزايدون على الطرفين ويمدانهما بالسلاح والعتاد والمال (وهو ما ظهر بوضوح في الفيلم) إلى محاولة تعويم إبن سعود، بدعوته لزيارة بريطانيا. يرفض عبدالعزيز آل سعود زيارة بريطانيا، إذ إنه كعادة أمراء الحرب يعرف أنه في حال ترك قبيلته/إمارته، فإنه قد يخسرها لأسبابٍ كثيرة: سواء لناحية الخيانات المحلّية من القرابات حوله، أو حتى من أعدائه المتربصين به من جميع الأنحاء. هذا ما يدفع إبن سعود لإرسال إبنه الأصغر فيصل في تلك الرحلة الرسمية. قد يسأل القارئ لماذا الأصغر؟ السبب ببساطة أن ابنه الأكبر تركي كان قد توفي بمرض شبيه بفايروس كورونا الحالي، وإن كان اسمه آنذاك «الانفلونزا الإسبانية» (وباء حصد الآلاف في تلك المرحلة الزمنية).
بطبيعة الحال، يعود الفيلم لزيارة الفتى/الأمير السعودي مع حاشيته ومساعده أحمد الثنيان إبن عم والده وتقريباً أول وزير خارجية للدولة السعودية التي سرعان ما ستنشأ لاحقاً. يظهر الفيلم كيف تعاملت الحكومة البريطانية في البداية مع زيارة فيصل بن عبدالعزيز إليها باستخفاف واضح، حتى إنه قضى ردحاً من الزمن لم يقابل بها أحداً مهماً من الحكومة هذه (قرابة الأربعة أشهر) حتى تلطّف الملك جورج الخامس بمقابلته، ثم لاحقاً ولأسباب محض عسكرية/سياسية، قرر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ووزير خارجيته اللورد جورج كورزون مقابلته. آنذاك كان الشريف حسين قد تعهد للإنكليز بأنه لن يحتل أراضي خصمه ابن سعود، لكنه في لحظةٍ ما اعتبر أن لا سلطان لأحد عليه. هذا السلوك أغضب الإنكليز، مما دفعهم لمقابلة الأمير الصغير، وإظهار دعمهم بوضوح لإبن سعود، في محاولة لإظهار الأمر للشريف حسين بأنه «قابلٌ للإستبدال» وهو ما حصل لاحقاً. يحكي الفيلم لاحقاً كيف تصرّف الأمير صغير السن كما لو أنه ممثل حقيقي لبلاده، وهي الصورة التي يريد الإعلام السعودي تقديمها للغرب، كما للمشاهد العربي الحالي: عائلة ذات تاريخ، وأثر ممتد، فضلاً عن إصرار الأبطال على الإشارة أكثر من مرة خلال الفيلم إلى «توقع الخيانة من الإنكليز». وهذا يلعب على الوتر الوطني لدى أي مشاهد عربي، فضلاً عن إظهار المروءة لدى ابن سعود حينما يشاهد بعض رجال القبائل يقتلون عزلاً فيحاول إيقافهم مع العلم بأنه لم يعرف عن عبدالعزيز آل سعود أي ميول من هذا النوع، فقد كان شهيراً بأنه بطاش.
إخراجياً؛ يبدو أن الفيلم أفاد كثيراً من السينما البريطانية، فهو يتشابه مع الأفلام البريطانية مع أن المخرج إسباني، إلا أن طبيعة حركة الكاميرا، وكادرات التصوير تذكّر كثيراً بالسينما البريطانية أكثر من غيرها. يظهر الديكور الجميل، المرتبط بتلك الحقبة، فضلاً عن الاهتمام البالغ بما ارتداه الأمير الصغير آنذاك، فتبدو ثيابه نسخةً تامة عما ارتداه الأمير الحقيقي؛ حسبما تظهر بعض الفيديوهات القليلة والصور عن تلك الزيارة. نقطة أخرى تحتسب للمخرج فيارونغا هي خبرته بالأفلام التي يكون أبطالها أطفالاً. ففيلماه الأكثر شهرةً هما «طفل القمر» ( El niño de la luna) الذي قدمه في العام 1989، و«الخبز الأسود» (Pa negre) 2010، أبطالهما من الأطفال؛ هذه الخبرة في التعامل مع نجوم صغار السن في دور البطولة، سهّلت عليه الإستعانة بممثل سعودي في دوره الأول عبدالله علي.
إدائياً، يمكن القول بأن سكراين الذي عرفه المشاهدون سابقاً بدوره داريو نهاريس في المسلسل الشهير «لعبة العروش» (في جزئه الثالث فحسب حيث تغيّر الممثل في الأجزاء اللاحقة)، وكذلك فرانك مارتن جونيور في فيلم «الناقل» بجزئه الرابع والذي أدى دور جون فيلبي، قد أدى دوره بإتقانٍ واضح. هيرمايوني كورفيلد بدور الأميرة ماري التي تتعامل بمحبة بالغة مع الأمير فيصل، وذلك لشبهه بحسب القصة بشقيقها الذي توفي. عبدالله علي وراكان عبدالله أدى كلاهما بحرفةٍ جيدة خصوصاً أنهما يمثلان للمرة الأولى في فيلمٍ محترفٍ إلى هذا الحد.
في الختام هو فيلم يحاول عبر السعوديون أن يرسموا تاريخ المرحلة، وهو بدايةٌ أرادوا من خلالها إظهار حادثة صغيرة على أنّها حدث كبير ذو أهمية بالغة، مع العلم أنه لم يكن كذلك البتة؛ لكن ولأسبابٍ كثيرة مع مرور الزمن، تصبح الأفلام مصدراً رئيسياً للمعلومات، فتتحوّل هذه الزيارة إلى واحد من أهم الأحداث في التاريخ العربي. لاحقاً، سيتم انتاج أفلام كثيرة من هذا النوع، لتخليد بطولات ومعارك وحكايات، لم يسمع عنها القارئ/المشاهد العربي من قبل لتمجيد تاريخٍ غير موجود لممالك لا تمتلك أكثر من هذا.
https://www.youtube.com/watch?v=NvrRS309dc0