خلعت ملابسي وغطّيت رأسي بتابوت مربّع/ خجلاً من نفسي قدام قلبي/ تركته وحيداً في مكان قصي وفارغاً لا يحوي سوى قليل من الذكريات/بكى قلبي/مرّت عصافير خرساء/ وكلاب صامتة/ وحمار تدمع عيناه عند شجرة»
(محمد شمس الدين)



رحل محمّد شمس الدين أوّل من أمس بنزيف في إحدى مستشفيات مدينة صور. أصدقاؤه لم يجدوا طريقاً لوداعه إلّا على فايسبوك، مسترجعين بقايا سهرات وجلسات بين بيروت، وضيعته البازوريّة في الجنوب. لا متّسع للوداع الآن في وقت ينتشر فيه الوباء. هذا رجل آخر غادرنا. وجه يعرف الجميع والجميع يعرفه، بلحيته الكثّة وريشته التي لم ترضخ لمعايير المؤسّسات الفنيّة وسوقها، منذ أن بدأ تجربته الفنية مطلع الحرب الأهليّة في بيروت.
يمثّل شمس الدين جيلاً كاملاً عاش الحرب، وحلم، ولُفظ بشكل أو بآخر بعد خيبة التغيير اليساريّة. حياته الفرديّة والشخصيّة، تتسع برحابة لسير وأرواح وخيبات وعبث جيل كامل من الفنانين والشعراء الذين صنعوا مزاج المدينة وإيقاعها اليومي. وبالنسبة إليه، لم يعلق الفن في الاستديو أو عند حدود اللوحة التي يتدفّق منها ليصير أسلوباً حسياً للعيش، حيث الرسم بطريقة أو بأخرى هو السبيل إلى الحياة. علاقة سيّالة وبديهيّة حيث لا احتفال وصالة ومدعوّين. ممارسة كهذه تجلّت أكثر في السنوات الأخيرة، حين صارت صفحته الشخصيّة على فايسبوك معرضاً يوميّاً ولحظوياً لخواطر ولوحات وتجهيزات فنية عبر الصور الشخصية واللوحات والنصوص. رسومات وقصائد وتفلّت لغوي يعلن فيه حاجته الدائمة إلى عدوّ كحيلة كي يقوى على الاستمرار في العيش، أو يدسّ في رسوماته رسائل إلى أصدقاء أحياء أو موتى حلم معهم بالثورة في وقت سابق. راحت الثورة وبقي الحلم.


في لوحته، يصعب الوصول إلى نتيجة أو خلاصة نهائيّة، أو أسلوب واحد. غير أن سمة مشتركة تظهر أغلب الأحيان، بجمعه الكلمات مع الألوان. كتابته الشخصيّة أو مقاطع لشعراء آخرين، تصبح فيها الكلمات خطوطاً أخرى، وضربات. الكلمة التي لطالما سكنت لوحته باقتراحاتها الكثيرة، أكانت كلماته الخاصّة التي كتبها بما يشبه التأويل اليومي والتأمّلات العابرة للحياة والتجارب، أم بالاستعانة بكلمات الشعراء من أبو العلاء والمعرّي ودانتي كما في معرضه سنة 2012، الذي قام على المواءمة بين نصوص وكلمات الشاعرين أمام مساحاته المائية الطبيعية بالأكواريل والمرثيّات الطويلة التي أنجزها لجيل من الفنانين والشعراء الذين صنعوا اسم بيروت ويوميّاتها المدينية في المقاهي والحانات، على هامش المؤسسات والغاليريات الفنية. لوحته كانت تأتي بشكل مساحات زيتية مجرّدة. أم أنه يفرد لوحة الأكواريل لينقل مشاهد طبيعية أو مدينية، بضربات مقلّة، تطلّ على عين المريسة أو النزلة المؤديّة إليها عبر كاراكاس. هكذا استعان بكل الوسائط والألوان مثل الأكريليك والفحم، وصولاً إلى دفاتره اليومية باحتوائها كلمات، واسكتشات سريعة بالحبر الأسود لأجساد النساء، وسكارى الحانات برؤوسهم المنخفضة.
بداية شمس الدين، تمثّلت في انتقاله من العمل في مطبعة إلى «معهد الفنون» في الجامعة اللبنانية، قبل سفره إلى باريس ليدرس هناك، ويتفرّغ بعد سنوات طويلة من قدومه إلى التعليم في الجامعة. كأن تجربته الفنية ظلّت بمنأى عن كلّ ذلك، متدفّقة بأشكال وخطوط وضربات كثيرة لم تركن إلى مدرسة أو أسلوب واحد، في حين تبدو كأنها كانت الطريقة الوحيدة للعيش بين ضيعته الجنوبيّة البازوريّة وبين بيروت. هكذا ألقى بثقل وحسابات السوق والعمليات التجاريّة عن كاهل لوحاته وعمله الفني. تحرّر به، وجعله أقرب إلى تجربة روحية، ممارسة علاجيّة وتماسّ مباشر مع العالم، حافظ على عفويّته وفطريّته رغم تفرّغه الأكاديمي، أو تعليم الفنانين الشباب في مخيّمات اتحاد الشباب الديمقراطي.