باريس | يكتب جان دانيال (1920 ـــ 2020) بلا مواربة وبلا تدوير للزوايا. على العكس، كان جارحاً، شديد اللطف في آن، إنه الراديكالي الذي فتح آفاقاً شديدة العقلانية في سجالات هذا العصر. مؤسس المجلة الفرنسية le Nouvel Observateur عام 1964 مع كلود بيردريال والعاشق الأبدي للجزائر، سهر لسنوات، يدقّق في كلّ مقال وصورة وعنوان، يعلّم ويصوّب ويضحك أكثر من طاقته. حتى الجوائز والنياشين التي أثقلته، لم تحل دون شجاعة تكاد تكون غير محدودة في حواره مع كبار القرن العشرين مثل كينيدي، ديغول، منديس فرانس، كاسترو، ميتران، روكار، والكثير غيرهم. عرف كيف يحدّد موقعه من الصراعات ويحتمي من الفخاخ القاتلة، كرفضه أن يكون سفير فرنسا لدى إسرائيل وإيمانه بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة.

اسمه جان دانيال بن سعيد، ولد في البليدة، المدينة الجزائرية الواقعة في سهل ميتيجا والملقّبة بمدينة الورود. هو نجل تاجر يهودي، جول مسعود بن سعيد، كان يعمل حمّالاً في شركة صغيرة في المدينة، قبل أن يفتح طاحونة في الطابق الأرضي من بيت العائلة. وبينما يتفاوض على أسعار الحبوب والدقيق، كان ابنه الصغير يلتهم كتب ستندال، مأخوذاً بأسلوبه الدقيق المكثَّف وفلسفته في «ملاحقة السعادة كصيادٍ وحيد».
في «ثانوية ابن رشد»، لاحظ أحد مدرّسيه وهو أندريه بيلاميش الذي ترجم لاحقاً أعمال لوركا، اهتمامه بالأدب وعرّفه على مؤلفات أندريه جيد ورومان رولان وستيفان زفايغ... لكن المراهق سيفيق سريعاً من الرائحة المُسكِرة لمزارع الفواكه في البليدة وأبوابها القديمة وينابيعها الدافئة وريحانها المتدلي من أسوار الأبنية والمنازل على وقع تشريع فيشي.
كانت فكرة تجنيس اليهود قد نشأت بعدما ضُمت الجزائر إلى الأراضي الفرنسية وباتت تعرف «بالمتروبول» في عهد الجمهورية الثانية، إذ أصدر إسحاق كريميو، وزير العدل الفرنسي آنذاك، في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1870 مرسوماً حصل بمقتضاه يهود الجزائر على الجنسية الفرنسية. لكن بعد مرور سبعين عاماً، جاء الاحتلال الألماني وقلب الأمور. منذ عام 1940، وقعت الجزائر تحت رعاية حكومة فيشي الموالية للنازية، وعلى إثر ذلك، ألغت نظام كريميو، ومن ثَمَّ فقد يهود الجزائر المواطنة الفرنسية. وفي محاولة لزيادة استبعادهم من المستعمرات، مُنعوا من ممارسة أي وظائف ومن التعاملات المالية. وهذا لم يشمل فقط المصارف، بل أيضاً القروض والائتمان والتجارة في الحبوب والماشية والتحف والخشب.
لم يختر جان دانيال الانضمام للحزب الشيوعي ولا للمقاومة التي بدأت ملامحها بالتشكل آنذاك، لكنه اختار طريق الجنرال ديغول، والتحق بكتيبة المارشال لوكلير، قائد الفرقة المدرعة الثانية في معركة تحرير العاصمة الفرنسية.
رُماة سنغاليون، مجندون جزائريون، تونسيون، وأقدام سوداء قدموا من المستعمرات الفرنسية وهم ينشدون «نحن الأفارقة آتون من بعيد، جئنا من المستعمرات لتحرير الوطن». واليوم باستطاعتنا أن نقرأ على شواهد قبورهم «إنه أسوأ يوم في حياتي».
بعد غنائه مع الكتائب الإفريقية، التحق دانيال بـ «السوربون»، أملاً في إكمال دراسته في قسم الفلسفة. لكن يد السياسة ستتدخل من جديد لتبعده عن هذا التوجه، إذ انضم إلى رئيس الحكومة المؤقتة فيليكس غوين عام 1946 الذي سرعان ما أودت به فضيحة اختلاس أموال النبيذ الذي يتم تصديره من الجزائر، ليخرج دانيال من الأقبية الرطبة للدسائس السياسية ويؤسس مجلة «كاليبان» عام 1947 التي جمعت لأكثر من عقد كل مثقفي باريس أمثال كامو وسارتر. ولعل المحطة الفارقة في مسيرته هي تعيينه مُراسلاً لجريدة «ليكسبريس» لتغطية أحداث الجزائر التي مكث فيها ثماني سنوات بعد اندلاع «الثورة التحريرية المجيدة»، وتعرّض أكثر من مرة للتهديد بالقتل من قبل المستعمرين. كما سُجن مرتين بتهمة تعريض أمن الدولة الفرنسية للخطر.
استقطبت «جبهة التحرير» كامل أطياف المجتمع ونجحت في تعميم فكرة الكفاح المسلح، ما زاد رعب باريس. دانيال الذي كان يعيش ضمن الطبقة المخملية للمجتمع كمستوطن فرنسي شاب، اكتشف عند عودته هذه المرة وكصحافي أنه يعرف القليل عن الاستعمار. ولم يتوان في تعرية الممارسات القمعية واستخدام المدنيين كرهائن ودروع بشرية وفظائع التعذيب التي أقدم عليها الجيش الفرنسي. كان أول من كتب عن أسلوب الصعق الكهربائي واستخدام الآبار المائية كسجون والإلقاء بالمعتقلين من المروحيات. لكنه لم يفقد الأمل في التفاوض مع الإستقلاليين لتجنب حمام الدم، وكان يعوّل على وزير الخارجية بيار منديس فرانس آنذاك كرجل سلام قادر على حل الأزمة الجزائرية، واعتبره المهندس الذي أنهى الاستعمار في الهند الصينية ومثالاً للولاء والصرامة والثبات على المبادئ. لكن بيار منداس فرانس سيستقيل من منصبه ويتركه وحيداً في مواجهة خط متشدد، قمعي، بقيادة فرنسوا ميتران وزير العدل وصاحب مقولة «الجزائر فرنسية» الذي رفض العفو عن المتمردين المحكوم عليهم بالإعدام، وأرسل 45 منهم إلى المقصلة. وهو ما سبب تصدّعاً دائماً في العلاقة بين الرجلين. حتى بعد مرور 25 عاماً وتقلد ميتران السلطة، سوف يقول له في إحدى المقابلات إن «فرنسا الديمقراطية أرسلت جماجم قادة الثورة الجزائرية بعدما أعدمتهم إلى متحف الإنسان في باريس ورفضت تسليمها حتى اليوم».

رفض أن يكون سفير فرنسا لدى «إسرائيل» وآمن بالقضية الفلسطينية


لطالما خاض جان دانيال في وحل الواقع، لكنه لم يتركه يغلبه أو يجرّده من أحلامه. كان يكتب تقاريره الحربية من تونس المجاورة. استقر في مدينة سيدي بو سعيد الساحلية مثل معظم الصحافيين الأجانب، وكان يجتمع سراً بقادة جبهة التحرير الوطني ويتبادل المعلومات والاتصالات الحصرية مع الصحافيين الإنكليز، على الرمال مع كأس «روزيه». وفي أوقات الهدنة، ينسج شبكة علاقاته مع الحبيب بورقيبة وفرحات حشاد والشاب بوتفليقة... «دولشي فيتا» على أبواب الجحيم ستنتهي بإصابته بجروح خطيرة في بنزرت برصاص طائرة فرنسية عام 1961.
وفي منتصف غداء في كوبا مع فيديل كاسترو، أمام طبق من الجمبري المشوي، وصله نبأ اغتيال جون كينيدي الذي كان قد أجرى معه مقابلة قبل ساعات، وحمّله رسالة لزعيم الثورة الكوبية الذي عقّب على الخبر بقلق: «هذه مسألة خطيرة للغاية، لقد كان كينيدي عدواً اعتدنا عليه» لتفتح له تلك المقابلة باب الشهرة العالمية.
لم يكرّس دانيال جهوده للكتابة الصحافية فحسب، ففي رصيده ما يزيد عن ثلاثين كتاباً منذ رواية «الخطأ» التي نشرت عام 1953 وأشاد بها ألبير كامو الذي كان أقرب أصدقائه رغم اختلافهما حول القضية الجزائرية. لكن همه الأوحد ظل المجلة التي لم يكن يتوقع لها هذا النجاح المدوّي وقد سقاها كل يوم، على امتداد الأشهر والفصول مثل نبتة تنمو لتترك بصمة على الوعي الفردي والجماعي الفرنسي، وتتفاعل مع الظروف والتحولات: رفض الاستعمار، الدفاع عن الإجهاض في بيان «343 عاهرة»، دعم منديس فرانس وفتح جبهات مع الحزب الشيوعي. جان دانيال نهجٌ وموقفٌ وخيارات راديكاليّة أحياناً، ومخزون نظري وتجربة ميدانيّة طويلة تختصر عصراً كاملاً.