ينطلق «مهرجان البستان» غداً ويختتم في 22 آذار (مارس) المقبل. عنوان الدورة «لودفيغ» (اسم بيتهوفن) وهو متوقّع نظراً للمناسبة العالمية هذا العام، إذ يصادف مرور ربع ألفية على ولادة المؤلف الألماني الشهير. منذ انطلاقه، لم يمنح المهرجان الشتوي شرف عنوان دورة برمّتها إلّا لثلاثة مؤلفين: باخ (دورة عام 2018، ذكرى 333 عاماً على ولادته واليوبيل الفضّي للمهرجان)، موزار (دورة عام 2006، ذكرى ربع ألفية على ولادة المؤلف النمساوي) واليوم بيتهوفن. هكذا كان، وهكذا يجب أن يكون.

إذاً، عنوان الدورة وتركيزها المطلق على بيتهوفن هو أمر متوقّع وبديهي. لكن المفاجأة تكمن في مكان آخر. بقدر ما كان محورها الفني متوقعاً، كان إلغاؤها متوقعاً أيضاً. ففي الحالات الطبيعية، تركيب برنامج بهذه الدقة والأناقة هو مسألة نظرية، يمكن أن نتمناها أو نضعها على الورق، لكن تنفيذها ليس مكفولاً. فكيف في ظلّ هذه الأحوال التي أدت، منذ ثلاثة أشهر، إلى إلغاء أنشطة ذات إطار تنظيمي أسهل وأصغر بما لا يقاس مع حجم التحديات والتعقيد في برنامج «البستان». إنه أمرٌ مذهل فعلاً. فتخصيص دورة كاملة لبيتهوفن هو عملية دقيقة، يصبح فيها هامش المراوغة في الخيارات والاحتمالات، بين الأعمال والموسيقيين، لتركيب الأمسيات وبرامجها، ضيّق جداً. رغم ذلك، نحن أمام لوحةٍ تنظيمية فنية باهرة، تستدعي تحية موضوعية للجنة المنظمة… وتحية ثانية لوضع تسعيرة منخفضة واحدة لجميع الحفلات: 30 ألف ليرة لبنانية فقط!
ما هي ميّزات هذه «اللوحة»؟ نبدأ من مروحة الأعمال المدرجة في الأمسيات، والأهم، كيفية إدراجها. أولاً، إذا استثنينا العمل الأوبرالي الوحيد الذي كتبه بيتهوفن (بعنوان «فيديليو»)، وهو عمل ذو أهمية ثانوية على أي حال (في فئته وعند بيتهوفن أيضاً)، لا تغيب أي فئة أساسية من ريبرتوار المؤلف الألماني. والأهم، أن بعض الفئات حاضرة بشكل كامل: السمفونيات التسع وكونشرتوهات البيانو الخمسة وكونشرتو الكمان الوحيد (يغيب فقط الكونشرتو الثلاثي في فئة الكونشرتو عموماً)، وسوناتات التشيلّو والبيانو الخمس وسوناتات الكمان والبيانو العشر. الفئة المهمة والكبيرة، لكن الممثّلة بجزءٍ صغير هي فئة رباعي الوتريات، إذ تم تخصيص أمسية واحدة لها (14/3)، نسمع فيها ثلاثة رباعيات (من أصل 16). لكنها، من جهة ثانية مطروحة في إطار مميّز، هو الظلام (عنوانها Beethoven in the Dark أي بيتهوفن في الظلام)، إذ سيقدّم «رباعي ساكّوني» (مجموعة مغمورة، توقّعنا اسماً أبرز في هذا الإطار) برنامجه من دون أنوار، وهو أمرٌ مناسب، لا بل مفيد للسمع، في هذا النوع من الأعمال. من جهة ثانية، أكبر ثغرة لا تغتفر في الدورة هي التهميش شبه الكلّي لأهم فئة في ريبرتوار بيتهوفن، وهي «العهد الجديد للبيانو»، أي سوناتات البيانو المنفرِد الـ32. كان يجب إدراج ثلاث أمسيات على الأقل، لتستوعب 10 إلى 12 من التحف الكبيرة في هذه الفئة، بالحد الأدنى. كلّ ما يخص هذا الجانب هو أمسية هجينة، يحلّ فيها عبد الرحمن الباشا (وهو ممتاز، لكن كم مرة سمعناه في لبنان في السنوات الأخيرة؟ من حقّنا أن لا نتحمّس) صاحب التسجيلَين الكاملَين لهذا العمل (الأول صدر على مراحل بين 1984 و1993 والثاني صدر عام 2013)، ولكن برفقة نصوص بعنوان «اعترافات بيتهوفن» كتبها ألكسندر نجّار. مقابل كلّ نص لنجّار، سوناتة ملائمة يؤدّيها الباشا، كما فهمنا من تعريف الأمسية. فعلاً إنها خسارة كبيرة ألّا يزيّن الدورة اسم كبير (أو نجم صاعد، وما أكثرهم) في مجال أداء سوناتات بيتهوفن العظيمة. وإذا أردنا التدقيق أكثر في السياق ذاته، تغيب فئة الثلاثيات (بيانو/كمان/تشيلّو وثلاثيات الوتريات)، التي كان بالإمكان اقتصار حضورها على أهم عملين فيها، أي اللذان يحملان العنوانَين التاليين: «الأرشيدوق» و«الأرواح».

لا تغيب أي فئة أساسية من ريبرتوار المؤلف الألماني عن برنامج المهرجان

أمّا المهارة العالية في تركيب البرنامج، فتكمن في لعبة الأرقام بين فئتين أساسيّتين عند المؤلف الألماني: السمفونيات التسع وكونشرتوهات البيانو الخمسة. فقد تم تأليف برامج خمس أمسيات من الكونشرتو والسمفونية اللذين يحملان نفس الرقم: مثلاً، السمفونية الأولى والكونشرتو رقم 1، الثانية مع الكونشرتو رقم 2، إلخ… فيما حُجِزَ الافتتاح للثنائي الأهم في هذه اللعبة: السمفونية الخامسة والكونشرتو رقم 5 (الإمبراطور). افتتاح قوي، كلاسيكي صحيح، لكنه ذو رمزية عالية مطلوبة في دورة تحمل اسم «لودفيغ». أما بعد الرقم خمسة (حيث تتواصل السمفونيات من دون مرادف رقمي في كونشرتوهات البيانو)، فتمّ أيضاً جمع السمفونيات رقم 6، 7 و8 مع أعمال مهمة وملائمة. إذ، مع السادسة نسمع «إغمونت» كاملاً (أي المقتطفات الغنائية التي لحنها بيتهوفن لهذه المسرحية، وليس فقط مقدّمتها الشهيرة) ومع السابعة الـChoral Fantasy (عمل ذو تركيبة فريدة، للبيانو والأوركسترا والكورس) في ختام المهرجان، والثامنة، بطبيعة الحال، مع كونشرتو الكمان الوحيد… والتاسعة؟ نسمعها وحدها، لا شريك لها! وكذلك القدّاس الاحتفالي، وهو أضخم أعمال بيتهوفن الكورالية (الفئة التي لم يهتم بها كثيراً) وأصعبها أداءً وتلقياً.

* مهرجان البستان الدولي للموسيقى: بدءاً من اليوم 20:30 حتى 22 آذار (مارس) ـــ فندق البستان، بيت مري ــــ 04/972980