«أولئك الذين مشوا في العتمة، غنّوا أغنيات حزينة في الأيام الغابرة لأن قلوبهم كانت تعبة». صرخات العبيد في الحقول أو إيقاعات قطاف القطن، لم تكن استئناساً بالمشقّة كما خال أرباب العمل البيض لسنوات. خلف تلك الأصوات الحزينة، عثر ويليام إدوارد بورغهارت دو بويس (1868 – 1963) على توق ديني للأفارقة الأميركيين للوصول إلى عالم أكثر عدلاً وصدقاً من حياتهم داخل نظام العبوديّة. أجّلوا أملهم لما بعد الموت. عندما صدر مؤلّفه المرجعي «أرواح الأمة السوداء» سنة 1903، تجاوز فيه دو بويس (يختصر اسمه بـ و. إ. ب دو بويس) موقع التصدّي لنظرة البيض وجهلهم بمن كانوا يعيشون قربهم في الجنوب تحديداً. راح أبعد من ذلك في تقشير طبقات النظرة البيضاء، بثقلها وسلطتها. منح أرواح السود شكلاً خارج «الحجاب» الذي يولدون تحته في أميركا. الحجاب هو أحد المفاهيم الجوهريّة التي صاغها دو بويس من أجل فهم علاقة الأفارقة النفسية والسوسيولوجية مع الخارج ومع أنفسهم على السواء، بالإضافة إلى «الوعي المزدوج» الذي يطبع وعيهم بهويّتهم: هويّة الأجداد، وتلك التي تشكّلت في أميركا. لا تزال أفكار المؤلف الذي جمع الفلسفة وعلم الاجتماع والأدب وعلم النفس حتى الآن تلهم الكتابات المعاصرة حول العرقية والعنصريّة في أميركا والعالم. من خلال الأبحاث، والإحصاءات الدقيقة، وملاحظاته في أسفاره إلى الجنوب الأميركي، وعشرات الكتب الفكرية والأدبيّة، أعلن عالم الاجتماع الأفرو أميركي أن مشكلة القرن العشرين هي مشكلة اللون أو الفصل العنصري. كان ذلك في بداية القرن العشرين. العرقيّة هي المكبّر الذي نظر منه إلى صراعات العالم حتى رحيله في الستينيات، حيث ظلّ حتى أيّامه الأخيرة يحرّر السود من النظرة البيضاء التي كانت تأسرهم وتطبع وعيهم بأكمله، خصوصاً الفترة التي تلت نيلهم الحريّة.

قبل صدور «أرواح الأمّة السوداء» الذي يشار إليه دائماً لاختصار تجربته الطويلة، تفرّغ دو بويس إلى العمل الإحصائي الدقيق في المجتمعات السوداء في توجّه رائد وسبّاق في وقت كان يُنظر إليهم ككتلة واحدة. اللافت، بالإضافة إلى عمله على تبعات التحرّر والطريق المثقل إليه، هو مقاربته البصريّة لهذه المعلومات في رسومات بيانيّة عُرضت ضمن معرض عن أفارقة أميركا في باريس عام 1900. ومع صدور مواد المعرض أخيراً ضمن كتاب بعنوان «حياة السود 1900» (ريدستون بريس/ لندن)، نتمكّن من رؤية المقترحات البصريّة المكثّفة والمتنوّعة لوناً وشكلاً للمعلومات التي تظهّر تطوّر حالة المجتمع الأسود في أميركا لناحية التعليم، والأدب، والجريمة وملامح أخرى منها مقارنة الأمّة الأفريقية مع الشعوب الروسية والبلجيكية والسويدية.

نساء أفرو-أميركيات (من الكتاب)

يبدو الكتاب فرصة لقراءة تلك الفترة الانتقاليّة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خصوصاً أن تأثيراتها لا تزال تظهر اليوم في عنصريّة النظام البوليسي الأميركي والسجون التي تطارد السود. ما منح المعرض أهمية مضاعفة، هو أن الرسومات والصور عُرضت في باريس حين كانت لا تزال حدائق أبناء البشرة السوداء، والمعارض العرقيّة من قِبل المستعمرين أمراً شائعاً في أوروبا منها باريس التي تمكّنت من رؤية أمّة كانت مجهولة في العالم. نقل دو بويس صوت الأفارقة بحناجرهم لا بما كان يتمّ كتابته عنهم. فقد ضمّ المعرض أيضاً صوراً فوتوغرافيّة لأفارقة الجنوب، بعيداً عن الصورة النمطية لهم كأبناء درجة ثانية، فقد ظهر منهم الطلاب والعمال والأكاديميون والفنانون. تجربة طليعية تدفع بعض الأكاديميين اليوم إلى تأكيد أن اشتغال دو بويس المنهجي في دراساته الاجتماعية وإحصاءاته سبقت عمل إميل دوركهايم عن الانتحار. ففي كتابه الأوّل «زنجي فيلاديلفيا»، أجرى مسحاً شاملاً (مقابلات مع 2500 عائلة سوداء) للأزمات الاجتماعية التي يعانيها المجتمع الأسود هناك. وتوصّل إلى أن مشكلة الزنوج ليست كما تبدو ظاهرياً، بل هي عبارة عن عدد من المشكلات الاجتماعية مثل الفقر والجريمة والأميّة وغيرها من الآفات التي ظهر تأثيرها في تعميق أزمة وجودهم.
رافق دو بويس مراحل السود التحوليّة في أميركا: الجنوب والعبودية، وفترة التحرر وإعادة الإعمار ثم ظهور قانون جيم كرو، ونضالات الحركة المدنية في الستينيات. كلّما خفت طيف العبوديّة، كانت أميركا تبتكره مجدّداً. ورغم أنه ولد في الشمال، لعائلة من العبيد المحرّرين، إلا أن البلاد كانت تذكّره دائماً بأنه كان زنجياً. لكن وعيه الحقيقي للسيستم الأبيض تكوّن حين اتّجه باكراً إلى التعليم في إحدى مدارس تينيسي في الجنوب. هناك رأى أطياف العبوديّة، واطلع على حيواتهم عن قرب. فضلاً عن عمله الأكاديمي والفكري، كان دو بويس رمزاً أساسياً لنضالات حركة الحقوق المدنية التي جاءت بعده. ساهم سنة 1909 في تأسيس «الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين» (NAACP) بسعيها إلى المطالبة بالمساواة السياسية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية بين جميع الأعراق في أميركا. كما تولّى تحرير صحيفة The Crisis الصادرة عن الجمعيّة، حيث عبّر عن أفكاره واقتراحاته لتطوير المجتمع الأسود، منها أفكاره التي اتُّهمت بالنخبويّة أحياناً.

رسومات بيانيّة من الكتاب



الرجل الذي كان أول أسود ينال شهادة الدكتوراه من «جامعة هارفرد»، وجد في التعلّم ونيل حق التصويت السبيل الوحيد لتحرّر السود، إذ توصّل في كتابه «أرواح الأمة السوداء» بأن نخبة من السود الموهوبين هي التي عليها أن تقود المجتمع الأسود. هذا ما خلق سجالاً طويلاً مع قائد أسود آخر هو بوكر ت. واشنطن الذي اقتصرت مطالباته على تعلّم المهن وتقوية اليد العاملة. دام هذا السجال طويلاً، وقسم المفكرين الأفارقة لسنوات. لكن دو بويس اشتدّ تمسّكاً بهذا التوجّه خصوصاً بعد إقامته لفترة طويلة في برلين. هناك قرأ أهم المفكرين الألمان من بينهم كارل ماركس الذي منحه نافذة ماركسية لقراءة حالة الأفارقة في العالم وفي أميركا تحديداً. لم يكتفِ فقط بنقده للداخل، بل كان متيقظاً إلى العرقية في العالم ومظاهرها الكثيرة، حيث كان أبرز الداعين إلى الوحدة الأفريقية وبعض حكوماتها. عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، قدّم قراءة مختلفة لأسبابها، لم تقتصر برأيه على أوروبا وصراعاتها الداخليّة بل بسبب الكولونيالية، وتحديداً صراع الأوروبيين على أفريقيا. في مقالة بعنوان «الجذور الأفريقية للحرب»، ربط بين الحرب العالمية والكولونيالية والرأسمالية الصناعيّة. وجّه نقده بالدرجة الأولى إلى الحركات المعادية للحرب، إذ لم يكن على دعوات السلام أن تكتفي بالقوانين والعقوبات على الحروب، بل بالتصدي لاستغلال المستعمرين للعمال المحليين. إلى جانب نقده للأيديولوجيا الأميركية التي استغلّت حوالى 20% من سكانها (أكثر من نصف مليون عبد)، رأى أن اليد العاملة السوداء هي التي وضعت الحجر الأساس للنظام الاقتصادي الرأسمالي في العصر الحديث. بكلمات أخرى، العبودية هي المؤسسة التاريخية التي تعرّف فيها العامل الأسود على النظام العالمي الحديث. دمغة لا يمكن محوها بسهولة، بل ظلّت حاضرة في المراحل التي تلتها، خصوصاً في التفرقة التي أجرتها السلطات الرأسمالية بين العمال السود والبيض التي كتب عنها دو بويس مقالات عدّة.
رافق مراحل السود التحوليّة في أميركا: الجنوب والعبودية، وفترة التحرّر وإعادة الإعمار ثم ظهور قانون جيم كرو، ونضالات الحركة المدنية في الستينيات


لم تكن أميركا مساحة آمنة يوماً لدو بويس، وربّما تطلّب الأمر وقتاً طويلاً لكي يصل إلى نتيجة كهذه. مع تضاعف خيبته من البلاد، راح يميل أكثر إلى الشيوعيّة، ويوقّع العرائض المعارضة للسلاح النووي الأميركي، كما زار الاتحاد السوفياتي والصين حيث التقى ماوتسي تونغ، وبعث رسالة انتساب إلى الحزب الشيوعي الأميركي في الخمسينيات، قبل أن تطرده أميركا نهائياً. في عزّ الهجمة المكارثية على المعارضين، مُنع من السفر مراراً، قبل أن يسمح له بالسفر إلى نيجيريا وغانا لحضور احتفالات الاستقلال، غير أنها كانت سفرته الأخيرة. أخيراً اتّخذت السلطات قرار منعه من العودة نهائياً إلى أميركا. عاش سنواته الأخيرة في غانا التي منحته الجنسيّة، وتوفي هناك لكن بعدما اطمأن إلى استمرار النضال، فأغمض عينيه في الليلة التي مشت فيها حركة الحقوق المدنية مسيرتها إلى واشنطن على وقع خطبة مارتن لوثر كينغ «لدي حلم».