مع بداية ثورة الابتسامة في الجزائر كتبت لـ«جريدة الأخبار»، مقالاً مفعماً بالأمل لمستقبل بلدي بعد هذه الثورة، وكان العنوان «الفراشة تخرج من الشرنقة». كنت سعيداً جداً حينها، وأنا أرى شعبي للمرة الأولى يبهر العالم بتحضره ومطالبه الراقية وتقبّل الاختلاف الذي ساد فيه. لكن يبدو أنّ الفراشات لا تعيش طويلاً، بل لا تعيش سوى ليوم واحد، لتصطاد خفافيش الليل المظلم، أحلام شعبي وتطلعاته العادلة والمشروعة في بناء دولة ديمقراطية، دولة المساواة والعدل والقانون. أحلام لا يزال شعبي يخرج إلى الشوراع كلّ يوم من أجلها، بكلّ شرائحه ومشاربه الفكرية والسياسية والدينية. هذه التطلّعات التي ما زالت منذ سنة تمثّل هاجسه الأوّل، ولكن أسياد اللحظة يرفضون أن يعيدوا الدولة لشعبها، فهم يفضّلون أن تُباع البلاد في أسواق النخاسة على أن يروها حرّة كريمة بين البلدان. أرادوا قنص هذه اللحظة التاريخية التي أراد أن يمجّدها الشعب بكلّ ما أوتي من قوّة ومن صبر، أرادوا أن يخنقوا رقبة هذا الفينيق الذي بُعث مجدّداً من الرماد.

في 17 شباط (فبراير) 2020 سأحاكم في محكمة مدينتي شرشال بتهمة إهانة هيئة نظامية. لكي تتم إهانتي ككاتب، اختير لي كأدلّة مجموعة مناشير ساخرة ومازحة مع أصدقائي محدودة الانتشار وبعض «الميمز» المنتشر كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنّ الحقيقة تخفي نفسها خلف الستار، مقالاتي، كتاباتي ورواياتي التي تمنع منذ سنوات في الجزائر، نشاطي في حراك الجزائر ودفاعي عن مختطفي التسعينات ونجاحي في إعادة إحياء قضيتهم، توصيفي لعملية قنص المواطنين العزّل في ولاية بويرة بالرصاص المطاطي مباشرة في الأعين بإرهاب الدولة، وكتابتي رسالة للرئيس غير الشرعي عبد المجيد تبون التي عبّرت له فيها عن عدم اعترافي به كرئيس، وعملي على تدويل قضية المعتقلين الجزائريين وتضامني مع الكاريكاتوريست الجزائري نيم... كلّها أسباب جعلتهم يحاولون معاقبتي عليها. بعد انتخابات رئاسية فاشلة لم يشارك فيها أي جزائري، قرّر الرئيس غير الشرعي تبّون ومن ورائه الأوليغارشية العسكرية الحاكمة وحاشيتها، منح العفو الرئاسي لأكثر من عشرة آلاف مجرم لم يكملوا عقوبتهم القانونية بالسجن لتعويضهم بعشرة آلاف آخرين من ناشطي الحراك الجزائري. خبث وشر لا حدود له، من نظام فاسد يسمي شعبه تارة بالعناصر وتارة بالشرذمة وفي غالب الأحيان بالشواذ كما فعل وزير داخليتهم.
إنّ الثورة الجزائرية الجديدة وبعدها ثورة لبنان والعراق هي ثورات حقيقية، جاءت لتنير درب شعوب خنقتها أنظمة وكيلة عن الاستعمار حالت دون تقدّمها. فلا شيء في هذه المنطقة يسمح لنا أن نكون دولاً متخلفة. نحن نملك الثروة، نملك الأرض والطبيعة، نملك المناخ والماء، ونملك الشباب، نحن نعيش في منطقة فيها كل أسباب التقدّم ولكنّنا نعود دائماً إلى الوراء، لأنّ هناك نظاماً عالمياً يسيطر علينا من خلال حكّام عملاء يعملون بكل جهد كي لا ترفع هذه الشعوب رأسها لإقناعنا أنّنا شعوب غير قابلة للحضارة. على هذه الشعوب أن تفهم أنّ منطقتنا هي منبع الحضارة الأوّل. في العراق كتب الإنسان أول مرّة وأسّس للقانون. في مصر بنيت الأهرام قبل آلاف سنين. في الجزائر كتبت أول رواية في التاريخ. نحن مهد الحضارات، والحضارة تسري في جيناتنا ودمنا الذي أهدروه. الأبجدية التي يكتب بها العالم فينيقية لبنانية، الأرقام أندلسية مغاربية. نحن من بنينا أوّل المدن، وأسسنا لأول العواصم في سوريا، نحن من كنا قرطاج في تونس، وطنجة، نحن الحضارة، وهذه الأنظمة السياسية دورها أن تكبح هذه الحضارة من البعث مجدّداً. ولذلك وأكثر من أيّ وقت مضى، على الشعوب أن تقاوم لتتحرّر، لتستعيد حضارتها التاريخية. ولأجل ذلك على الفراشات أن تحترق أحياناً لتعيش الفراشات الأخرى، وعلى الفراشات اليوم أن تستعير أجنحة فولاذية وأن تحلّق كالنسور في سماء الثورة والحريّة.

* روائي جزائري