تراوح صور ولوحات كتاب «القادة الصامتون» (The Silent Leaders) بين تاريخَيِ انتفاضة 17 تشرين الأوّل (أكتوبر) وعيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، كما أعلنت صاحبته ماري جو رعيدي. وفي الأيّام السابقة، أضيف إليهما تاريخ ثالث في الليلة التي اقتحمت فيها مجموعة من المحتجّين «بيت بيروت» (السوديكو) خلال أمسية توقيع الكتاب (6 شباط). أسباب كثيرة دفعت المتظاهرين للدخول إلى متحف «بيت بيروت» كما حصل مراراً في أماكن مختلفة من العاصمة منذ انطلاق الانتفاضة. لكن هذه المرّة، كانت الوجهة «متحف بيت بيروت» وتاريخه، في خطوة تتجاوز الاعتراض على الكتاب فحسب، لتصبح دعوة رمزيّة إلى المؤسّسات الفنية والثقافيّة للالتحاق بالفضاء السياسي العام، وخصوصاً تلك التي تنأى عمّا يحدث في الخارج، ما يذكّر باحتجاجات Institutional Critique التي ظهرت في أميركا خلال الستينيات لانتقاد أيديولوجيا وسلطوية المتاحف والغاليريهات والمجموعات الخاصّة منها «المتحف الحديث في نيويورك» و«غوغنهايم» اللذان شهدا عدداً من هذه الاحتجاجات على قضايا فنية وسياسيّة.



شرارة الاعتراض على الكتاب بدأت قبل ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. أشار عدد من الفنانين إلى أن المشاركة في الكتاب جرت من دون اتفاق واضح معهم. بعضهم وصله الكتاب، فيما مُنح الآخرون حسماً على المؤلَّف الذي يبلغ سعره 120 دولاراً لم يرَ منها الفنانون دولاراً واحداً مقابل أعمالهم. ولكن السبب الأساسي يكمن في مصادرة رعيدي الرمزية لأعمال الفنانين، وحرصها على وضعها في إطار «فني» كأنما هذه الصفة، هي السبيل لتبرير الانتفاضة، وهي التوسّل بشكل مباشر أو وغير مباشر لجعل بعض الطبقات تجد نفسها في الانتفاضة بطابعها الحضاري فحسب.
التاريخ الثالث الذي التحق بسيرة الكتاب، يأتي كبُعد تحريري للصور وللأعمال الفنية من هذا الإطار. وكأنّ المواجهة خلال الدقائق التي قضاها المحتجّون داخل «بيت بيروت»، كانت صراعاً من أجل عودة الصور إلى الشارع حيث التقطت أساساً، رغم كلّ العراقيل التي وضعتها رعيدي. احتجّ المحتجون لا بسبب سعر الكتاب فقط رغم أنّه كان البداية، بل لأسباب عدّة منها دعم رعيدي لجمعيات لم يكشف عنها كلّها. جمعت المصمّمة أعمال مصوّرين وفنانين عرب وأجانب، بهدف صناعة عمل توثيقي فني و«تاريخي»، على حد وصفها، عن الثورة في لبنان. قالت ذلك في مقابلة بدت فيها كما لو أنّها تحدّق في مقعد محدّد سيحفظه التاريخ عن هذا الحدث، الذي قد يحفظ أيضاً صورتها وهي تمنح التبرّعات للجمعيّات في عمل إنساني يكتمل مع «صورة الكتاب» وتصميمه الملوّن بشكل مثالي.
كتاب ثمين عن الثورة بدون إعطاء المصورين حقوقهم!

وللمفارقة، هذه الصورة لهشاشتها، كانت بحاجة إلى حماية عناصر أمن داخل المتحف. كان «الجدار» بائناً. جدار من قوى أمن يبدون كرديف مادّي للمفاضلة بين ما هو فني، وما هو غير فني. على اعتبار أنّ صفة «الفنية» هي الوصفة المثالية لمنح أي شيء قيمته، والنأي به بعيداً عن النقد. ولحماية هذه الصفة الفنية، قد يتطلّب الأمر عنفاً، مثل تدخل بعض الحراس خلال التوقيع الذي لم يكتمل، رغم أن المتظاهرين لم يتعرّضوا لأحد. دُفع المتظاهرون إلى الخارج، ومُنعوا حتى من إكمال اعتراضهم. لهذا فإن الطابع الفني هنا يأتي كذريعة لبيع السلعة (الكتاب الذي يبلغ سعره 120 دولاراً)، تماماً كأي غلاف لسلعة تجاريّة تستخدم الفن والفنانين من أجل التشجيع على الاستهلاك. حين يأتي الفن في هذا السياق، فإنه يتجاهل عمداً الجوانب الاقتصادية والاجتماعيّة للانتفاضة في لبنان، بل إنه يناقضها تماماً بنوع من التعقيم الذي يراد منه تظهير جانب واحد قائم على صورة تلتقي بالمعنى الكلاسيكي للفن كحضارة ترتقي على حضارة أخرى، أو حتى توجّه يقترب من الفن بمعناه المقدّس الذي أُسقط مراراً منذ بداية القرن الماضي. هكذا، يبدو الكتاب مثل المزادات الفنية للدعم الخيري حيث يستغل الرأسمال الفن من أجل «الخير»، في تجاهل صارخ للظروف التي صنعت الحاجة إلى العمل الخيري.