لا تصل الصور إلى حالة نهائيّة. ما إن تقع على لقطة، سرعان ما تشعر بأن هناك ما يهدّد ثباتها. هكذا هو المشهد في كتاب «بيروت مدينة عارية». يبقى في طور الاكتمال ولا يبلغه إطلاقاً حتى لدى الانتهاء من تصفّحه. تبني إيفا سودارغيتي دويهي (1988) صورتها على تشتّت المشهد المديني، وتضاربه، وتكسّره وحركة تبدّله السريعة في بيروت. هذا ما يصيب الصور بعدم استقرار، رغم أن الكاميرا تصل بلا مواربة إلى عناصر ثابتة بأغلبها. مع ذلك، لا تفقد المصوّرة الليتوانية اللبنانية الأمل من وضع هذه المظاهر اللامتناهية ضمن سياقات محدّدة، تبدو كمنهجيّة لضبط الفوضى العمرانيّة والمدينية. منهجيّة تقوم على محاولة لتحديد سمات معيّنة للمدينة ستنتج عنها كميّة هائلة من الاقتراحات والمظاهر.

تتبع المصوّرة سياقات منظّمة، ترصد من خلالها المساحات الخضراء الضئيلة، المقابر، والأبنية القديمة والجديدة، تظهّر الجسور والشرفات والخيم البلاستيكية والورش. باحتوائه حوالى 150 صورة، يتيح لنا الكتاب التنقّل السريع والتقلّب بين وجوه وزوايا وأمكنة متعدّدة لمدينة واحدة. الكتاب هو تجربة. تجربة بحث طويلة عنها. بعد أربعة فصول هي «نظرة عامّة»، و«قطع أثريّة»، و«أحياء»، و«مستقبل»، نصل إلى الصورة الأخيرة من الكتاب، من دون أن نكون قد عثرنا على أيّ وجه حقيقي لها باستثناء الإسمنت.

مار مخايل


مار مخايل

الصور بأكملها تعزّز الاعتقاد بأن أيّ محاولة للتوصّل إلى شكل لبيروت، سيكون مصيرها الإخفاق، لأنها مدينة لا تكفّ عن التنكّر بهيئات مختلفة. يحمل الكتاب اسم بيروت، لكن إيفا تطأ المدينة من زاويتها الماديّة الملموسة. بالكاد تفلت عدستها من نطاق الهندسة المعماريّة التي درستها. ثمّة التصاق واضح بالأشكال، وبعناصر المدينة الثابتة والمتحرّكة، ضمن محاولة أشمل للخروج بأنماط من هذه الفوضى العارمة. باللغتين الإنكليزية والفرنسية، يفتتح الكتاب بثلاثة نصوص، أوّلها للكاتبة دومينيك إدّه بعنوان «مدينة غير قابلة للاختزال» تكتب فيه عن السمة الواقعية لصور سودارغيتي، فيما تستعيد مهمّة «وسط بيروت» التي دعت فيها ستة مصوّرين عالميين ولبنانيين بداية التسعينيات لتصوير وسط المدينة بعد الحرب. هناك أيضاً مقالة «أجزاء المدينة» لنقيب المهندسين جاد تابت عن تفتّت بيروت المديني والعمراني، ومقال «ذكريات الآن» للناشر ألكسندر مدوّر.
لا تلتزم سودارغيتي بنطاق جغرافي واحد، بل توسّع لقطاتها شمالاً وجنوباً ومن كل الجهات، ما يتماهى عموماً مع غياب حدود واضحة لبؤرة تتضخّم بلا هوادة. تتوالد بسرعة، ولا تنكفئ إلا عند حدود المقابر. في بعض الصور، سنقبض على المدينة وهي تتمدّد إلى الجبال، أو تتدافع باتّجاه البحر. والبحر تحديداً تتقصّد إيفا تظهيره على أنه بقعة ضئيلة. نلمحه جسراً بين مبنيين، قابعاً تحت سطوة العمران. وحين يظهر كاملاً، يكون مكتسياً ألواناً عدّة أبرزها لون المجارير. تتخلّى إيفا منذ البداية عن أي فكرة مسبقة عن بيروت، تاركة للتصوير نفسه أن يكون أداة بحث في كل بقعة من المدينة. في كلّ الأحوال، فإنّ الانشغال الشكلي وفجاجته، يضعنا أمام سؤال أساسي حول ما قد يصنع مدينة بما يتجاوز ماديّتها؟ يُقال إن بيروت فيها سحر يصعب تجاهله. لكن المصوّرة لا تولي اهتماماً بتجميل الظاهر والتخفيف من وقعه عبر العناصر الفنية مثل الضوء والظلال واللقطات الاستثنائية، بقدر ما تتفرّغ للواقع العاري وفق عنوان الكتاب. تبقى ملتصقة بالهمّ التوثيقي وحياديّته بما يجعل من بعض اللقطات مجرّد مسح عادي للظاهر أمامها، إلا أن عملها الثوثيقي عموماً لا يخلو من تعليق مديني واضح، ومباشر أحياناً. أمام غياب وجوه الناس وحركتهم عن معظم اللقطات، يكتنز الهيكل الخارجي تحوّلات كثيرة ألمّت ببيروت، وما زالت تطالها كل يوم. الحرب، وطفرة الأبنية الشاهقة، التفاوت الطبقي الصارخ، الأزمان الكثيرة التي تظهر في مبنى واحد أحياناً.

التحويطة


برج حمود

يبدأ الكتاب بلقطات واسعة، وجويّة في القسم الأوّل. كادرات بعيدة يظهر فيها التضارب العام لبيروت. تطلّ إيفا على المدينة من البساتين القليلة المتبقيّة، ومن الجبال، وسطوح البنايات، والخيم البلاستيكية، مولية تقسيم المشهد وأبعاده أهميّة كبيرة. هكذا، فإن كلّ لقطة في هذا القسم تقوم على اشتباك ما: أبنية قديمة وجديدة، مساحات خضراء مقابل المساحات الإسمنتيّة. وغالباً ما ينتصر المشهد بأكمله للإسمنت الذي يظهر كعنصر مشترك بين معظم الصور، حتى حين تكون المواجهة بين الإسمنت والسماء. في اختيارها للكادرات، تحدّ إيفا من حضور السماء التي بالكاد تظهر، فيما تختفي تماماً أحياناً من مساحات تنبت فيها الأبنية والبيوت من كل بقعة. تخصّص المصوّرة قسم «قطع أثريّة» لأبنية بيروت. تصطاد أنماطاً مختلفة منها ضمن لقطات مقرّبة تشبه البورتريهات. تطالعنا أبنية قديمة، وورش في طور البناء، بيوت، عمارات تحمل ثقوب الحرب، أكواخ زينك، وأخرى تحمل أكثر من نمط عمراني بسبب إضافات وتعديلات أُلحقت بها على مدى السنوات. وهنا، تتسلل عدستها إلى الجوانب الخلفية للأبنية التي تخفي تشوّهاً فجّاً. ضمن تخبّط المشهد العام، سنكون أمام تكسّر على نطاق أضيق في الأبنية. في لقطاتها الصارمة والمباشرة للأبنية، ثمّة خراب معين يصيب كلّاً منها، في ستائر الشرفات الممزّقة وشرائط الكهرباء التي تهطل من كل مكان، حدائد تنتصب على جوانبها. تصل صورها في هذا القسم إلى نوع من التجريد الشكلاني للخطوط والأنماط. تجريد هندسي يظهر بفضل لقطاتها المقرّبة على عنصر بذاته كالجدران والنوافذ.
تبقى اللقطات ملتصقة بالهمّ التوثيقي وحياديّته الظاهرة

وفي تتبعها للأشكال، تصوّر عواميد أثرية وقساطل وكتلاً حديدية ضخمة متروكة على جوانب الطريق والبؤر المهملة في لقطات تحمل طابعاً عبثياً، بينما تختنق مشاهد أخرى تحت الجسور. أوّل ما نقع عليه في قسم «أحياء» هي المقابر، بوصفها الأحياء الأكثر سكوناً وانتظاماً مقارنة بالأحياء السكنية المأهولة. يمكننا أن نتلمّس تعذّر وصول الكاميرا إلى البؤر التي تحمل أثراً أو حضوراً بشرياً، كما في بعض اللقطات العموديّة التي تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، وتتقمّص فيها عدسة إيفا عيناً تطلّ من على شرفة لتنبش المخبّأ من المدينة. تطالعنا أحياء في الزوايا الخلفية مثل الشجر وخزانات مياه ومزروعات قليلة وثياب معلّقة على الحبال وبعض الزوايا المختنقة بين أربعة أبنية. مع ذلك، لا يخلو القسم من صلافة المواد كالحديد والإسمنت في لقطات داكنة تماماً. وبتخصيصها المساحة الأضيق للقسم الأخير «مستقبل»، تظهّر إيفا المساحات الخضراء القليلة والأشجار التي كأنما تضع مكبراً أمام عينيها للعثور عليها. الأشجار محاصرة من كلّ الأمكنة. تظهر هشاشتها أمام الإسمنت، تماماً مثلما يبدو «مستقبل» بيروت.