المتابعون لملحق «كلمات» يعرفون مؤلفات عاصم المصري الذي رحل قبل أيام عن عالمنا. ذلك أني كتبت فيه عروضاً عن جديده، خصوصاً تلك المتعلّقة بالألسن واللغات كان آخرها «النظام اللغوي والألسن الشقيقة». لكن عاصم المصري ليس عالم لغة ولا باحثاً فقط ولا حتى كاتب رواية، بل إضافة إلى كلّ ما سبق هو رجل أعمال فلسطيني ناجح كان مقيماً في لبنان منذ عقود. الصديق العزيز عبودي أبو جودة هو الذي عرّفني إليه وقال حينذاك: «سأعرّفك إلى شخصية استثنائية تحتفظ بمؤلفات مختلفة يرى أنها مهمّة في سيارته، ليهديها إلى معارفه وأصدقائه». منذ اللحظات الأولى لتعرّفي إلى عاصم المصري، شعرت بأني إزاء إنسان لا نلتقي مثله في حياتنا إلّا نادراً. وصفات شخصه المتواضع حقاً تتناسب طرداً مع إبداعاته في الموضوعات كافة التي تناولها بالبحث والدراسة.

منذ اللحظات الأولى لتعرّفي إلى عاصم المصري، تطوّرت بيننا علاقة ودّ واحترام متبادل، وكنا حريصَين على اللقاء كلّما أتيت إلى بيروت أو زار دمشق، المدينتين اللتين أحبهما حبّه لفلسطين. وعندما بدأ في كتابة أبحاثه اللغوية الشغوف بها، كنت أحرص على الاستماع إليه بشوق وتعطش للمزيد. موضوعات أبحاثه اللغوية كانت جديدة عليّ، وأعترف بأني لم أتمكّن من فهمها فور سماعها وإدراك مغزاها العميق وأهميتها القصوى، فاحتجت إلى بعض الوقت لاستيعاب جوهرها، خصوصاً أنها تتناول موضوعاً جديداً عليّ، ويقع أيضاً خارج دائرة اختصاصي الضيقة.
لكنني كنت حريصاً أيضاً على الاستماع منه إلى موضوع مؤلفه «المحاكمة» الفلسفي الذي بيّن فيه سبب عدم تمكّن القضاء الألماني من محاكمة المقاتلين الذين شاركوا في عملية ميونيخ، ونجوا من الكمين الغادر بسبب انعدام اسم فلسطين من مفرداته!
وفي مؤلفه «ناقوس النفط وخطر النضوب» الفكري التحليلي بامتياز، أوضح كيف تسنّى لكيسنجر والقوى المهيمنة في الولايات المتّحدة افتعال فضيحة «ووترغيت» لتجميد صلاحيات الرئيس نيكسون، وتفرّدهم بتوجيه الحرب ومفاوضات التسوية، فوضع بين أيدينا وأمامنا ـــ كما يقول ــــ شيطان النفط في مقابلة راجفة تصادمية، بما تزخر من تردّد وفتن وعماء بصيرة، طالباً «الذاهبين إلى الغفلة بأقدام ليست لهم وقلوب لا تعقل التوقّف ليروا بصيص أمل إن فتحوا أعينهم». لم يغفل العمل دور الأنظمة القبلية والطائفية التي تعمل الإمبريالية على تعميم طغيانها لتثبيت الاحتلال الصهيوني على كيانات متشظية متناحرة. وفيه نعثر على مواصلة الكاتب العمل بمنهج توازن التناقض الذي اتّبعه في كتابَيه «الأبجدية ودلالاتها - النظرية والتطبيق» و«جدلية الثنائي» حيث تابع جدليّة حركة الصراع الاستعماري في المنافسة للاستحواذ على مكامن القوّة، التي اتّبعها في جدليّة بُنية حروف الأبجدية العربية؛ مقابلاً الحجج والبراهين ببعضها، وتاركاً إياها لتشير إلى المسار والمصير، سواء الذي أحدثته الحروب، أو الذي ما انفكت تتابعه. رسالة المؤلف: «خلق التناقض ضروري للعبور من خلاله إلى الهيمنة».
وإذ ننظر إلى ما يجري في بلادنا، ندرك مدى صدق تحليلاته وصحتها.
عاصم المصري رجل أعمال ومفكر، عمل بصمت، غير مكترث بالشهرة، لكن القارئ الباحث عن مؤلفات فكرية عميقة يعرفه من مؤلفاته الإبداعية السابقة، في المجالات المعرفية والأدبية التي سبق لنا عرض بعضها.
في عرضي الأخير في ملحق «كلمات» الصادر بتاريخ 21 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كتبتُ: «العالم الكبير لم يقصد بمؤلفه هذا وما سبقه في الموضوع نفسه، بحثاً لغوياً مجرّداً، إذ أنهاه بالقول: إن تراثنا يستصرخ أبناءه لأخذ المبادرة في التحقق مما أتى عليه المستشرقون بإعادة قراءته بعيون عربية وبلسان مبين، وكي لا تبقى وجهة نظر فردية، يتمنى أن يُصار إلى تشكيل مجموعات من علماء اللغة تعمل معاً على فك رموز الكتابات القديمة توصُّلاً إلى رأي موحّد، فلا يبقى إرثنا وجهات نظر متباينة ومشرذمة». ووعد قرّاءه أيضاً باللقاء في مؤلف جديد أعطاه عنوان «المختلِف المؤتلِف بين الألسن الشقيقة». هذا المؤلف سيصدر قريباً لكن من دون اللقاء بعاصم المصري الذي غادر الجغرافيا بعد يومين من تاريخ ولادته قبل واحد وثمانين عاماً، واستحال عطراً نتنفسه، نحن محبيه، أيضاً بالقرب من سوسن ومُزنَة وغسَّان وفطام، أولاً وليس أخيراً، ونتدفأ بفكره لمواجهة صقيع أنظمة فساد البترودولار وإفسادها. وهو لنا دليل للتفكير العميق كي لا نكون أكثر من فعل ماض ناقص في كتب التاريخ.