«من الممكن اليوم تخيّل نهاية للعالم، لكننا نعجز عن تصوّر نهاية للنظام الرأسماليّ
(فريدريك جيمسون – مفكر أميركي)



انطلق مارك فيشر (1968 - 2017) الناقد والمفكر والفيلسوف الثوري البريطاني من الفكرة التي طرحها فريدريك جيمسون (وكذلك سلافوي جيجيك) عن تلك الحالة من فقر الخيال التي أصابتنا في عهد الرأسماليّة المتأخر حتى أصبح من اليسير تخيّل نهايات كثيرة للعالم، بحرب نوويّة أو فاشيّة عالميّة أو طاعون جديد أو حتى تحولات مناخيّة، في الوقت الذي نعجز فيه عن تصوّر نهايةٍ للنظام الرأسماليّ... لينحت منها مفهوم «الواقعيّة الرأسماليّة» كتوصيف لحالة تفشّي القناعة بأن الرأسماليّة هي قدر البشريّة النهائيّ، وأنها على مثالبها العديدة تظلّ طبيعة الأشياء سياسياً واقتصاديّاً على نحو لا يمكن معه تصوّر بدائل ممكنة للاجتماع البشري.
يصف فيشر في كتابه الخطير «الواقعيّة الرأسماليّة: هل انعدمت البدائل؟» (2009) حقيقة أن النيوليبراليين هم النموذج الأعلى لهذه الواقعيّة. فهم منذ صعود الثنائي ريغان – تاتشر في الربع الأخير من القرن الماضي، عملوا بحزم على تفكيك ارتباط الدول الوطنيّة مع مكوّناتها في الفضاء العام لمصلحة رأس المال المعولم، ربما مع استثناء الوظيفة الأمنيّة - العسكريّة. لكنّهم عندما سقط بيت الورق الذي شيدوه على محض الخداع بإفلاس البنوك عام 2008 وما نتج عنه من أزمة ماليّة عالميّة، سارعوا إلى استدعاء الدّولة ذاتها لإغاثة البنوك ومنع الانهيار الكلّي عبر سرقة أموال المواطنين دافعي الضرائب، وإفقار جيل كامل لا يزال إلى اليوم يدفع من حياته ثمن تلك السياسات المشبوهة، فكأن الدّولة بائعة هوى يستدعونها لبعض الوقت ثم تُغيّب.

شنّ هجوماً على أيقنة الأعمال الثوريّة وابتذالها كصورة غيفارا التي تحولت إلى سلعة استهلاكيّة مبسترة

«كارثة الرأسماليّة» وفق فيشر، لم تحدث في لحظة فاصلة أو نقطة محددة من التاريخ، ونقف اليوم في جهل شبه تام للحالة التاريخيّة التي أنتجتها والتي تبدو قديمة في الزمن وليست بذات صلة بما نعيشه في حاضرنا، حتى لكأنها معجزة سلبيّة بمعنى ما، لعنة سحريّة غامضة لا يمكن فكّها، تسرّبت إلى أرواح البشر رويداً رويداً كما تتسرّب منا الأيّام، لتجعل منهم أقرب لـ «زومبيّات» هائمة، عالقين في منزلة كأنّها الفاصلة بين الوجود والعدم. فَكُّ تلك اللعنة – يقول فيشر – يبدو للعالقين بين المنزلتين غير ممكن، كأنّه بحث في إلغاء ماضٍ لم نعرفه، ولحظة عجائبيّة ألقيت فيها تلك اللعنة ليس ممكناً القبض عليها. ولذلك يجلس أحدنا ليشتم الرأسماليّة ليلاً، ليعود وينخرط في ماكينة عبوديتها العبثيّة نهاراً، استهلاكاً وذلاً وخضوعاً وانحطاطاً. في هذه المنزلة اللّامنزلة، ينعدم الفعل، وكل ما يتبقى للبشر هو الأمل في ممالك لهم من عالم آخر، وأوهام خلاص على أيدي كائنات أثيريّة خرافيّة. لعل ذلك وحده يفسّر بقاء التديّن بألوانه واشتداد عوده مجدّداً بعد كل المنجز التقني البشري منذ أيّام سبينوزا. في العصور الوسطى (المستمرة في ممالك العرب إلى وقتنا الراهن، حيث المعاصرة لا تعني بالضرورة أنّ النظام ليس قديماً بالياً)، كان الملوك/ الآلهة أو الحاكمون باسمهم يرهقون البشر، الذين ــ لعجزهم وقلّة حيلتهم ـ يدفنون قهرهم المكبوت في ملكوت الربّ. هذا الملكوت عاد مجدداً في ظل «كارثة الرأسماليّة» الأفدح، سلوى يتيمة، وحلم يقظة أخيراً للعاجزين المستعبدين العالقين.
فيشر ذو الرّوح مرهفة الحساسيّة، شرع مبكراً في تلمّس ظلام الرأسماليّة المتناثر في كلّ مكان يذهب إليه: في الرواية والأدب، في الموسيقى والشعر، في السينما والمسرح، في السياسة والاقتصاد. وكلّما كشف عن سوادها المتفشي كحبر داكن في كلّ مكونات الحياة المعاصرة، كلّما أصيب بالكآبة واختناق المحاصر. ورغم أن تجارب تقدميّة في ساحة الموسيقى الجديدة وأكاديميا الفلسفة وتحليل الثقافة الشعبيّة كانت طريقه الأول للتفكير في إطار نظري لتفسير الرأسماليّة، إلا أنّه ما لبث أن أصابه الملل من عجز جميع المؤسسات ـــ دولةً وصحافةً وجامعات وتجمعات، بما فيها أحزاب اليسار العقيمة ــــ عن اقتراف فعل حقيقي تجاه اللّعنة ـ الكارثة. وآلمه اكتفاء الجميع بمجرّد الثرثرة والتبلّد المستمر، متسربلين بخوفهم اللّحظي المتمدد، سمة العيش في المنزلة ــ الزومبيّة ــ قبل السّقوط في العدم. لذا كان من أوائل المثّقفين البريطانيين الجدد الذين أدركوا الإمكانات اللانهائيّة للتأثير عبر الإنترنت، فأطلق (منذ عام 2003) مدونة سيبيريّة أسماها K-punk جعل منها نافذته على العالم وصرخته اليوميّة في وجه الظلام، وورشة تفكير ثوريّ وبحثاً مستمراً في ما وراء الظّواهر والخدع الرأسماليّة، وميداناً مفتوحاً لنقاشات كثيفة تعجز أن تحملها المجلات الثقافيّة أو أن تتحملها الأبراج الأكاديميّة العاجيّة.
كتاباته التي بقيت (طبعها رفاقه بعد رحيله في مجلّد من 800 صفحة) عكست ثقافة معاصرة رفيعة لمراقب مطلع على حالة فنون التعبير البشري جميعها، في الكتب، والتسجيلات، والأفلام والمتاحف والصحف، فيغرف منها مادة خام لرؤية تجميعيّة ثاقبة قادرة على رؤية العلاقات الخفيّة وغير الملحوظة بين مسائل متباعدة، فيكتبها نظريّة تذهل بقيتنا المقيمين في المنزلة بين المنزلتين. هكذا، فإن لقطة عابرة للرئيس السورياليّ رونالد ريغان أو فيلماً سينمائياً عرض في عطلة نهاية الأسبوع، قد تجد تفسيرها عنده عبر طريق يمرّ بقصيدة «الأرض اليباب»، وتفكيكيّة جاك دريدا، وعبثيات الحركة الدادئيّة، وتنظيرات سلافوي جيجيك.
ما أقلق فيشر دوماً أنّ جديد الثقافة والفنون في ظلّ الرأسماليّة يعرّف عن نفسه دائماً ويحدد إحداثياته بالنسبة إلى القديم الموجود، بينما الأخير يعدّل من ذاته قليلاً بناء على ذلك الجديد/ اللاجديد. هكذا نسقط في هوّة لا قرار لها من اجترار الأفكار والمسائل. هوّة يصفها بأنها ليست نزعة محافظة ثقافيّة، بل عدم ثقافيّ وعقم قاتل. وشنّ لذلك هجوماً لا يرحم على أيقنة الأعمال الثوريّة وتحويلها إمّا إلى نخبويات لا تراها عيون جديدة، أو تبتذلها حتى لو كانت كتاب «رأس المال» نفسه، أو صورة الشهيد غيفارا عبر تحويلها إلى سلعة استهلاكيّة مبسترة (رحل فيشر قبل أن يلحق بفجور نتفليكس الأميركيّة وهي تنتج فيلماً عن سيرة فيديل كاسترو). فالرأسماليّة قادرة على ابتلاع التاريخ بكلّ ما فيه، فتعقمه وتعيد عرضه ـــ مقابل نقود بالطبع ـــ كمنجز رأسماليّ. هكذا نفخر بزيارة المتحف البريطانيّ مثلاً لرؤية الآثار العراقيّة فنتأملها مذهولين، غافلين أننا في الحقيقة نكرّس هيلمان أكبر مخزن للسّرقة والقتل والعنف دفعت أثمانه شعوب كثيرة من دمائها وذاكرتها وثقافتها.
جيلنا الذي ولد بعد نهاية التاريخ مصاب بالعجز حتى عن اقتراف الأحلام خارج صندوق الرأسماليّة


توصيف فيشر للحظتنا التاريخيّة يشبه إلى حدّ كبير روح نظريّة «نهاية التاريخ» التي قال بها فرانسيس فوكوياما بعد سقوط جدار برلين. لقد تحقق عندها ما ظنّه فوكوياما انتصاراً نهائياً لليبراليّة الغرب المعولمة: لقد مات ماركس أخيراً ولم يعد ثمّة مجال لقيام نظام عالمي بديل، والتغيير الممكن الوحيد هو اهتراء نيتشاويّ (نسبة إلى نيتشه) يأتي من داخل المنظومة الرأسماليّة قد يتسبب في فوضى مدمرة فقط، من دون القدرة على الإتيان بجديد. لكن فيشر يجعل نقطته المرجعيّة للدخول في سجن التاريخ الدائري هذا، هزيمة إضرابات عمال المناجم في بريطانيا 1984 – 1985 التي غابت رمزيتها عن كثيرين. لقد كانت تلك لحظة مفصليّة في التاريخ المعاصر تشربنا بعدها جميعاً أيديولوجيا عصر تاتشر-ريغان: أن ما لدينا هو وحده الممكن مهما كان قارساً وقاسياً، وأن كل ما بوسعنا يقتصر على محاولة تحسين شروط البقاء في ظلّه. من يومها ـــ يقول فيشر ــــ تسربت الرأسماليّة إلى لاوعينا واحتلت كما سائل رخو هلاميّ كل فضاءات تفكيرنا، إلى درجة أن جيلنا الحالي الذي ولد بعد نهاية التاريخ مصاب بالعجز حتى عن اقتراف الأحلام خارج صندوق الرأسماليّة. أصبحت هواجسنا وكوابيسنا وآمالنا وأسمى أمانينا جميعها مستلّة من مادتها الكالحة وغير المرئيّة في آن. لقد تحوّل الإنسان إلى مخلوق ريغانيّ ـــ هومو ريغانوس نسبة إلى عهد الرئيس ريغان ــ مجرّد مواطن مسحوق مخصيّ عاجز حتى عن رؤية من يسحقه ويخصيه. يستهلك ما يقدّم إليه من علف معلّب كمنتجات ثقافيّة، فيزدردها منتشياً بمحض حركة المضغ من دون أن يدرك سمّها الزعاف. من منّا لم يشاهد مثلاً ثلاثيّة «العرّاب» أو فيلم «الإيرلندي» على نتفليكس للجيل الجديد؟ لوهلة تظن بأن أحداث عالمنا تنتجها منظمات غامضة تعيث في الدنيا فساداً وقتلاً وقسوة وخيانات، وبأننا الآن بعد مشاهدتنا للفيلم أذكى وأكثر واقعيّة وأعرف بديناميات حركة التاريخ: ذئب يأكل ذئباً، وإن لم تربح ــ بأي طريقة ــ وتتأهل لتكون من النخبة، فأنت بالضرورة من الخاسرين، وتلك سيرة الأيام وديدنها ولا قِبل لأحد بمواجهتها، حتى الرئيس الأميركيّ ذاته. هكذا نعمى عن المنظومة الكليّة التي أنتجت كل هذا الهراء حقيقة كان أم خيالاً سينمائياً، ونغرق في مزيد من الشّلل والبلاهة.
فيشر الذي رأى، كان في الثامنة والأربعين عندما تمكّن منه الاكتئاب وحصار الرّوح، فأقدم على الانتحار. الرجل الذي قال لنا يحثنا على المقاومة بأن «ظلام الرأسماليّة مثل ستارة سوداء هائلة، يمكن من خلال ثقب صغير فيها أن يتسرّب نور ساطع»، وجد أن كل الثقوب التي صنعها في ستارة السواد، لم تثر فينا الرغبة في الانتقال من المنزلة بين المنزلتين إلى منزلة الوجود، وتلك لا تتحقق طبعاً بجهد فردي، فاختار هو الهبوط إلى منزلة العدم، كفعل حريّة فرديّ، وتمرّد، ورفض مطلق للعيش حيث تستلقي الزومبيّات البائسة.