خلال تجوّلهم في معرض «بورتريهات غوغان» الذي يستمرّ في «الغاليري الوطنية» في لندن (حتى 26 كانون الثاني/ يناير 2020)، يستمع الزوّار إلى سؤال مفاجئ يخرج من الدليل الصوتي للمعرض «هل حان الوقت لكي نتوقّف جميعنا عن النظر إلى لوحات بول غوغان؟». أما اللوحات التي يقصدها القيّمون على المعرض، فهي تحديداً تلك التي أنجزها الفنان الفرنسي بول غوغان (1948 ــ 1903) في تاهيتي لفتيات وطفلات منهن من ربطته بهن علاقات جنسيّة. يركّز المعرض بشكل عام على تجربة غوغان مع البورتريه، إذ يجمع بورتريهاته الذاتية ووجوه رسمها لأفراد عائلته وأصدقائه، وأخرى من الفترة التي قضاها في تاهيتي. الصوابيّة السياسية (Political Correctness) مجدّداً، ذلك المصطلح الذي وصفه الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك بالتهذيب البارد. فقد طال هذه المرّة لوحات غوغان، التي سبق أن تعرّضت للنقد في السنوات الأخيرة من قِبل عدد من الأكاديميين والفنانين، والتاهيتيين الذين يرفضون اختصار بلادهم بالإطار الإكزوتيكي في أعماله.


لوحة «تاهامانا لديها عدّة آباء وأمهات» (1893) لبول غوغان

بالتزامن مع الصحوة العالمية والحساسيّة المفرطة تجاه القضايا المتعلقة بالجنس والعرق والاستعمار، لا تنجو السينما والمؤسسات الفنية والمتاحف من ضغوط كبيرة ودعوات إلى إعادة تقييم هذا التراث الفني بعين اليوم. ما دفع القيّمين على المعرض اللندني إلى تبديل بعض مصطلحات نصوص المعرض، والتعديل في المعلومات التاريخية. صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية نشرت تحقيقاً عن المعرض والنقاش الذي ترافق معه، كتبته الصحافية الإيرانية فرح نيّري. النقاش ليس جديداً. إذ يتعلّق أولاً بالنقد الأدبي والفني، وبسؤال جوهري عما إذا كان علينا عند قراءة عمل فني ما الاستعانة بسيرة المؤلّف الذاتية أو تجنّبها تماماً، خصوصاً مع إعلان رولان بارت موت الكاتب، ثم التفكيكية التي أقرّت باستحالة بلوغ المعنى في النصوص. ومع الصوابيّة السياسية، التحقت المقاييس الأخلاقية والسياسية بالمقاييس الفكرية والجمالية التي تقيّم العمل الفني. هذا ما كان قد أطلقه الناقد الإنكليزي جون بيرجر في كتابه «طرق الرؤية» في السبعينيات، الذي قدّم فيه قراءة سياسيّة مختلفة عن القراءة الجماليّة للأعمال الفنية الأوروبية عرى فيها النظرة السلطوية والذكورية البيضاء التي كانت تحكم تلك الأعمال. أبرز ما حصل في هذا السياق، هو اضطرار «غاليري مانشستر الفنية» قبل سنوات إلى إزالة لوحة «هيلاس والحوريّات» للفنان البريطاني جون ويليام ووترهاوس بسبب الطريقة التي صوّر بها الفتيات. وبالعودة إلى غوغان، فإن أعماله ــ برأي الداعين إلى الصوابية السياسية ــ تتطابق مع خرق كل القواعد العرقية والعمرية والجندرية، كونه أقام كفنان أبيض، علاقات عاطفية سلطوية مع فتيات قاصرات. الفنان الفرنسي الذي لجأ إلى تاهيتي عام 1891 كمهرب إكزوتيكي من حياته القديمة في فرنسا، كان يطمح إلى نيل بداية جديدة على الصعيد الشخصي والإلهام الفني. هناك قضى السنوات الأخيرة من حياته، وأنجز أشهر لوحاته متأثراً فيها بالأعمال البدائية التي رآها. فيما كان ينجز لوحاته للفتيات ولمحيطهن الطبيعي، تبنى التقاليد التاهيتية في حياته اليومية وراح معها إلى حدّها الأقصى. إقامة نتجت عنها أشهر لوحاته من بينها تلك المعروضة مثل «تاهامانا لديها عدّة آباء وأمهات» التي رسم فيها حبيبته الصغيرة تاهامانا، و«حوّاء الإيكزوتيكية» التي رسم فيها طفلة عارية أمام الأشجار، و«حكايات بربرية» تصوّر فتاتين عاريتين تجلسان أمام الفنان الذي يحدّق بهما. رغم أن غوغان اتّبع التقاليد والمعتقدات التاهيتية، متخليّاً عن التعاليم الكاثوليكية، ومتّهماً إياها بالإطاحة بالإرث الفني التاهيتي، إلا أن ذلك لم يشفع له لدى منتقدي أعماله.
قبل لندن، حطّ المعرض في «الغاليري الوطنية الكندية» في أوتاوا، حيث تلقت الغاليري حينها أكثر من خمسين شكوى تنتقد استقبال أعمال غوغان. علماً أن المتحف الكندي كان قد بدّل من النصوص وعدّل في عناوين اللوحات، تجنّباً للغة الثقافية التي تخلو من الحساسية وفق ما قاله المكتب الإعلامي للمتحف. مثلاً، في أحد النصوص، تم استبدال عبارة «علاقته مع نساء تاهيتيات يافعات» بعبارة «علاقته مع فتاة تاهيتية يراوح عمرها بين الثالثة عشر أو الرابعة عشرة». على خطى المتحف الكندي، لم تصرف «الغاليري الوطنية» في لندن النظر عن ممارسات غوغان، إذ ذكرت في نصّ المعرض أن الفنان «أقام علاقات جنسية مستمرّة مع الفتيات، حيث تزّوج اثنتين منهما وتبنى أطفالاً آخرين»، مضيفة «لا شك في أن غوغان استغلّ سلطته وامتيازه كغربي للإفادة من الحريّات الجنسية المتاحة له هناك». وقال القيّم المساعد للمعرض كريستوفر ريوبل لـ «نيويورك تايمز» إنه «لا يمكننا بعد اليوم أن نكتفي بالقول بأن هذا ما كان الأمر عليه في السابق». علماً أن هذا النقاش يعيد أسئلة وآراء متعدّدة أبرزها ما يعتقده بعض النقاد الفنيين والأكاديميين، عن خطورة قراءة الأعمال القديمة من وجهة نظر القرن الحادي والعشرين لأن ذلك قد يؤدي إلى خسارة عدد كبير من روائع الفن التشكيلي في العالم.