لا توجد مجتمعات حيّة تستحق الحياة إن لم يكن لديها معارضة شريفة وشجاعة غايتها الدفاع عن شعبها ومحاربة كلّ أشكال الفساد والظلم من أجل حياة كريمة وحرية التعبير عن الرأي والمواطنة. ومن خلال اضطراري للبقاء أشهراً في باريس لأسباب شخصية (كي ألتقي بأسرتي)، فقد لاحظت، بحياد تام ومن دون أن يكون لديّ موقف مسبق من أيّ شخصية معارضة، مواقف مُروعة فعلاً لبعض نماذج المعارضة السورية الذين كنتُ أعرف معظمهم لما كانوا في سوريا. والعديد منهم كانوا من أشدّ الموالين للنظام وأكبر الفاسدين وجمعوا ثروات طائلة من سرقتهم للمال العام. عاثوا فساداً لعقود في سوريا قبل أن يُقرّروا أن ينتقلوا إلى المقلب الآخر أي المعارضة. هؤلاء لا يهمونني لأنهم مكشوفون تماماً لكل الشعب السوري، حتى إنّ أبسط مراهق في سوريا يقول: «هؤلاء اللصوص الذين نهبوا وطني سوريا لعقود سيدافعون عني ويمثلونني»! أي أنهم سلفاً فاقدو المصداقية.

لكن الذي يهمّني حقاً هم الشباب والرجال السوريون الشرفاء الذين كانوا مثال النزاهة والإخلاص في العمل ونظافة اليد في وطنهم سوريا، لكن الظروف في مدنهم اضطرتهم للنزوح... هؤلاء الذين لم تكن لديهم انتماءات حزبية وسياسية في سوريا وجدوا أنفسهم في بلاد النزوح (معظمهم في منتصف العمر ويعيش على مساعدات دولة اللجوء) مهمّشين. لا دور حقيقي لهم، يتألمون بصمت حين يقارنون الوضع الذي كانوا عليه في سوريا حيث كان لديهم عمل يحقّقون من خلاله ذواتهم، وحياة اجتماعية وسكن لائق. ومعظمهم كانوا نشطاء في المجتمع المدني يستضيفون باحثين ونقاداً ومخرجين سينمائيين ويقيمون ندوات حوارية غنية حضرتُ العديد منها. الغربة أفقدتهم البوصلة للأسف، بوصلة حبّ الوطن بشكل صحيّ والعمل الصادق والمُضحي من أجل مصلحة السوريين سواء كانوا في الداخل أو الخارج. هؤلاء وقعوا في قبضة المعارضين المنافقين فاحشي الثراء الذين ادّعوا أنّهم يؤسّسون معارضة شريفة في الخارج، مُستخفّين برأي الشعب السوري الذي يعرف أنّ كلّ واحد من هؤلاء نهب المليارات من المال العام وعلى مدى عقود.
التهميش والفشل الذي يحسّه هؤلاء الرجال النازحون وإحساسهم بعدم الاندماج في مجتمعهم الجديد وصعوبة تعلّمهم اللغة... كل تلك العوامل جعلتهم صيداً سهلاً لحيتان الفساد المُدّعين أنهم معارضة، الذين أخذوا يقيمون من حين إلى آخر ندوات ومؤتمرات في عواصم أوروبية عديدة يدعون إليها هؤلاء المُفلسين (لأنهم يعيشون على مساعدات دولة النزوح التي بالكاد تكفي ثمن طعام) ويُنزلونهم في فنادق جميلة في باريس وغيرها ويتبجّحون بالكلام عن المبادئ والأخلاق في معارضتهم. وأعرف أحد هؤلاء الذي كان أحد أكثر المقربين من النظام، جمع المليارات من منصبه الحساس ثم جاء إلى باريس وطرح نفسه مُعارضاً، وضمّ إليه حاشية معظمها من هؤلاء السوريين المُهمّشين الذين يعيشون على مساعدات دول النزوح، والذين (وهو الأهم) لم يمارسوا أيّ نشاط سياسي في سوريا، وعاينوا كيف سُجن معظم زملائهم الذين كانوا منتمين لأحزاب سياسية ودينية. هؤلاء المهمّشون اعتقدوا أنّ فرصة ذهبية قدّمها لهم حيتان المعارضة بأن يكون لهم رأي ودور ما في حراك تموّله المعارضة. ومؤخراً، سمعت عن مؤتمر في باريس كان نجمه السيد الفلاني الملياردير الذي ظلّ ينهب من المال السوري لعقود، وقد صرّح منذ سنوات بأنه سيتسلّم رئاسة الحكم في سوريا خلال شهرين! وحدّد مدة شهرين ومرّت الأشهر والسنوات ولم يحقّق مراده. هذا المُنفصل عن الواقع دفعني رغماً عني منذ سنوات لكتابة مقال بعنوان: «أشكال الجنون السوري» نشرتُه في جريدة «السفير». السؤال المؤلم الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن لرجال سوريين نظيفي اليد والضمير عاشوا في سوريا بشرف من دون أن ينتهزوا فرصة أو يحصلوا على رشوة أو ينهبوا المال العام. كيف يمكن لهؤلاء الشرفاء أن يسمحوا للص منافق أن يقنعهم أنه معارضة شريفة غايتها الدفاع عن كرامة الشعب السوري! كيف تناسوا ماضي هذا الرجل! وبأيّ منطق غشوا ضميرهم وفكرهم كي يصطفوا حول هذا الرجل (وأمثاله)؟ وهل الدعوات إلى العواصم الجميلة والفنادق المريحة ودفع حتى تكاليف السفر لهؤلاء جعلتهم ينسون حقيقة من يصرف عليهم ويدعوهم إلى ما يسمونه معارضة! وما المواضيع التي يناقشونها؟! وما القرارات التي يخرجون بها؟! وماذا يستفيد منها الشعب السوري؟ هذه المعارضة التي يموّلها السفلة جمعت حولها حاشية من المفلسين في بلاد النزوح الذين لا خبرة لهم على الإطلاق في العمل السياسي، بل هم عاشوا في رعب حقيقي في سوريا من أن يُسجنوا إذا اشتغلوا بالسياسة أي إذا انتموا إلى أحزاب سياسية كرابطة العمل الشيوعي وغيرها... هم مضلّلون حقاً ويعتقدون أنهم يحقّقون ذاتهم كمعارضين لنظام استبدادي.

عاثوا فساداً لعقود في سوريا قبل أن يُقرروا أن ينتقلوا إلى المقلب الآخر أي المعارضة


هم بحاجة إلى أن يخدعوا أنفسهم ويخدّروا ضميرهم كي يحسّوا أنّ لهم دوراً في الحياة. كيف يمكن أن نقبل أنّ من يُصنف نفسه أحد أهم المعارضين يقول بأن الشعب السوري في بعض المناطق المُلتهبة يفضّل الموت على العيش في المناطق التي يسيطر عليها النظام! هل يوجد إنسان في العالم يتمنى الموت! لا أدافع على الإطلاق عن النظام الذي تعرّضت مراراً لأذية أجهزته الأمنية واستدعائي كلّما كتبت مقالاً فيه «نشر للغسيل الوسخ» (حسب تعبيرهم) ومُنعت من السفر مراراً، ومعظم أصدقائي قضوا سنواتٍ طويلة في سجون النظام وهم في زهرة شبابهم بسبب آرائهم وانتماءاتهم السياسية، وكتبت عنهم عدة مقالات... لا أدافع على الإطلاق عن النظام السوري الخانق لحرية التعبير وأجهزته الأمنية التي تجعل الذعر يعشش في النفوس إلى درجة يصبح من يتجرأ وينتقد ممارسات النظام مشبوهاً ومصدر خوف لدى رفاقه الذين ينفضّون عنه، وأذكر العديد من الأصدقاء أثناء المرحلة الجامعية في أواخر الثمانينات، وحين سُجن العديد من رفاقنا في كلية الطب وغيرها (كانت أعمارهم بين 19 إلى 22 سنة) لم يتجرأ الأهل على زيارة سجناء الرأي خوفاً من اعتقاد أجهزة الأمن أن لهم علاقة بالسياسة وبالابن السياسي المشبوه... لكن للحق أقول إن العديد من أهالي المناطق الملتهبة بالجحيم السوري مثل حلب وادلب والرقة وغيرها، معظم هؤلاء الأهالي السوريين نزحوا إلى اللاذقية وطرطوس أي إلى المناطق التي يسيطر عليها النظام، لأنها آمنة نسبياً، فهل يجب أن نلومهم لأنهم فضّلوا الحفاظ على حياتهم ولم يختاروا الموت؟ لا يوجد إنسان سويّ يفضل الموت على الحياة والناس يرمون أنفسهم في قوارب الموت أملاً بالنجاة والحصول على فرصة أفضل في الحياة. ما يُحزن حقاً أن هؤلاء السماسرة والقوادين والمنافقين فاحشي الثراء استطاعوا أن يجمعوا حولهم حاشية من أكثر رجال سوريا شهامةً وكرامةً ويقنعوهم أنهم معارضة شريفة غايتها مصلحة المجتمع السوري. فعلاً النظام السوري محظوظ بهكذا معارضة.

* روائية سورية