أعلنت الأكاديمية السويدية أمس عن الفائزين بجائزة «نوبل» للآداب. الفائز عن عام ٢٠١٩، هو الروائي النمساوي بيتر هاندكه (1942) عن «أعماله المؤثرة التي استكشفت خصوصيّة التجربة الإنسانية ببراعة لغويّة» وفق ما جاء في بيان اللجنة. أما جائزة ٢٠١٨ التي احتجبت العام الماضي، فقد ذهبت إلى البولونية أولغا توكاركوك (1962) عن «خيالها السردي وشغفها الموسوعي الذي يقدّم تجاوز الحدود كشكل من أشكال الحياة».

اختيارات «نوبل» بدت أكثر منطقية من الأعوام السابقة. إذ دار لغط كبير حول أهلية المغني بوب ديلان الفائز بالجائزة عام ٢٠١٦ أو حتى تتويج الياباني كازو إيتشيغورو بها (٢٠١٧). تعتبر توكاركوك من أبرز الأصوات الروائية في بولندا اليوم. روايتها «كتب يعقوب» (٢٠١٤) أثارت زوبعة سياسية في بولندا وتوجت بجائزة سويدية رفيعة جعلتها على مرصد «نوبل».

أماهاندكه المدجّج بترسانة مخيفة من الروايات والمسرحيات والترجمات والأعمال المنقولة للسينما، فيتوج بالجائزة عن جدارة كاملة. المشاكس الذي سرت الشائعات بأنه كاد أن يفوز بـ «نوبل» في بداية الألفية الثانية لولا كلماته فوق جثمان الرئيس الصربي ميلوسوفيتش في بلغراد، يرى الجائزة الأدبية الأرفع في العالم تأتيه رغم تغريده في السياسة خارج سرب «المسلمات»، ما يعيد للجائزة بعضاً من الرونق الذي فقدته بعد تسرّب الفضائح من أورقتها العام الفائت، مما كاد أن يحوّلها إلى «أضحوكة أدبية».

كتابة المتحول
«أن تكون غريباً يعني أن تكون حراً، أن تكون خلفك مساحة كبيرة، هضبة، صحراء. أن تكون لك حكايتك الخاصة، غير المخصصة للجميع، بل نصك الخاص مكتوباً بالآثار التي تتركها خلفك». هكذا تكتب أولغا توكاركوك في «كتب يعقوب» التي تروي قصة يعقوب فرانك، «المسيح الدجال» كما تصفه الكتب التي تتناول تاريخ بولندا في أواسط القرن الثامن عشر، والذي تطوعت حفنة صغيرة للذود عنه بوجه سُلطة الامبراطورية البولونية المتهالكة، كونه «مسكوناً بالروح القدس». هذه الرواية الأشبه بالأوديسة الأوروبية حول الرجل القابالي ذي الشخصية الغامضة والساحرة ومدّعي النبوة الذي سيعتنق، بحسب الظروف، المسيحية أو الاسلام، ستجعل من توكاركوك روائية ذائعة الصيت، لتراكم في رصيدها أعمالاً أخرى تصنع منها رقماً صعباً في بولندا اليوم... البلاد التي أنجبت روائيين وشعراء من طينة جوزيف كونراد، واسحق باشيفيس سنجر، وميروسلاف ميلوتش، وفيسوافا شيمبورسكا وفيتولد غومبروفيتش...


أعمال توكاركوك تأخذ القارىء في رحلة بحث عن الحقيقة عبر عوالم ملونة تخلط بأناقة ما بين الواقعي والماورائي. رحلة أشبه بالمكابدة الصوفية في بحثها المتواصل عن الحقيقة التي ــ كما يقول نقاد توكاركوك ــ «لا يمكننا بلوغها سوى بالحركة، بكسر الحدود وكل الأشكال والمؤسسات واللغات المُحكمة التي هي نوع من الموت». المناضلة اليسارية، والناشطة البيئية، والنباتية بتسريحة الرأس المشاكسة دلَفَت إلى الرواية من الشِعر. بعد نجاح كتبها الأولى، تفرغت للكتابة في قرية كراجانوف في جبال بولونيا الجنوبية الغربية، لتصير أعمالها أشبه بـ «البيستسلرز»، وقد ترجمت الى أكثر من ٢٥ لغة. كما أنّ مروحة أعمالها تتنوع ما بين القصة الفلسفية («الأولاد الخضر»، ٢٠١٦)، والرواية البوليسية ذات الأبعاد البيئية الميتافيزيقية («فوق عظام الموتى»،٢٠١٠)، إلى الرواية التاريخية من ٩٠٠ صفحة («كتب يعقوب»). في عالم توكاركوك الأدبي، يختلط الثابت بالمتحول: إنه عالَم بلا نقاط ارتكاز ثابتة، مع شخصيات تختلط طبائعها وسيرتها الذاتية بشكل عجيب على شاكلة قطعة بازل كبيرة وبديعة حيث الكل موصوف بلغة غنية، دقيقة وشعرية ومنتبهة للتفاصيل. عام ٢٠١٤ توجت «كتب يعقوب» بالجائزة الأدبية الأرقى في بولونيا، لكنها أثارت حفيظة الأوساط المحافظة والمعادية لكل ما هو «غريب ومختلف»، كما هي حال حكومة حزب «العدالة والقانون» اليميني الذي تناصبه توكاركوك العداء: بعد مقابلة تلفزيونية عام ٢٠١٥ صرحت فيها أن الكتاب عرّى زيف اسطورة بولونيا «المتحررة والمنفتحة»، تلقت الكاتبة تهديدات كونها «لطخت سمعة البلد»، مما استدعى حماية شخصية لها من قبل الناشر لمدة اسبوع. توكاركوك شريكة أيضاً في كتابة فيلم Spoor (آنييسكا هولاند) الذي استُلهم من روايتها «فوق عظام الموتى». في مشهدية تجمع البولار الإيكولوجي بالقصة الفلسفية، توج الفيلم عام ٢٠١٧ بجائزة ألفرد باور في «مهرجان برلين» ومثّل بولونيا في منافسات الأوسكار للعام نفسه. تصف أولغا توكاركوك نفسها بأنها شخص بلا بيوغرافيا: «لا أمتلك حتى الآن سيرة ذاتية واضحة يمكنني أن أرويها بطريقة مثيرة للاهتمام: أنا مكوَّنة من مجموع هذه الشخصيات التي خرجت من رأسي، التي اخترعتُها، أنا مكونّة منها جميعاً، لديّ بيوغرافيا ضخمة بحبكات كثير ».

بيتر هاندكه خارج السرب
لا يكفّ بيتر هاندكه عن إثارة الجدل في الأدب والسياسة. إحدى فضائله الأساسية تكمن في أنه لا يتردد في أخذ الخيارات من خارج الإجماع السائد. عام ٢٠٠٦، أثار زوبعة بحضوره جنازة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش حيث صرّح: «أعرف ما لا أعرفه، لا أعرف الحقيقة، لكني أشاهد، أسمع، أشعُر. أتذكّر، من أجل هذا أنا اليوم حاضر بالقرب من يوغسلافيا، بالقرب من صربيا، بالقرب من سلوبودان ميلوسيفيتش». أثناء الحرب اليوغسلافية، كان هاندكه واحداً من المثقفين القلائل الذين أدانوا ضربات الناتو على بلغراد، إلى جانب مواطنته ألفريده يلينيك (نوبل للآداب ـ ٢٠٠٤) وصديقه المخرج لوك بوندي والروائي الألماني و.ج. سيبالد. ردت الأوساط الثقافية وبخاصة الفرنسية، بقسوة على مواقف هاندكه، ليتم وقف العروض الباريسية لأحد نصوصه المنتقلة إلى خشبة المسرح.
روايتها «كتب يعقوب» أثارت زوبعة سياسية في بولندا

الأوساط نفسها تجهل ربما أن هاندكه الذي يعيش في فرنسا، هو الذي ترجم للألمانية أعمال ايمانويل بوف، رونيه شار، فرانسيس بونج، روايتين لباتريك موديانو، وهو الذي أعدّ للسينما «مرض الموت» لمارغريت دوراس. المتتبّع لسيرة هاندكه سيهتدي إلى جذور التمرد والمشاكسة المبكرة لدى الفتى الذي طُرد من إحدى المؤسسات الدينية الكاثوليكية لقراءته «تحت شمس الشيطان» لجورج برنانوس: «منذ نعومة أظافري، أصبتُ بعدوى الدم الأسود للكاثوليكية، نعم، الدم الأسود». يعترف هاندكه للصحافي الألماني مالت هرويغ الذي كان أول من كتب ما يشبه السيرة الذاتية لصاحب «الشقاء العادي» (١٩٧٢)، الذي نقلته «دار الفارابي» للعربية عام ١٩٨٧ بترجمة بديعة للشاعر الراحل بسام حجار، وصاحب الترسانة من الأعمال المسرحية والروائية (ما يربو على ٦٠ عملاً) عرفنا منها: «المرأة العسراء» (دار الاداب، ترجمة ماري طوق ١٩٩٠)، وعن «منشورات الجمل»: «رسالة قصيرة للوداع الطويل» (ترجمة نيفين فائق ٢٠١٥) و«خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء» (ترجمة صالح الأشمر ٢٠١٦) ، إضافة إلى «الحادث الكبير» (٢٠١٨)...
مفاجآت هاندكه في الكتابة لا تقل شأناً عن تلك في السياسة: بعد كتاب بعنوان «من نافذتي في الصباح» (٢٠٠٦)، سيصوم عن النشر لسنوات خمس، ليُخرج بضربة واحدة عام ٢٠١١ كتباً ثلاثة. رغم نفوره من «الدم الأسود» للديانة كما يورد في سيرته، إلا أن رأي هاندكه في الكتابة الأدبية يُعليها إلى ما يشبه الديني أو المطلق: «الأدب هو اللغة في اللغة، اللغة التي تتقمص، أكتب مع النفَس، لاكتشاف المقدّس، مقدس الحياة. أظن أنني رومانتيكي حازم، يثني على الذاكرة». سنعثر في رواياته على ضربات شعرية واضحة مثل: «شكلٌ للحب: أن نعاود مع الحبيب تعلم الكذب، لعبة لتوسيع الكينونة»، أو تنويعات ميلانخولية مثل: «في الليل لا أريد أن أسمع سوى أصوات نساء». يقول: «أنا مفكر اللحظة: لست سوى ذلك. أن أروي ليس بالشيء الذي يهمني، حبكتي مخفية، هاربة، أريد أن أُدرِك بالمعنى الذي كان يقصده سيزان».
يحتل المسرح كما السينما مركزاً أساسياً في مروحة نشاطات هاندكه الأدبية وهو الذي ارتبط اسمه مع صديقه فيم فيندرز بفيلمين مهمين هما «أجنحة الرغبة» (١٩٨٧) و«الأيام الجميلة في أرانجوي» ( ٢٠١٦). لا يخفي منذ صباه شغفه بالموسيقى: بوب ديلان والستون والكينك، معتبراً أن الروك يمكن أن يبني ديمقراطية لم نشهد لها مثيلاً من قَبل. هاندكه الذي قال في إحدى مقابلاته: «أعرف اللغة العربية وأقرأ القرآن بها» سيشكل وجبة دسمة ومستحقة للترجمة إلى لغة الضاد.