«إنّ الاسلام هو أول مدرسة اجتماعية تعتبر المصدر الحقيقي، والعامل الأساسي، والمسؤول المباشر عن تغيير المجتمع والتاريخ، ليست الشخصيات المختارة، كما يقول نيتشه وليس الأشراف والأرستقراطيين، كما يقول أفلاطون وليس العظماء والقادة، كما يقول كارليل وامرسون، وليس أصحاب الدم الطاهر، كما يقول ألكسي كاريل وليس المثقفين ورجال الدين، بل عامة الناس».


منهاج التعرف إلى الإسلام
قد يكون السؤال الأبرز الذي سيطر على ذهن علي شريعتي (1933 ـــــ 1977) وسواه من الشباب الثوريين بعد قيام المخابرات البريطانية والأميركية بالإطاحة برئيس وزراء إيران المنتخب محمد مصدق، هو كيفية تمكّنهم من ذلك على الرغم من الشرعية الدستورية والمشروعية الوطنية التي حظي بهما. الاستنتاج الذي توصل إليه شريعتي الشاب ـــ ومبكراً جداً ــــ هو أن نجاح هذا الانقلاب ارتبط بقدرة نظام الشاه على استغلال نمط من التدين ــ «التشيع الصفوي» ـــ يؤدي إلى تحييد قطاعات واسعة من الشعب عن المعركة من أجل الاستقلال والعدالة. علي شريعتي كان مدركاً للطاقة الثورية الكامنة في الإسلام. ففي أنحاء العالمين العربي والإسلامي، اصطدمت الغزوات التوسعية الغربية بمقاومات شعبية ضارية، رفعت الراية الإسلامية.

كان لتفاعله مع الثوار الجزائريين والأفارقة وتعاونه معهم أثر كبير على رؤيته لطبيعة التناقض الأساسي في العالم المعاصر

تندرج في هذا الإطار ثورات الشعب الجزائري التي لم تتوقف ضد الاستعمار الفرنسي طوال القرن التاسع عشر، وثورة الريف المغربي ضد الاستعمارَين الفرنسي والإسباني، والحركة المهدية في السودان ضد الاستعمار البريطاني، والحركة السنوسية في ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي، وثورة العشرين في العراق ضد الاستعمار البريطاني، وثورات ومقاومات أخرى في الهند والصومال ونيجيريا. الأمر نفسه انطبق على إيران وثورتها الدستورية في بدايات القرن العشرين، ومن ثم على حركة «فدائيان إسلام» المناهضة لحكم الشاه رضا بلهوي، التي أعدم قائدها الشهيد نواب صفوي في عام 1956. حفّز هذا الإدراك لمركزية دور الإسلام في عملية التغيير علي شريعتي على السعي لبلورة توليفة فكرية - سياسية تستخدم كذلك الأدوات النظرية والمفهومية للفكر النقدي العالمي في محاولتها لتحليل وفهم الرأسمالية الإمبريالية الغربية، ولصياغة نظرية للعمل الثوري في مواجهتها.
ولد علي محمد تقي شريعتي في عام 1933 قرب مدينة سيزوار في خراسان. انضمّ في شبابه إلى حزب الجبهة الوطنية الذي أسسه أنصار مصدق وتعرّض للاعتقال للمرة الأولى بعد مشاركته في التظاهرات العارمة التي تلت الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني عام 1953، وللمرة الثانية مع 16من رفاقه عام 1957. غادر إلى فرنسا بعد نيله منحة لاستكمال دراسته الجامعية في السوربون والحصول على الدكتوراه. باريس، عاصمة الإمبراطورية الفرنسية المتداعية آنذاك، كانت في الوقت نفسه ساحة رئيسية للاشتباك الأيديولوجي-السياسي بين أنصار وأعداء الاستعمار والرأسمالية، وشكّلت محطة حاسمة في مسيرة شريعتي الفكرية. فيها تعرف إلى إنتاج أهم مفكر تناول الظاهرة الاستعمارية في العصر الحديث، فرانز فانون، وكذلك إلى أعمال جان بول سارتر، ولويس ماسينيون وجاك بيرك.
رأى أن هذه الشعوب لا تستطيع الاعتماد سوى على نفسها للانعتاق والتحرر، من دون الرهان على أي قوة غربية

وكان لتفاعله مع الثوار الجزائريين والأفارقة وتعاونه معهم أثر كبير على رؤيته لطبيعة التناقض الأساسي في العالم المعاصر، باعتباره تناقضاً بين الاستعمار وشعوب الجنوب، أو المستضعفين، لا بين أديان أو حضارات. لم يحل الاختلاف الثقافي-الحضاري دون اقتناعه الراسخ بوحدة المصير بين هذه الشعوب، التي أخضعها «السيد الأبيض» وسطا على ثرواتها ومقدراتها وتحكم بمصائرها. وهو رأى أن هذه الشعوب لا تستطيع الاعتماد سوى على نفسها للانعتاق والتحرر، من دون الرهان على أي قوة غربية، مهما اختلفت هويتها الأيديولوجية والسياسية: «أنا لا أغفر حتى لماركس وانجلز وبرودون والاشتراكيين الثوريين الآخرين. فنحن يغار علينا في الشرق، وهم في الغرب يصارعون من أجل عدالة التوزيع بين الرأسماليين والعمال. لقد كتب فكتور هوغو «البؤساء»، ذلك الأثر المليء بالإثارة والعاطفة الإنسانية الرقيقة، ولكن لا يمكنني أن أنسى أن هذا الكتاب وكتباً أخرى كتبت حينما كنا نتعرض في هذه الزاوية من العالم للقتل الجماعي الجبان». لشريعتي عشرات المؤلفات التي أسهمت في تشكيل وعي جيل كامل من الإيرانيين. لم يمنع اغتياله في لندن من قبل استخبارات الشاه من أن يخيّم طيفه على إيران يوم اجتاحت الملايين الشوارع والساحات للخلاص من نير النظام الشاهنشاهي وسادته الأميركيين.

* تطلق «دار الأمير للثقافة والعلوم» الترجمة العربية لكتاب «هبوط في الصحراء» للمفكر الإيراني علي شريعتي في احتفال تقيمه عند الـ 16:30 من بعد ظهر اليوم على «مسرح جمعية التخصص والتوجيه العلمي» (الرملة البيضاء).